أين يتجه الاقتصاد الروسي بعد مرور 4 سنوات على حرب أوكرانيا؟ -- Feb 24 , 2026 106
مع دخول الحرب عامها الخامس يجد الاقتصاد الروسي نفسه في اختبار طويل الأمد بعدما تعرض لواحدة من أوسع حملات الضغط الاقتصادي في التاريخ الحديث، والتي استهدفت البنوك والطاقة والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد والاحتياطيات السيادية. ورغم ذلك، لم يٌهدم الاقتصاد كما توقع كثيرون، لكنه تعرض لضغوط عميقة مع ذلك، وتآكل تدريجي في مصادر قوته ما دفع الكرملين لزيادة الاعتماد على أدوات استثنائية في السياسة النقدية والمالية وسط صدمات العملة وارتفاع التضخم واتساع دور الإنفاق العسكري، خاصة بعد العقوبات الهائلة التي استهدفت قطاع الطاقة، المصدر الرئيسي للإيرادات في البلاد.
في هذا التقرير نتتبع عاماً بعد عام كيف تأثر الاقتصاد الروسي بهذه الحرب، وإلى أي مدى صمد، وأين بدأت الشقوق بالظهور؟
2021.. عام ما قبل الحرب
قبل إعلان الحرب على أوكرانيا كان الاقتصاد الروسي يحظى بمكانة مرموقة بين الأسواق الناشئة إذ حقق الروبل أداءً مستقراً في 2021، في وقت تراجعت فيه معظم عملات الأسواق الناشئة أمام الدولار الأميركي، بينما ارتفع مؤشر بورصة موسكو 14% خلال العام، بحسب تقرير لـ"بلومبرغ". كما عزز البنك المركزي الروسي جاذبية الأصول عبر رفع أسعار الفائدة 425 نقطة أساس إلى 8.5% لكبح تضخم بلغ نحو 8%، أي ضعف مستواه المستهدف.
في ذلك العام، دعمت الاحتياطيات الأجنبية القياسية البالغة 626 مليار دولار متانة الموقف المالي، مع انخفاض الدين الخارجي وبناء هوامش أمان منذ أزمة القرم 2014 "وفق بلومبرغ". على صعيد النمو، رفعت وكالة الإحصاء الروسية "روستات" تقدير نمو الناتج المحلي لعام 2021 من 4.7% إلى 5.6%، في أقوى أداء سنوي منذ سنوات، وفق تقرير لوكالة "رويترز". ولكن الحال لم يستمر على هذا المنوال كثيراً.
2022.. عقوبات غربية غير مسبوقة
في العام الأول من الحرب الروسية على أوكرانيا، واجه الاقتصاد الروسي عقوبات غربية غير مسبوقة شملت تجميد نحو 300 مليار دولار من احتياطيات البنك المركزي، واستبعاد بنوك كبرى من نظام "سويفت" للتحويلات العابرة للحدود. كما تعرضت موسكو لقيود مالية واسعة، فيما تأخر الحظر الأوروبي الكامل على النفط المنقول بحراً حتى ديسمبر 2022 مع فرض سقف سعري عند 60 دولاراً للبرميل.
رغم الصدمة، لم يتحقق سيناريو الانكماش العميق المتوقع؛ إذ تشير بيانات نشرتها "بلومبرغ" إلى انكماش الناتج المحلي الإجمالي بنحو 2% في 2022، بعدما سجل الربع الثاني تراجعاً 4% على أساس سنوي.
الصلابة جاءت من مزيج تدابير نقدية ومالية وطفرة إيرادات قطاع الطاقة إذ رفع البنك المركزي الفائدة مؤقتاً وفرض ضوابط رأسمالية حدت من انهيار الروبل، الذي استقر لاحقاً بعد قفزة في مارس من ذلك العام. كما بلغ التضخم نحو 14%، وتراجعت تجارة التجزئة 6%، لكن البطالة انخفضت إلى 3.7% مقارنة بـ4.4% في 2021.
