معكم 840 مليون دولار...إستحوا

معكم 840 مليون دولار...إستحوا -- May 18 , 2026 202

لا يختلف اثنان على أن الوضع المالي في البلد مُقلق، ويحتاج الى رقابة صارمة وعناية استثنائية، لضمان اتخاذ الاجراءات المناسبة لتقليص المخاطر قدر المستطاع. وفيما الأنظار شاخصة نحو سعر صرف الليرة، والقدرة على الحفاظ على ثباتها المستمر منذ منتصف العام 2023، يبدو أن مصدر الخطر الحقيقي يكمن في نقطتين:
أولاً- الشح في الدولار. وحتى اليوم، لا يمكن التأكد من مستويات التراجع التي سيرسو عليها الأمر. اذ أن السوق لا يزال قادراً على تأمين السيولة المطلوبة لضمان استمرارية الدورة الاقتصادية ببطء، على اعتبار ان الحاجة الى الانفاق على الاستيراد قد تكون تراجعت بفعل انخفاض الاستهلاك، وغياب شهية المستوردين على الانفلاش في الاستيراد. في المقابل، يؤدّي التضخّم، خصوصاً في أسعار الطاقة، الى تكبير قيمة الفاتورة، ولو أن الكميات تراجعت.

ثانياً- حاجة الدولة الى مزيد من الانفاق في ظل تراجع الواردات بسبب انخفاض مستويات الجباية الى حوالي 50 في المئة. وارتفاع الحاجات الانفاقية ربطاً بمعالجة تداعيات الحرب، وفي مقدمها النزوح.

اذا كانت "القلة بتولّد النقار"، فان تقاذّف المسؤوليات، ومحاولة البعض القفز فوق أولويات المصلحة العامة، والتركيز على تسجيل بطولات وهمية، ولو على حساب حقوق الناس، هو مصدر الخطر الحقيقي حالياً.

تحتاج الدولة في هذا الوقت الى المزيد من الدولارات لتسيير شؤونها. وهي تلجأ الى مصرف لبنان من أجل شراء العملة الصعبة لمصلحتها من السوق. لكن الاشكالية تكمن في أن المركزي يستمهل الحكومة أحياناً لكي يتمكّن من الشراء التدريجي للدولار، لئلا يتسبّب بأي إرباك قد يؤدّي الى الضغط على سعر صرف الليرة. في حين ان الحكومة مستعجلة ومحشورة وتريد الدولارات بسرعة.

هنا تبرز المعضلة، إذ تعلو أصوات في الحكومة تقترح أن يستخدم مصرف لبنان الدولارات المتوفرة لديه لمدّ الدولة بما تحتاجه اذا كان غير قادر على تنفيذ عمليات الشراء بسرعة. هذا الأمر لا يبدو مقبولاً، لأن الأموال الصعبة في مصرف لبنان تعود في القسم الأكبر منها الى الاحتياطي الالزامي للمصارف لدى المركزي، وهي بالتالي أموال المودعين. وليس من حق أي طرف، بمن فيهم مصرف لبنان، تنفيذ عمليات سواب (SWAP) مستخدماً هذه الأموال تحديداً لتمويل الدولة.

المستهجن أكثر، أن البعض في الحكومة يطلب الاستعانة بأموال المودعين، ويرفض استخدام أموال الدولة لتيسير أمورها. الدولة تمتلك في حسابها في المركزي، حوالي 840 مليون دولار فريش. والمفارقة انها لا تريد استخدام هذه الأموال، بل تقترح الاستعانة بأموال المودعين. السبب في هذا السلوك الغريب، أن البعض يريد الايحاء بأنه حافظ على أموال الدولة، ولم يُنفق منها رغم الحرب...إستحوا.

من غير المقبول أن تتمّ البطولات الدونكيشوتية على حساب الناس. حلّوا عن أموال المودعين، وفتّشوا عن الحلول بعيداً من السلبطة على حقوق الآخرين.

أنطوان فرح - نداء الوطن

أقرأ أيضاَ

تدمير الثقة والرؤية أخطر من الأزمة الإقتصادية

أقرأ أيضاَ

إسرائيل تنقل المعركة إلى المال: دراسة تكشف خطة خنق شبكة تمويل الحزب عالميا