التحويلات المالية تخفق في إنعاش أسواق العيد في سوريا -- Dec 26 , 2025 84
في موسم الأعياد، يعلق التجار السوريون عادة آمالًا على تحريك الأسواق وإنعاش الطلب المحلي، لكن الواقع الاقتصادي لعام 2025 يكشف عن حدود هذه التوقعات. فبالرغم من ورود تحويلات مالية موسمية، إلا أن أثرها على الأسواق يبقى مؤقتًا، لا يعكس تحسنًا حقيقيًا في القدرة الشرائية ولا يحرك عجلة الاقتصاد بشكل مستدام.
وبين رغبة الأسر في الاحتفال بالحفاظ على طقوس العيد، وارتفاع الأسعار وضعف الدخل، يظهر اقتصاد العيد كمرحلة موسمية عاجزة عن مواجهة هشاشة الواقع الاقتصادي في سوريا.
وبين القلق والأمل، تشهد أسواق الأعياد في المدن السورية نشاطًا محدودًا، وسط مساعٍ واضحة باتجاه الحفاظ على طقوس الفرح بالرغم من الواقع الصعب.
أثر محدود على الأسواق
لكن مهما يكن يبقى للمناسبات الكبرى في البلاد أثرها ولو المحدود على الأسواق، وهنا تتلاقى آراء الخبراء والتجار والمستهلكين وتتوافق على تأثير موسم العيد على السوق، وتالياً الاقتصاد المحلي، فالعادات الاستهلاكية ذات تأثير لا يمكن إنكاره على قرارات الإنفاق الفردية والأسرية.
ومن خلال جولة لـِ "المدن" في أسواق دمشق، بدا واضحاً أن الطلب يرتفع على الملابس، الهدايا، والمواد الغذائية، حيث يحرص المستهلكون على تجهيز منازلهم لاستقبال الضيوف بما يتوافق مع روح العيد. وفي الوقت نفسه، تختلف أنماط الإنفاق: فبين من يلتزم بالتقاليد رغم ضغوط الميزانية، ومن يسعى لتحقيق توازن بين العادات والإمكانات المالية، يظهر تخطيط مسبق للإنفاق والاعتماد على العروض الموسمية كاستراتيجية شائعة.
وأظهرت نتائج جولة "المدن" أن هناك ارتفاعًا خجولاً في الطلب على مجموعة من السلع الأساسية خلال فترة الأعياد، أبرزها الملابس، والهدايا، والمواد الغذائية، كما تختلف أنماط الإنفاق من شخص إلى آخر، فالبعض يلتزم بتقاليد العيد حتى لو تطلب الأمر تجاوز الميزانية المخصصة مسبقاً لذلك، بينما يحاول آخرون تحقيق التوازن بين العادات والظروف المالية.
وفي ظل الظروف الاقتصادية المتغيرة أصبح البعض يتجه إلى التخطيط المسبق للمصاريف، إما عن طريق الادخار التدريجي أو البحث عن العروض الترويجية والتخفيضات الموسمية.
ومن منظور التجار لا يتعدى زخم العيد كونه مؤقتاً في الأسواق، وفي أحد أسواق العاصمة يرى التاجر عبد الله السيوفي أن موسم الأعياد يمثل فرصة لتعويض جزء من الخسائر السنوية، لكنه لا يعكس تحسنًا طويل الأمد. ويقول إن الأسواق تتحرك بشكل ملحوظ خلال هذه الفترة، خصوصًا على الملابس والهدايا والمواد الغذائية، لكن النشاط محدود الزمن ومحدود التأثير. بعد انتهاء الموسم، يعود الركود، وتظل الأسعار مرتفعة والقدرة الشرائية محدودة.
وبينما يسعى الناس للحفاظ على عادات الاحتفال، بحسب التاجر، نجد أنفسنا مضطرين لتقديم عروض تخفيضية لتعزيز المبيعات، ما يقلل هامش الربح. فالعيد يشبه زخة مطر قصيرة، تنعش السوق مؤقتًا لكنها لا تروي الأرض الاقتصادية بالكامل.
تحويلات الموسم بأثر محدود
في المقابل، يشير الخبير المالي والمصرفي د.علي محمد في حديثه لـ"المدن"، إلى أن النصف الثاني من عام 2025 شهد تحسنًا نسبيًا في قطاعات الصناعة والزراعة، مع افتتاح نحو اكثر من 2000 شركة صغيرة ومتوسطة.
لكنه يشدد على أن الحديث عن تعافٍ اقتصادي حقيقي لا يزال سابقًا لأوانه، موضحًا أن التحويلات المالية الواردة خلال الأسبوع الأخير من العام، وتحديدًا في فترة الأعياد، تتراوح بين 8 و10 ملايين دولار يوميًا، إلا أن نحو 90 في المئة من هذه الأموال تُنفق على الاستهلاك، ما يجعل أثرها مؤقتًا على الأسواق دون تحسين ملموس في القدرة الشرائية.
وأضاف د. محمد أن استمرار الركود وارتفاع معدلات البطالة يجعل التأثير الحقيقي لهذه التحويلات محدودًا، إذ لا تسهم بشكل كبير في دعم الإنتاج المحلي أو تحفيز النمو الاقتصادي المستدام.
وهنا يمكن رصد التماهي بين الحالة الوصفية للواقع الميداني على لسان التاجر، وبين التحليل المالي، أي الخبرة العملية للتاجر والأرقام الاقتصادية للخبير:
فالتاجر يرى أن النشاط مؤقت ويعود الركود بعد العيد، ويضطر لتخفيض الأسعار لتعويض الطلب المحدود.
أما الخبير المالي فيؤكد أن التحويلات الموسمية تنشط السوق مؤقتًا فقط ولا تسهم في تحريك الاقتصاد الكلي، وهذا ما يعزز انطباع التاجر حول محدودية تأثير الموسم.
التكيف مع الظروف
بعد الاطلاع على وجهة نظر التحليل المالي نعود إلى التاجر الذي قال: "نحن نتفهم أن التحويلات الموسمية تساعد على رفع القدرة الشرائية مؤقتًا، لكن هذا لا يكفي لإحداث فرق طويل الأمد، لذلك يعتمد الكثير من التجار على تخطيط مسبق وتقدير المخاطر الموسمية، مع التركيز على العروض لجذب المستهلكين خلال هذه الفترة المحدودة".
ويختم: أن الأعياد تمنح السوق زخة نشاط قصيرة، لكنها لا تغيّر الجوهر الاقتصادي، وبالتالي يبقى السوريون يتطلعون للحفاظ على طقوس الاحتفال رغم الواقع الصعب.
بالعموم سيستنتج أي متابع لحالة الأسواق الراهنة، أن اقتصاد العيد في سوريا يبقى آني ولا يحقق انتعاشًا حقيقيًا للمستهلك، الذي هو الحلقة الأضعف، رغم الأثر المباشر في إنعاش الأسواق مؤقتًا، لكن الانتعاش الاقتصادي الحقيقي يظل بعيدًا، ويحتاج إلى إصلاحات هيكلية جذرية بعيدًا عن الاعتماد على الإنفاق الموسمي.
هناء غانم - المدن