بحسب تقرير لبنك فنلندا المركزي عن الأوضاع المالية، أنهت موسكو العام بعجز يقارب 2–2.2% من الناتج المحلي، في ظل استمرار اعتماد الميزانية على النفط والغاز اللذين يمثلان نحو 40% من الإيرادات. في الوقت نفسه، راكمت روسيا فوائض خارجية قياسية مكنتها من الاحتفاظ بنحو 80 مليار دولار في أصول خارجية من مكاسب أسواق السلع بلغت 227 مليار دولار، وفق بيانات أوردتها "بلومبرغ".
2023.. تزايد الانفاق الدفاعي
في 2023، حافظ الاقتصاد الروسي على قدر أكبر من الصلابة. قال تقرير لصحيفة "فاينانشال تايمز" البريطانية إن النمو جاء مدفوعاً بإنفاق دفاعي كثيف إذ وجهت موسكو نحو ثلث الموازنة للحرب، بإنفاق دفاعي بلغ 9.6 تريليون روبل، فيما قدرت وزارة المالية أن التحفيز المرتبط بالحرب في موازنة 2022–2023 يعادل نحو 10% من الناتج المحلي. وبينما رفع صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو 2023 إلى 2.6% بلغت إيرادات قطاع الطاقة 8.8 تريليون روبل -أقل بنحو الربع عن ذروة 2022 لكنها أعلى من متوسط العقد- وما تزال تشكل نحو ثلث إيرادات الموازنة، وفق الصحيفة البريطانية.
لكن هذا الانتعاش رافقه ضعف في العملة وتوترات خارجية. وفقد الروبل 23% خلال النصف الأول من العام فقط وجرى تداوله قرب 97–100 روبل مقابل الدولار الأميركي، ليصبح من أسوأ 3 عملات أداء في الأسواق الناشئة، حسبما ذكر تقرير "بلومبرغ". تشير بعض التقديرات إلى أنه خسر قرابة 30% خلال العام. وتراجعت عائدات كبار المُصدرين من النقد الأجنبي إلى 6.9 مليار دولار في يوليو 2023 مقابل 16.8 ملياراً قبل عام، بينما بلغت ودائع الروس في بنوك أجنبية 6.4 تريليون روبل (66 مليار دولار) حتى 30 يونيو من ذلك العام.
على الصعيد المالي، تقلص عجز الموازنة في سبتمبر إلى 1% من الناتج المحلي بعد انخفاضه بنحو 660 مليار روبل، وبلغ العجز خلال الفترة من يناير إلى سبتمبر 1.7 تريليون روبل، مع هبوط مبيعات النفط والغاز 34% وارتفاع الضرائب غير النفطية 26% وفق بيانات وزارة المالية. التضخم تراوح بين 7–7.5%، ما دفع البنك المركزي لرفع الفائدة إلى 16%. كما أُعلن عن 520 ألف وظيفة جديدة في الصناعات المرتبطة بالدفاع، وسط أزمة نقص العمالة.
2024.. نمو سريع وسط تضخم وديون
في 2024، واصل الاقتصاد الروسي تسجيل نمو قوي بلغ 4.1% للعام الثاني على التوالي، متجاوزاً التقديرات الأولية، مدفوعاً بزيادة الإنفاق في الموازنة العامة أكثر من 3% من الناتج المحلي خلال العام، فيما قُدر الأثر التراكمي لخطط التحفيز بين 2022 و2024 بأكثر من 10% من الناتج المحلي الإجمالي. كما ارتفع الإنفاق الحكومي بأكثر من 24% على أساس سنوي، لتتجاوز مخصصات "الدفاع الوطني" رسمياً 108 مليارات دولار، أي نحو 27% من إجمالي الإنفاق، بينما تشير تقديرات أوسع إلى أن تمويل الحرب استهلك فعلياً 35% من الموازنة.
