قانون الإيجارات بين فوضى التفسيرات وقلق الإخلاء.. من يدفع الثمن؟

قانون الإيجارات بين فوضى التفسيرات وقلق الإخلاء.. من يدفع الثمن؟ -- Feb 05 , 2026 18

لم يعد ملف الإيجارات السكنية القديمة، مجرّد نزاع قانوني قابل للحل بنصٍّ تشريعي أو بقرار قضائي، بل تحوّل إلى مساحة فوضى معرفية حقيقية: روايات متناقضة، تفسيرات انتقائية، استشارات مرتجلة على وسائل التواصل، وخطاب تعبوي من جهات متقابلة، وكل طرف يعلن نفسه صاحب الحقيقة المطلقة. النتيجة، مالكون خائفون من ضياع حقوقهم، ومستأجرون مرعوبون من شبح الإخلاء، وسوق قانوني يسبح في الضباب.

التشتيت "مقصود"!

لذلك، لا تكمن المشكلة في القانون نفسه، بل في الطريقة التي يتم يُتداول بها، بحيث كلما اقتربت مهلة أو صدر حكم، أو طُرح اقتراح تعديل، تنفجر موجة جديدة من "المعلومات" كثير منها مجتزأ، وبعضها غير دقيق، وجزء منها مُسيّس أو موجّه. صفحات ومنصات تقدّم نفسها كمرجع قانوني، بينما هي في الواقع تنقل آراء لا ترقى إلى مستوى التفسير القضائي الملزم. وهنا تحديدا تتجلّى الخطورة: الناس تبني قرارات مصيرية، سكنا وملكية واستثمارا على محتوى غير موثوق.

وفي قلب هذا الجدل، يقف سؤالان متقابلان لا يريد أحد مواجهتهما بصدق كامل: هل يُعقل أن يبقى المالك أسير بدل إيجار فقد قيمته بالكامل بفعل الانهيار النقدي؟ وهل يُعقل أن يُترك المستأجر القديم، وغالبيتهم من الفئات المتوسطة أو المحدودة الدخل، لمصير سوق سكني مـفلت الأسعار؟

من هذا المنطلق، تزداد البلبلة أكثر مع ما يُتداول مؤخرا حول بدء بعض إجراءات الإخلاء في الإيجارات التجارية القديمة، ووفق معطيات وصلت لـ "الديار" تفيد تلقي مستأجرين إنذارات أو إشارات قضائية عبر محامين. هنا يبدأ الخلط الخطير: هل هذا المسار سينسحب على السكني؟ قانونيا المساران مختلفان في البنية والآليات، لكن نفسيا وإعلاميا يجري إسقاط أحدهما على الآخر، ما يخلق مناخ هلع غير دقيق. ليس كل إجراء في التجاري يعني تلقائيا انتقال العدوى إلى السكني. لكن أيضا لا يمكن إنكار أن الاتجاه العام في السياسة التشريعية، يميل منذ سنوات نحو تقليص الامتدادات الاستثنائية.

صندوق الاوهام

في جميع الأحوال، الإشكالية الأعمق أن الدولة نفسها، وهي الطرف الذي وعد بإنشاء آليات توازن مثل صندوق دعم المستأجرين، لم تنجح في تقديم نموذج تطبيقي مستقر وواضح. فبقي النظام التشريعي نظريا في بعض مفاصله، وارتجاليا في مفاصل أخرى، ما فتح الباب لاجتهادات قضائية متفاوتة، وتفسيرات متضاربة، واستنسابية في الفهم العام.

لهذا السبب، أي مقاربة جدية لهذا الملف يجب أن تبدأ من نقطة حاسمة: ليس كل ما يُنشر استشارة قانونية، وليس كل ما يُقال إنذارا يعني إخلاءً وشيكا، وليس كل مهلة تُذكر تعني نهاية فورية للتمديد.

المرجعية الحقيقية تبقى في النصوص النافذة، والاجتهادات القضائية الصادرة، والتوضيحات الرسمية، لا في الفيديوهات القصيرة ولا المنشورات المتداولة. من هنا، فان وضع الإصبع على الجرح في هذا الإطار، يعني الاعتراف بأن الأزمة ليست فقط مأزق قانون إيجارات، بل أزمة ثقة بالمعلومة وبالمؤسسات وبآليات التطبيق. وأي نقاش نزيه يجب أن يعيد ترتيب الأولويات: دقة قبل تعبئة، تفسير قبل تخويف، ووقائع قبل شعارات.

