20% من المصانع خارج الخدمة ومن يعمل يقاتل للبقاء -- Mar 30 , 2026 19
ليست المرّة الأولى التي تجد فيها المصانع اللبنانية نفسها في مواجهة معركة بقاء. منذ حرب إسناد غزة في 2024 وصولًا إلى حرب إسناد إيران في 2026، يتكرّر المشهد: إقفال في المناطق الخطرة، استمرار جزئي في الإنتاج، ونقل بعض المصانع أعمالها إلى الخارج أو إلى مناطق أكثر أمانًا والنتيجة خسائر بنسبة 50%. فكيف تقاتل الصناعة اليوم للحفاظ على وجودها، وهل تأثرت الصادرات بالنزاعات القائمة محليًا وإقليميًا؟
كما كل القطاعات الاقتصادية التي وقعت في محظور مساندة "حزب الله" لإيران في الحرب، لا يبدو وضع القطاع الصناعي بخير، بل يواجه تحدّيات جمّة أكثر عمقًا من الحرب التي أرهقت اقتصاد البلد في العام 2024 وأكثر من جائحة كورونا وأزمة 2019 المالية التي قضت على الأخضر واليابس من ضياع أموال المودعين وانهيار العملة الوطنية وتعاظم نسب الفقر وتسجيل النمو أرقامًا سلبية...
في نظرة سريعة على عدد المصانع في لبنان، يتبيّن إستنادًا إلى أرقام جمعية الصناعيين التقريبية أن هناك نحو 4500 مصنع في لبنان تحمل رخصة استثمار صناعية من وزارة الصناعة، 900 منها منضوية في جمعية الصناعيين ومسجّلة في دفاترها.
عندما تجدّدت الحرب في بداية الشهر الجاري وأقحم "حزب الله" لبنان فيها للمرّة الثانية خلال عامين، عمدت المصانع المتواجدة في المناطق الخطرة والمستهدفة، إلى إقفال أبوابها. نسبة إقفال المصانع في لبنان كما أوضح نائب رئيس جمعية الصناعيين زياد بكداش لـ "نداء الوطن"، تتراوح اليوم "بين 15 و 20 % في كل لبنان وتحديدًا في الضاحية الجنوبية والجنوب من صيدا لغاية الحدود والبقاع ما عدا تلك المتواجدة في منطقة زحلة التي لا تزال تحظى بالأمن".
كيف تتوزع المؤسسات الصناعية على الأراضي اللبنانية؟
غالبية المصانع المتواجدة في لبنان تتمركز في محافظة جبل لبنان، تليها البقاع في المرتبة الثانية ثمّ كسروان في الدرجة الثالثة وهي تضمّ أنواع الإنتاج كافةً من مواد غذائية إلى كماليات فمصانع أخشاب وبلاط وفرش وملابس ...
وضع عمال المصانع
جغرافيًا يقول بكداش "إن نسبة 70 % من مصانع الجنوب والبقاع والضاحية مقفلة حاليًا جرّاء الحرب، أما العمّال الذين يعملون لديها، فقد تمّ التعامل معهم حسب وضع كل ربّ عمل. فمن بقي مصنعه سليمًا، قد يقرّر تسديد نصف راتب شهريًا لحين انتهاء الحرب خصوصًا إذا كان لديه عائد من مصنع آخر متواجد في منطقة آمنة. أما من تهدّم معمله فينعدم الأمل في المدى القصير بإعادة فتحه مجدّدًا وبالتالي لا يسدّد أي فلس للمستخدمين لديه".
في ظلّ هذا الواقع يبقى الموظف والعامل الحلقة الأضعف في كل الحروب التي مرّت ولا تزال تمرّ على لبنان. إذ يكاد لا يمرّ عام من دون توقف عمل المصانع لفترة شهر و3 أشهر، وبالتالي يكون صاحب العمل أمام واقع عدم القدرة على تحمّل أعباء الرواتب من دون إنتاجية وبالتالي عدم القدرة على تحمّل عبء الحياة وفق تلك الوتيرة فيسقط الضحيّة بالدرجة الأولى.
إلى ذلك، لا بدّ من الإشارة إلى أن "الحرب أدت إلى نزوح عمّال المصانع فتغيّرت مراكز سكنهم ما كان له الأثر على المصانع التي لم تعد تعمل بكل طاقتها الإنتاجية كما أوضح بكداش". لافتًا إلى أن "نسبة 15 % من إجمالي العمالة والتي تعيش في المناطق الساخنة غيّرت مكان سكنها فانتقلت من المناطق المستهدفة إلى أخرى بعيدة عن الأحداث وبالتالي بات الموظفون يجدون أنفسهم غير قادرين على الالتحاق بأماكن عملهم بشكل يومي في المصانع التي لا تزال تزاول عملها كالمعتاد.
هذا العامل الذي يتغيّب عن عمله يتعامل معه صاحب العمل وفق التالي: حسم أيام تغيّبه من فرصه السنوية أو منحه نصف راتب، أو التوقف عن تسديد راتبه، حسب وضع صاحب العمل المادي".
تغيّر جغرافي للمصانع
توازيًا ودائمًا خلال الحروب كما حصل في حرب العام 2024، عمد بعض المصانع إلى ترك البلاد وفتح فروع في الخارج. في هذا المجال يقول بكداش "في الحرب الماضية انتقلت مصانع إلى دولة الإمارات العربية المتحدة وإلى المملكة العربية السعودية وإلى سلطنة عُمان مع الإبقاء على خطوطها في لبنان ولا يتعدّى عددها الـ 20 مصنعًا نظرًا إلى كلفة التصنيع المرتفعة في تلك الدول".