في المقابل، نمت الإيرادات 26% مدعومة بالتضخم وضعف الروبل وارتفاع الضرائب، لكن الثمن كان باهظاً، فالعجز تضاعف مقارنة بالخطة الأصلية ليبلغ نحو 35 مليار دولار، وارتفع الدين المحلي إلى 22 تريليون روبل (16% من الناتج المحلي الإجمالي)، وتراجعت الأصول السائلة في صندوق الثروة الوطني 24% خلال 2024 لتصل إلى 3.8 تريليون روبل، وهو مستوى يقل بنحو 57% مقارنة ببداية 2022، قبل اندلاع الحرب الشاملة.
وقال خبراء في تصريحات لـ"الشرق" خلال 2024 أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين واجه في ذلك العام "أسوأ اقتصاد حرب متعثر" وسط تضييق خناق على إيرادات الكرملين بسبب العقوبات
على صعيد الأسعار والنقد، بلغ التضخم الرسمي 9.5% في 2024، بينما أورد معهد الدراسات الشرقية البولندي تقديرات تشير إلى زيادات تقارب 18%، ما دفع البنك المركزي إلى رفع سعر الفائدة إلى 21% بعد ثلاث زيادات خلال العام. ورغم تباطؤ الائتمان، ظل الطلب مرتفعاً بفعل الإنفاق العام.
من جهة أخرى، أشار المعهد البولندي إلى تراجع الصادرات 2% كما انخفض إنتاج النفط بنحو 1.5% والفحم 0.6%، بينما ارتفع إنتاج الغاز 16% وتراجع الروبل مقترباً من 100 روبل مقابل الدولار الأميركي، لا سيما بعد خفض إلزام الشركات بإعادة عائدات التصدير من 80% إلى 40%.
على صعيد سوق العمل، بلغ مستوى بطالة قياسياً منخفضاً، لكن مع نقص يراوح بين 1.5 و2 مليون وظيفة، في ظل تعبئة 300 ألف وهجرة نحو 500 ألف وتراجع العمالة المهاجرة بنحو مليوني عامل. ارتفعت الأجور بقوة، خصوصاً في الصناعات الدفاعية حتى 25% في بعض المناطق، فيما تآكلت دخول المتقاعدين والعاملين في القطاع العام.
وفي ظل تشديد العقوبات على روسيا، جرى توجيه نحو 70% من الاستثمارات للتكيف مع العقوبات بدلاً من التوسع في الإنتاج، وارتفعت ديون الشركات، فيما يحمل 25% من المقترضين 3 قروض أو أكثر.
2025.. موسكو تبحث عن تمويل بديل
في عام 2025 دخل الاقتصاد الروسي مرحلة تباطؤ واضحة بعد 3 سنوات من نمو مدفوع بإنفاق الحرب. وخفّض صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الناتج المحلي الإجمالي إلى 0.6% في 2025 و0.8% في 2026. تُعد هذه المعدلات من الأضعف منذ ركود ما بعد عقوبات 2014، باستثناء سنوات جائحة كورونا.
وانخفضت حصة إيرادات النفط والغاز من الموازنة الروسية من نحو 40% في 2022 إلى 25% خلال الأشهر التسعة الأولى من 2025 بحسب صحيفة "الغارديان". وبلغ متوسط سعر خام الأورال ما بين 50 و57.65 دولاراً للبرميل في 2025، بعدما كان يقارب 90 دولاراً مطلع 2022، مع اتساع الخصم عن خام برنت إلى نحو 27 دولاراً للبرميل عند نقطة التصدير، وفق "بلومبرغ".
فيما بلغت إيرادات النفط والغاز 8.48 تريليون روبل (108 مليارات دولار) في 2025، بانخفاض 24% على أساس سنوي، وتراجعت إيرادات النفط إلى 7.13 تريليون روبل (-22%)، بينما هبطت إيرادات الغاز إلى 1.35 تريليون روبل (-30%) حسبما أورد تقرير "بلومبرغ".
