الريال ينهار: العقوبات تفضح اقتصاد النفوذ في إيران

الريال ينهار: العقوبات تفضح اقتصاد النفوذ في إيران -- Jan 15 , 2026 21

لا يحتاج أحد اليوم إلى قراءة تقارير صندوق النّقد أو متابعة بيانات البنك المركزيّ كي يفهم عمق المأزق الماليّ والاقتصاديّ الذي وقعت فيه إيران، بل يكفي أن يسأل عن سعر الدولار. خلال أيّام من كانون الثاني 2026، لامس الدولار في السّوق الموازية حدود 1.45 إلى 1.47 مليون ريالٍ، أي نحو 145 إلى 147 ألف تومانٍ بالوحدة المتداولة شعبيًّا، في مستوى ينظر إليه كهبوطٍ تاريخيٍّ جديدٍ، بينما تتّسع الاحتجاجات ويزداد الهلع من موجة غلاءٍ إضافيّة.

لكنّ هذا الانهيار لا يأتي من فراغ، ولا يمكن اختزاله في كونه مجرّد "قصة عقوبات"، كما يحاول النظام الحاكم في إيران تبسيطه وتسويقه داخليًا. فالعقوبات عاملٌ ثقيل ومؤذٍ بلا شك، غير أنّ العملات لا تنهار بسبب الضغوط الخارجية وحدها، بل حين يفتقر الداخل إلى مؤسسات قادرة على امتصاص الصدمات، ويغرق في اقتصادٍ موازٍ، وتتحكّم به طبقة امتيازات، وفساد مصرفي، وسياسات مالية قائمة على الطباعة، ودولة عميقة مسلّحة تتعامل مع الاقتصاد بوصفه غنيمة.

ما الذي يعنيه سقوط العملة اقتصاديًّا؟

في الاقتصادات التي تعيش صدماتٍ خارجيّةً، تتحدّد متانة العملة بقدرة الدولة على إدارة ثلاثة محاور، ميزان المدفوعات (أي تدفّقات العملة الصّعبة)، والانضباط الماليّ (أي العجز وتمويله)، ومصداقيّة السّياسة النّقديّة (أي توقّعات التضخّم). في الحالة الإيرانيّة، تزامن الضّغط الخارجيّ، أي العقوبات وتقييد الوصول إلى العملات الصّعبة، مع ضعفٍ داخليٍّ مزمنٍ في هذه المحاور، ما جعل كلّ موجة توتّرٍ أو قرارٍ اقتصاديٍّ محفّزًا لتسارع "الدّولرة" والهرب إلى الأصول الصّلبة.

في البدء، طرحت الخمينيّة نموذج "الجمهوريّة الإسلاميّة" بوصفه بديلًا عن الشيوعيّة والرأسماليّة، واعدًا بفلسفة حكمٍ ونظريّة اقتصادٍ تحقّق العدالة. لكنّ تجربة "ولاية الفقيه" سرعان ما قادت إلى تصلّبٍ بنيويٍّ، فجمهوريّةٌ موعودةٌ انقلبت إلى حكمٍ ثيوقراطيٍّ متشدّدٍ يستمدّ شرعيّته من "استمراريّة الثورة" وتصديرها، ويثبّت سلطته بأجهزة أمنٍ وتعبئةٍ وحرس.

ومن هنا تتبدّى العقدة الاقتصاديّة، حين تصبح "الثورة الدائمة" شرطًا للبقاء، يغدو الصّراع الخارجيّ أداة حكمٍ داخليّةً لإدارة التوازنات، وتأجيل الاستحقاقات الاقتصاديّة، وتوجيه الموارد نحو مراكز القوّة.