وراء التخويف "مصلحة"

وفي هذا السياق، يوضح المحامي أديب زخور لـ "الديار" انه: "منذ بضعة أسابيع يحاول البعض زرع البلبلة والايهام، بأن قانوناً جديداً صدر ليرعى الأماكن السكنية، وتنص على انتهاء مدة التمديد في 28/2/2026. واما تفسير القانون الحالي على حساب بعض المصالح الضيقة لإخافة المستأجرين وتضليل حتى المالكين، لاتخاذ إجراءات ضد المستأجرين القدامى بإنهاء إيجاراتهم في ذلك التاريخ، او الزامهم بتسديد زيادات لا اساس لها من الصحّة والقانونية، بعكس ما قد أكدت عليه الاحكام المبرمة، الصادرة على تعليق القانون، وعدم قابلية الكثير من مواده للتطبيق لمصلحة المستأجر استناداً الى المادة 58، بل حتى عدم سريان المهل وعدم بدئها لا في العام 2014 او 2017، ولا انتهائها حتى في العام 2029 دون انشاء اللجان والصندوق".

التشريعات واضحة

ويضيف: "هذا ما أكّده القرار المميّز الصادر عن محكمة استئناف جبل لبنان برئاسة الدكتورة ريما شبارو، حيث شدّد القرار الصادر عنها بتاريخ 28/4/2025 على وحدة النصوص وترابطها وعدم قابليتها للتجزئة، تمهيداً للقول انه لا يمكن البحث بانتهاء عقد الاجارة، إلا بعد ربطها بكافة المواد المتصلة ومنها المادة 15، خصوصاً ان كيفية وبدء احتسابها قد ارتبط بغيرها من المواد، لا سيما بكيفية إتمام واحتساب بدء سنوات التمديد والدفع، وغيرها من المواد".

ويتابع "قانون الإيجارات هو خاص واستثنائي، لا يصحّ ولا يجوز أساسا تجزئة النص او سلخه عن مضمونه او فصله عن كيانه، وصولاً الى الاستنتاج الوحيد، وهو يتعلق بعدم تصوّر امكان حتى الخلوص لنقطة الاحتساب او تاريخ بدء الاحتساب، لا من 2014 ولا من 2017 لعدم وجود اللجان والصندوق، أي هناك استحالة ببدء احتساب المهل. واستطراداً وللتوسع بالشرح من قبل المحكمة، بالرغم من رأيها الواضح في الفقرة الأولى منها وفي حال تمّ انشاء اللجان والصندوق وإعادة صياغة القانون ليكون وحدة متكاملة، فإن انطلاقة التمديد هي من 2017".

نسف المصداقية

ويقول "كما أكّد القرار الصادر عن محكمة استئناف بيروت الغرفة الحادية عشرة، المؤلفة من الرئيس ايمن عويدات ومن المستشارين حسام عطالله وكارلا معماري برقم 318/2021 تاريخ 24/6/2021، والذي استقر اجتهادها على سريان القانون 2/2017، وبالتالي التمديد الى 2029، مع تعليق المواد المتصلة باللجان والصندوق وغيرها استناداً الى المادة 58، اي لحين انشاء الصندوق والحساب ودخوله حيّز التنفيذ، وقد صدرت مئات القرارات استناداً الى هذه المادة 58".

يتابع: "وقد نصّت المادة 10 من القانون 2/2017 فقرتها الأخيرة: إن المساهمات التي يتوجب على الصندوق دفعها للمؤجر، تبقى على عاتق هذا الصندوق، ولا يمكن للمؤجر التذرع بها لأي سبب، وأمام أي مرجع بوجه المستأجر ،على أنها جزء من بدل الإيجار لم يسدد من قبل الأخير. وبالتالي، لا يمكنكم حتى المطالبة بأية زيادة، وامام أي مرجع بوجه المستأجر فيما خصّ الزيادات، وتبقى علاقتكم محصورة مع الصندوق".