وأشارت "الغارديان" إلى أن عوائد صادرات الوقود الأحفوري في 2025 جاءت أقل بنحو 13% من مستويات ما قبل الحرب. ومن الناحية المالية، يُتوقع تسجيل عجز قياسي بنحو 5.7 تريليون روبل في 2025 (2.6% من الناتج المحلي الإجمالي).
دفع ذلك موسكو لطرح أول سندات حكومية مقومة باليوان بآجال 3–7 سنوات لتوسيع التمويل بعيداً عن الدولار واليورو وفقاً لـ"بلومبرغ". ورغم أن الإنفاق العسكري تجاوز 7% من الناتج (ضعف نسبة الولايات المتحدة 3.4%)، فإن وتيرة زيادته تباطأت بين 2024 و2025.
وفي مواجهة ذلك، لجأ الكرملين إلى رفع ضريبة الشركات من 20% إلى 25% وزيادة ضريبة القيمة المضافة من 20% إلى 22% بدءاً من 2026.
على صعيد معدل البطالة استقرت النسبة عند 2% مع نقص كبير في العمالة. وفرض التضخم المرتفع تثبيت سعر الفائدة عند 21%، ما يقيد الائتمان. وأشار استطلاع لمؤسسة "غالوب" إلى ارتفاع نسبة من يرون أن الأوضاع "تسوء" من الروس إلى 39% في أغسطس 2025 مقابل 29% في 2022.
إلى أين يتجه الاقتصاد الروسي؟
بينما تشير تقديرات المحللين إلى استمرار بيئة حرب باردة طويلة الأمد مع الغرب تُبقي روسيا في حالة عزلة استثمارية ومالية، حتى في حال توقيع اتفاق سلام مع أوكرانيا. يعد الخطر الأكبر على الاقتصاد الروسي ليس الانهيار المفاجئ، بل غياب أي محركات نمو مع توقع تدهور تدريجي ودخول مرحلة ركود طويل الأمد.
تتوقع وزارة التنمية الاقتصادية نمواً قدره 1.3% خلال 2026. وقال الوزير ماكسيم ريشيتنيكوف إن التباطؤ سيستمر في النصف الأول من العام، مضيفاً في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء الروسية "إنترفاكس" أن أي تعاف محتمل قد يتأخر إلى نهاية 2026 أو إلى 2027. ويُنتظر أن يتراجع الاستثمار الحقيقي، بعدما نما 0.5% فقط خلال الأشهر التسعة الأولى من 2025.
على صعيد عجز الموازنة في 2026 تشير التقديرات إلى نحو 3.8 تريليون روبل (1.6% من الناتج المحلي الإجمالي)، مع تمويله بالكامل عبر الاقتراض، وفق مدونة بنك فنلندا المركزي. وتخطط موسكو لاقتراض إضافي بإجمالي 15 تريليون روبل خلال 2026–2028، ما يرفع نسبة الدين إلى نحو 20% من الناتج بحلول 2028.
بحسب موقع "ذا إنسايدر"، قد تتراجع الأصول السائلة لصندوق الثروة الوطني، المقدرة بنحو 4 تريليونات روبل، إذا استمرت أسعار النفط دون الافتراضات الحكومية (55 دولاراً لخام برنت).
وكشفت وزارة المالية عن بيع جزء من احتياطي اليوان الصيني والذهب بقيمة تصل إلى 12.8 مليار روبل يومياً لتعويض فجوة الإيرادات.
في المقابل، حذر خبراء من أن أي خفض للفائدة قد يضغط على الروبل بقوة، ما قد يعيد إشعال التضخم. في ظل بيئة نمو بطيء ومالية عامة ترزخ تحت ضغوط هائلة، تبدو السنوات المقبلة مرشحة لمسار نمو محدود قائم على الاقتراض وإدارة التقشف.
المصدر:
الشرق