أصل الانهيار

كما لا يمكن فهم البنية الاقتصاديّة الحاليّة من دون العودة إلى ما بعد الحرب العراقيّة الإيرانيّة، حين برزت أولوية إعادة الإعمار والأمن الاقتصاديّ. هذا المسار أسهم في توسّع الكيانات شبه الحكوميّة وشبكات التعاقد الكبرى، ومع الزّمن صار جزءٌ معتبرٌ من النشاط الاقتصاديّ يدور حول "القدرة على الوصول" إلى العقود والتمويل والتراخيص، أكثر من دورانه حول الإنتاجيّة والمنافسة. هنا تتشكّل تدريجيًّا كلفةٌ خفيّةٌ على العملة، انخفاض الاستثمار المنتج، واتّساع الاقتصاد غير الرسميّ، وتراجع الثّقة بقدرة الدولة على تطبيق قواعد موحّدة.

الحرس الثوريّ والاقتصاد

تظهر تقارير بحثيّة متعدّدةٌ أنّ نفوذ الحرس الثوريّ لم يعد مقتصرًا على شركاتٍ أو مشاريع بعينها، بل صار جزءًا من شبكةٍ أوسع تربط مؤسّساتٍ عسكريّةً بكياناتٍ "شبه دوليّة" ومنها بعض "البنياد/المؤسّسات"، في ما وصفته دراسةٌ لمعهد كلينغيندال بـ"المركّب العسكريّ البنياديّ".

اقتصاديًّا، وجود مركز قوّةٍ يمتلك نفوذًا تعاقديًّا وتنظيميًّا واسعًا يعني عمليًّا منافسةً غير متكافئة، وتركيزًا في الحصول على الرّيع، وارتفاع مستوى المخاطر على القطاع الخاصّ، وهي كلّها عوامل تترجم، في النهاية، إلى ضغطٍ مزمنٍ على العملة. وتشير تقارير إلى اتّساع دور الحرس في قطاعاتٍ حيويّةٍ مثل النفط والإنشاءات والنقل، وفي قنوات الالتفاف على القيود التجاريّة، بما يمنح شبكاتٍ بعينها قدرةً على تحصيل العملة الصّعبة أو التحكّم بتدفّقها، وهو عنصرٌ حسّاسٌ في أيّ نظام سعر صرفٍ يعيش ندرةً دولاريّة.

العقوبات عامل رئيسيّ

وتشكّل العقوبات صدمةً مؤثّرةً لأنّها تقلّص الإيرادات الخارجيّة وتصعّب التحويلات وترفع كلفة التجارة، وقد ذكرت تقارير دوليّةٌ أنّ الرّيال كان عند مستوياتٍ أدنى بكثيرٍ قبل إعادة فرض العقوبات الأميركيّة في 2018، ثم أخذ مسارًا هبوطيًّا متسارعًا. غير أنّ الاقتصادات لا تنهار بالمنطق نفسه تحت العقوبات، فالفارق الحاسم غالبًا هو ما إذا كانت المؤسّسات الاقتصاديّة قادرةً على توزيع الكلفة بعدالةٍ، وضبط التمويل بالعجز، ومنع تشكّل اقتصادٍ موازٍ يحوّل القيود إلى ريعٍ لمجموعاتٍ محدّدة.

تعدّد أسعار الصّرف

من أكثر نقاط الضّعف التاريخيّة في الاقتصاد الإيرانيّ تعدّد أسعار الصّرف، رسميٌّ وتفضيليٌّ وموازٍ. هذا التعدّد يخلق فجوةً بين "سعر الدولة" و"سعر السّوق"، ويفتح بابًا واسعًا للمضاربات والوساطات وإعادة البيع والتهريب. في الأسابيع الأخيرة، اتّخذت الحكومة خطوةً إصلاحيّةً حسّاسةً بإلغاء دور سعرٍ تفضيليٍّ كان يمنح للمستوردين، مع تعويضاتٍ نقديّةٍ محدودةٍ للأسر، في محاولةٍ لتقليل التشوّهات. غير أنّ تطبيق هذا النوع من الإصلاحات في بيئة تضخّمٍ مرتفعٍ وثقةٍ ضعيفةٍ قد يرفع الأسعار سريعًا ويزيد الاضطراب الاجتماعيّ، وهو ما عكسته تغطياتٌ عن ارتفاعاتٍ في سلعٍ أساسيّةٍ وتحذيراتٍ رسميّةٍ من التخزين والمغالاة.