كما أن أرباب مصانع أخرى حاولوا خلال حرب العام 2024 أن يفتحوا مصانع في مناطق أكثر أمانًا في لبنان ولكن ذلك كان صعبًا بعض الشيء إذ يستغرق نقل مصنع من منطقة إلى أخرى أشهرًا ما أدّى إلى عدول بعضأرباب المعامل عن تنفيذ تلك الخطوة، اذ لم تلبث أن هدأت الحرب بعد اشتدادها لفترة شهرين، فعادت المعامل لتزاول عملها في المناطق التي تعرّضت للغارات، لاعتقاد أصحابها أنها الحرب الأخيرة على لبنان.
اليوم يقول بكداش وخلال فترة الشهر الذي تدور فيها المعارك في لبنان، "لم تترك مصانع لبنانية البلاد لتفتح لها فروعًا في الخارج وإنما أحد المصانع انتقل منذ نحو 9 أشهر إلى العمل في سوريا لأن السوق كبيرة وواعدة وكلفة الإنتاج أقلّ. ولكن ما يجول في رؤوس أرباب العمل هذه المرة بشكل جدي فكرة نقل المصانع المتواجدة في المناطق الخطرة إلى أماكن أخرى. فهم ينتظرون انتهاء الحرب ليُبنى على الشيء مقتضاه، إذ علّ وعسى هذه المرة يتمّ حلّ المعضلة القائمة نهائيًا وتكون الحرب الأخيرة التي يتمّ إقحام لبنان بها".
هذه الحرب تختلف عن سابقاتها بالنسبة إلى القطاع الصناعي. إذ إن مخطّط إدارة الأزمة أصعب من قبل، فمصانع الكماليات المتواجدة في المناطق الآمنة والتي لا تصدّر إلى الخارج، تعمل بوتيرة "ضعيفة" أو حتى لا تعمل ومنها من سرّح عماله وأقفل أبوابه لحين انتهاء الحرب.
المصانع الغذائية تغذي السوق
في الموازاة، يختلف وضع مصانع المواد الاستهلاكية والمواد الغذائية، والتي لا تزال محرّكاتها دائرة لتأمين المواد المعدّة للتصدير ولتلبية حاجة السوق المحلية على حدّ سواء . فالحديث عن أن "نسبة 80 % من الاستهلاك في لبنان هو عبر الإستيراد مقاربة خاطئة" يقول بكداش، معتبراً أن "الصناعة اللبنانية تشكّل نحو 48 % من الاستهلاك المحلّي".
واحتسب بكداش تلك المعادلة كالتالي "في العام 2025 بلغ حجم الإستيراد نحو 21 مليار دولار. منها 11 مليار دولار قيمة استيراد سلع لا يملك لبنان بديلاً إنتاجيًا لها مثل السيارات والذهب والفضة والفيول ومشتقاته... وبما أن إن الإنتاج المحلّي يشكّل نحو 10 مليارات دولار أي ما يوازي الاستيراد الفعلي المنافس للإنتاج المحلي، يعني ذلك أن نسبة 48 % من الاستهلاك هي صنع في لبنان".
مذكّراً أنه "خلال الحروب السابقة وجائحة الكورونا، كانت المصانع اللبنانية تؤمّن أكثر من نسبة 80 % من حاجة الأسواق، وانطلاقًا من هنا لا يوجد خطر على الأمن الغذائي والاستهلاكي في البلاد حتى في ظلّ الحرب. فالصناعة الوطنية حاضرة لتأمين الأسواق المحلية، لكن للأسف بأسعار أعلى مما كانت عليه سابقًا جراء الضرائب الجديدة التي فرضت وارتفاع أسعار المحروقات والتضخّم العالمي.
فالمعامل المحليّة وإن كانت تستورد جزءًا كبيرًا من موادها الأوليّة من الخارج للإنتاج، لديها مخزون كاف من المواد الجاهزة والمواد الأولية لتلبية حاجة السوق عدا عن أنها تستورد يوميًا المواد الأوّلية من الخارج عبر المرفأ. وفي حال أقفل مرفأ بيروت لأسباب أمنية، تتمّ الاستعانة بالبدائل منها مرفأ طرابلس واللاذقية.
التصدير إلى الخارج مستمرّ
وفي مقلب التصدير، إنه يسير بحسب الصناعيين بشكل طبيعي لدى المعامل التي تعمل بانتظام، لكن المشكلة الكبرى تكمن لدى المصانع المقفلة التي كانت تصدّر وباتت عاجزة عن تلبية حاجات زبائنها. تلك المؤسسات مهدّدة إذا طالت فترة الحرب والإقفال بخسارة أسواقها التجارية في الخارج.
والأمر الأكثر سوءًا، والذي يهدّد صادراتنا، هو تكرار مشهدية الحرب. إذ إن هذا الواقع الذي يفرض على لبنان قد يدفع المستوردين من المصانع اللبنانية إلى تغيير أسواقهم والاعتماد على أسواق أكثر أمنًا واستدامة في إمدادهم بالمواد المستوردة. يأتي كل ذلك في وقت تفتقد المصانع الوطنية إلى سوق السعودية التي ما زالت مقفلة في وجه المنتوجات اللبنانية طوال السنوات الست الماضية.
باتريسيا جلاد - نداء الوطن