ويشدد على ان "المادة 58 قد نصّت صراحة على تعليق الاحكام المتعلقة باللجان، وتحديد بدل المثل والزيادات، الى حين انشاء الصندوق الذي سمّي بالحساب ودخوله حيّز التنفيذ، أي ان تتوفر الأموال الكافية، ويبدأ فعلياً لا صورياً بالدفع، وبذلك اكّد المجلس النيابي من خلال هذه المادة الصريحة، على تعليق المواد كافة المتعلقة باللجان الى حين تمويل الصندوق والبدء بالدفع للمالك والمستأجر، اي ان يدخل فعلياً حيّز التنفيذ، علماً انه أفرغ من اي فلس بموجب المرسوم 8836/2022، ولعدم إمكانية التطبيق دون وجودهما".

بين الموعود والمطبق... الاحكام صريحة!

ويقول: "إذا سلمنا جدلاً أن القانون 2014 هو النافذ، بالرغم من القرارات القضائية بداية واستئنافاً الصريحة، فإن مهلة 12 سنة تنتهي في 28/12/2026، وليس في 28/2/2026 كما يدّعي البعض بطلاً، استناداً الى المادة 15 وما يليها من المادة القديمة، اما بعد تعديلها في القانون 2/2017، أصبحت واضحة انتهاء التمديد في العام 2029، مع تعليق مواد القانون المتصلة باللجان والصندوق بما فيها المادة 16 وغيرها، استناداً الى المادة 58، وكما جاء في شرح محكمة جبل لبنان، حيث مهل التمديد لا تبدأ ولا تنتهي دون اكتمال عناصر القانون مجتمعة".

ويكشف: "أن القانون نصّ صراحة وفقاً للمواد 15 و16 و27 الصريحة من قانون الإيجارات 2/2017 على التمديد 12 سنة للمستفيدين من الصندوق، من تاريخ نشر هذا القانون بتاريخ 28/2/2017، كما والاستفادة من التعويضات والتمديد الى العام 2029، وان معظم المستأجرين من هذه الفئة المستفيدة من الصندوق، وان من يطالب بتطبيق القانون 2017، واستطراداً، فإنهم يعترفون بسريان وتطبيق هذا القانون والاحكام الصادرة، ويطلب منهم تسليم المستأجرين عقد ايجار وفقاً للأصول لمدة ثلاث سنوات إضافية، كما ينص عليه القانون في المادة 16 بالرغم من عدم قابلية المادة 16 للتطبيق، لعدم انشاء الصندوق واللجان وبدء عملها، ولعدم إمكانية اصدار أي قرار منها، لاستحالة ممارسة خياراتنا بالبقاء في المأجور او تركه، وقبض مجموع المساهمة كما نصّت عليه المادتان 16و27 من قانون 2/2017، وغيرها من الشروط والإجراءات التي لا يمكن تطبيقها، وهي شروط أساسية لتطبيق المادة 16، ومن دونها لا إمكانية لتطبيقها كلياً أو جزئياً".

بوصلة الدولة "تائهة"!

ويختم زخور: "بالتالي فإن تطبيق هذا القانون مستحيل من دون تعديله، لأن الدولة لم تؤمّن التمويل اللازم للصندوق، رغم أن كلفته تُقدَّر بمليارات الدولارات، في وقت تعجز فيه الدولة عن رد أموال المودعين، ونقترح مؤقتاً اصدار قانون بزيادة مقبولة، تتناسب مع الحد الأدنى للأجور وغلاء المعيشة، وايضاح مسألة التمديد، لعدم استغلالها من أي طرف الى حين إتمام التعديلات، وإيجاد مخرج وحلّ قانوني وعادل للطرفين. وننصح المستأجرين التقدم الى اللجان للاستفادة من الصندوق، وايداع بدلات الايجار لدى كاتب العدل، والتمسك بتطبيق القانون 2/2017 كما جاء في الشرح اعلاه في كافة كتبهم".

ندى عبد الرزاق- الديار

أقرأ أيضاَ

تأثير اليورو على لبنان: هل نشهد ارتفاعاً كبير في أسعار المواد الغذائية؟

أقرأ أيضاَ

فوائض كبيرة في الميزانيّة العامّة: من سيستفيد منها؟