أزمة المصارف والتمويل بالعجز

في اقتصادٍ يعاني قيودًا على التمويل الخارجيّ وضعفًا في سوق الدّين الداخليّ، يميل العجز الماليّ إلى التحوّل إلى "عجزٍ نقديٍّ" عبر القنوات المصرفيّة، تمويلٍ شبه مباشرٍ، أو تسهيلاتٍ واسعةٍ، أو إنقاذ مؤسّساتٍ ماليّةٍ متعثّرة. وقد تحوّلت أزمة بنك "آينده" إلى مثالٍ دالٍّ على هشاشة القطاع المصرفيّ، مع تقارير عن دمجه أو استيعابه ضمن بنك "ملّي" الحكوميّ لتفادي انهيارٍ أوسع. اقتصاديًّا، أيّ إنقاذٍ كبيرٍ في نظامٍ مصرفيٍّ مثقلٍ بالدّيون المتعثّرة يترجم عادةً إلى زيادة الكتلة النقديّة أو نقل الخسائر إلى ميزانيّة الدولة، وهو ما يغذّي توقّعات التضخّم ويضغط على العملة.

التضخّم وتوقّعاته

حين يستقرّ التضخّم عند مستوياتٍ مرتفعةٍ لسنواتٍ، تتغيّر السّلوكيّات، فالادّخار بالعملة المحليّة يصبح مكلّفًا، والطّلب على الدولار والذّهب والعقار يتحوّل إلى سلوكٍ تحوّطيٍّ جماعيٍّ، ما يزيد الضّغط على سعر الصّرف حتى دون صدماتٍ جديدة. صندوق النّقد الدوليّ يقدّر تضخّم إيران في 2026 عند نحو 42.4%، وهو مستوىً كافٍ وحده لإضعاف العملة إن لم تقابله سياسةٌ نقديّةٌ شديدة الانضباط وثقةٌ مؤسّسيّةٌ عالية، وهما عنصران يصعب تحقيقهما في ظلّ تعدّد أسعار الصّرف وتداخل الاقتصاد مع شبكات نفوذٍ.

لا يقتصر أثر انهيار العملة على الداخل. تقارير عدّةٌ وثّقت كيف انعكس تراجع القدرة الشرائيّة للإيرانيّين على قطاعاتٍ خدميّةٍ خارج إيران، منها السّياحة الدينيّة في النجف، مع انخفاضٍ كبيرٍ في أعداد الزّوّار الإيرانيّين وإغلاق جزءٍ من الفنادق وتراجع إيرادات التّجارة المحليّة. هذا النوع من الأثر يوضّح أنّ أزمة العملة ليست محلّيّةً بالكامل، بل تعيد تشكيل شبكات الاستهلاك والسّفر والتّجارة في الإقليم.

يمكن تلخيص ما أوصل التومان إلى هذه العتبة في تراكب أربعة عناصر، قيودٍ خارجيّةٍ على العملة الصّعبة، وتعدّدٍ مزمنٍ لأسعار الصّرف وتشوهات الرّيع، واختلالاتٍ ماليّةٍ ومصرفيّةٍ تجعل الاقتصاد ميّالًا لتمويل العجز بالسّيولة، وبنية حوكمةٍ اقتصاديّةٍ يتداخل فيها السّياسة والأمن والاقتصاد بما يرفع علاوة المخاطر ويضعف الاستثمار المنتج. وفي هذا الإطار، تصبح رواية "العقوبات وحدها" غير كافيةٍ تفسيريًّا، مثلما تصبح رواية "سوء الإدارة وحده" غير دقيقة، فالصّورة الأدقّ هي أنّ العقوبات تضغط، لكنّ البنية الداخليّة تحدّد ما إذا كان الضّغط سينتهي إلى تصحيحٍ مدارٍ أو إلى فقدان ثقةٍ شاملٍ.

جاد هاني - اساس ميديا

أقرأ أيضاَ

صعود أسهم أوروبا مع تزايد الثقة بعد بيانات متفائلة ونتائج قوية للشركات

أقرأ أيضاَ

تراجع في أسعار النفط