التجّار يرفعون كلفة النزوح -- Mar 04 , 2026 9
تكفي جولة صغيرة في شوارع العاصمة لتعرف عن قرب أوضاع النازحين الذين هرعوا شبه حفاة نحو مكان يعدّونه آمناً. تشهد على حالهم الاقتصادية تلك «الدكاكين» الصغيرة ومحالّ الثياب بعروضاتها «الشتوية» الأخيرة. خصّصوا جزءاً كبيراً مما لديهم من سيولة مالية لشراء فرشات إسفنجية وأغطية تدفئة ووسائد. ساعة الإفطار تُظهِر هذا الجانب أيضاً. فهم فقراء أو على حافة النزول إلى هذا التصنيف. في المقابل، يمارس التجّار لعبة الجشع المُفضّلة لديهم: رفع الأسعار. ينام النازحون بين وحشين: قدرات مالية متدنّية، وأسعار متفلّتة.
في مناطق مار الياس والبسطة والخندق الغميق، تقتصر مبيعات السوبرماركات والدكاكين، على الحاجات الأساسية مثل الخبز والماء والحليب والطحين والبرغل والزيت وبعض المعلّبات كالجبن المطبوخ والمرتديلا، إلى جانب الغذاء المُصنّع الجاهز الأرخص ثمناً. يقول صاحب دكان صغير في الخندق إنّه لم تتبقّ لديه قطعة «كرواسون» واحدة. يؤكّد ذلك صاحب متجر آخر يقع قرب مدرسة ينتظر أمام أبوابها المُغلقة عدد من النازحين، إذ يقول: «عم ياخدوا كيك وكرواسون ومي أكتر شي». صاحب سوبرماركت في مار الياس يوثّق الطلب المتزايد على الخبز. فبعدما كان يعرض في العادة نحو 40 ربطة فقط، باع يوم الإثنين 200 ربطة، ثم استمرّ الطلب في الارتفاع في اليوم التالي. ويشير صاحب دكان آخر إلى أنّ الطلب على الخبز يتزايد في ساعات ما بعد الظهر وبعد الإفطار، كما يرتفع الطلب على أطباق الفتوش المُقطّعة والجاهزة للأكل وعلب الحمص.
بموازاة تأمين الطعام، يبرز هاجس آخر أمام النازحين: الثياب. فغالبهم خرج بما يرتديه فقط. يؤكّد أصحاب المحالّ ازدياد الطلب على القطع ذات الأسعار المقبولة، أي بين 10 دولارات و15 دولاراً. ويشير أحد التجار إلى أنّ النازحين يطلبون القطع الأساسية من الملابس، إضافة إلى الجوارب والمناشف.
أمّا الذين أمّنوا لأنفسهم مأوى في المدارس أو في منازل مستأجرة، فقد بادروا إلى شراء فرشات الإسفنج، وهي السلعة الأكثر طلباً منذ بدء النزوح. يقول تاجر يملك محلاً في منطقة الرحاب إنّه كان معتاداً على عرض نحو 200 قطعة، لكنها بيعت بالكامل يوم الإثنين، وباع في اليوم التالي نحو 300 قطعة إضافية. ويؤكّد أنّ الطلب يتزايد باستمرار، ما انعكس ارتفاعاً في الأسعار. «أول أمس بعنا الفرشة بـ10 دولارات، أمّا أمس فتسلّمناها من المورّدين بـ13 دولاراً للقطعة الواحدة، واليوم لا يوجد سعر منطقي أو موحّد»، يقول التاجر. هكذا تُفتتح «بورصة الفرش» مع كل أزمة نزوح، إذ يتحوّل النازح إلى هدف سهل لتحقيق أرباح سريعة على حساب ألمه وحاجته.
ويلفت صاحب محل لبيع الأغطية والوسائد في مار الياس إلى أنّه سجّل ارتفاعاً في مبيعات الإثنين الماضي، لكنّ الحركة تراجعت أمس، مرجّحاً بأن السبب هو عدم استقرار بعض العائلات في أماكن ثابتة بعد، إذ لم تُفتح جميع المدارس بالكامل لاستقبال النازحين، كما لم يتمكّن بعضهم من استئجار منازل. ويشير إلى أنّ سعر الوسادة يبلغ 5 دولارات، فيما يصل سعر الغطاء إلى 15 دولاراً، مؤكّداً أنّه لم يطرأ تغيير على الأسعار لديه، رغم ارتفاع الطلب في مناطق مثل البسطة.
الوضع نفسه يتكرّر في متاجر الأدوات المنزلية. فقد ارتفع الطلب على أساسيات المطابخ كالأكواب والصحون، إضافة إلى مواقد الغاز الصغيرة. ويؤكّد أحد التجار في منطقة الرحاب أنّ الإقبال كبير عليها، ويراوح سعر الغاز الواحد بين 15 دولاراً و20 دولاراً. كما يؤكد ازدياد الطلب على «مناشر» الغسيل والكراسي وسائر مستلزمات المنازل الأساسية.
تعكس حركة الأسواق اليوم إعادة تموضع سريعة للاستهلاك نحو السلع الأساسية، مقابل انكماش واضح في الكماليات. الطلب يتركّز على الخبز والمياه والمواد التموينية الرخيصة والفُرُش والملابس المنخفضة الكلفة، فيما تتراجع مبيعات الحلويات والسلع غير الضرورية. في المقابل، لا يبدو العرض قادراً على مواكبة الارتفاع المفاجئ في الطلب ضمن بعض المناطق، ما يؤدّي إلى نفاد سريع في المخزون وتقلّب في الأسعار، خصوصاً في السلع الأكثر ارتباطاً بالإيواء المؤقّت.
زينب بزي - الاخبار