كيف جعلت حرب الخليج الدولار أقوى؟

كيف جعلت حرب الخليج الدولار أقوى؟ -- Mar 31 , 2026 5

في آخر لحظات التداول من يوم الجمعة الماضي، كان مؤشّر الدولار الأميركي، الذي يقيس قوّة العملة الأميركيّة مقابل سلّة من العملات الأخرى، قد لامس حدود 100.19 نقطة، مقارنة بنحو 97.6 نقطة يوم 27 شباط الماضي، أي قبيل بدء التصعيد في منطقة الخليج.

وبهذا الشكل، سجّل مؤشّر الدولار الأميركي زيادة بنسبة 2.6 بالمئة، خلال فترة شهر، ولأسباب شديدة الارتباط بنتائج التصعيد الحاصل. ببساطة، لقد أدّت الحرب إلى ارتفاع قيمة الدولار في الأسواق، مقارنة بعملات الدول الأخرى، بل ومقارنة بالمعادن الثمينة أيضًا، ما يعني أنّ الحرب أنتجت "دولاراً أقوى" في الأسواق الدوليّة.

النفط والفوائد وحركة السيولة

ثمّة مجموعة واسعة من الأسباب التي تفسّر تنامي قوّة الدولار، في ظل الحرب الدائرة اليوم. وأولى هذه الأسباب، ترتبط بحركة أسعار النفط العالميّة، التي ارتفعت بنسبة 55 بالمئة خلال أقل من شهر، لتناهز اليوم حدود 112.5 دولاراً أميركياً لبرميل خام برنت. وبما أنّ 80 بالمئة من تجارة النفط العالميّة تتم بالدولار الأميركي، كانت النتيجة البديهيّة لزيادة الأسعار ارتفاع الطلب على العملة الخضراء، ما أسهم -إلى جانب عوامل أخرى- في ارتفاع قيمة الدولار مقابل العملات الأخرى. مع الإشارة إلى أنّ حجم تجارة النفط اليوميّة يقترب -عالميًا- من مستوى 100 مليون برميل، أي ما توازي قيمته 4.1 ترليون دولار أميركي بالأسعار الحاليّة.

السبب الثاني، الذي أسهم في زيادة قوّة الدولار، هو التوقّعات المرتبطة بنسب الفائدة. إذ مع ارتفاع أسعار النفط، ترقّبت الأسواق الدوليّة ارتفاعًا موازيًا في نسب التضخّم، نظرًا لتأثير كلفة المحروقات على جميع الأنشطة الاقتصاديّة من دون استثناء. ولهذا السبب، توقّع المستثمرون لجوء الاحتياطي الفيدرالي إلى سياسات نقديّة أكثر تشدّدًا، أي الإبقاء على معدلات الفوائد المرتفعة، وتأجيل قرارات خفضها. وكما هو معلوم، ستعني الفائدة المرتفعة ارتفاع قيمة العوائد الثابتة، المرتبطة بالأصول المقوّمة بالدولار، وهو ما دفع المستثمرين إلى طلب الدولار لشراء هذه الأصول. وهكذا، دعم هذا العامل أيضاً قيمة الدولار مقابل سائر العملات. وما يؤكّد هذه الفرضيّة، هو ارتفاع العائد على سندات الخزانة الأميركية من 3.96 بالمئة قبل الحرب، إلى 4.45 بالمئة حاليًا، بفعل ارتفاع الطلب على الأصول.

السبب الثالث، يرتبط بحركة السيولة العالميّة. فمع ارتفاع المخاطر المرتبطة بأحداث الخليج، بدأ المستثمرون بالخروج من الأسواق العالية المخاطر. وهذا ما تؤكّده أرقام محللي "مورغان ستانلي"، الذين قدّروا حجم السيولة التي خرجت من صناديق ديون الأسواق الناشئة بنحو 1.1 مليار دولار، خلال الأسبوع الأوّل من شهر آذار. وخلال شهر آذار، سجّلت الأسواق الآسيويّة خروج سيولة تقدّر بأكثر من 50.45 مليار دولار، مع ارتفاع المخاطر المرتبطة بسلاسل توريد النفط، واحتمال تأثير هذه المخاطر على القطاعات الصناعيّة في دول مثل تايوان وكوريا الجنوبيّة والهند.

ومع انسحاب السيولة من الأسواق الناشئة والآسيويّة، كانت الأسواق الماليّة الأميركيّة -وخصوصًا أسواق السندات- المستفيد الأكبر، بوصفها وجهة أقل عرضة للمخاطر. وبطبيعة الحال، عَنى ذلك ارتفاع الطلب على الدولار الأميركي، للتمكن من شراء هذه الأصول.

في الوقت نفسه، وبفعل ارتفاع درجة عدم اليقين في الأسواق، ارتفع طلب الشركات على السيولة الجاهزة للاستعمال، للتحوّط وضمان سداد الالتزامات. وبما أنّ أكثر من 60 بالمئة من التمويل التجاري الدوليّ مقوّم بالدولار الأميركي، كانت العملة الخضراء في طليعة المستفيدين من هذا الطلب المستجد على السيولة، مقارنة بجميع العملات الأخرى المعتمدة في التجارة الدوليّة. وتجدر الإشارة إلى أنّ حضور الدولار الأميركيّة يرتفع ليهيمن على أكثر من 90 بالمئة من التداولات في سوق السلع الأساسيّة، بما فيها القمح والنفط والغاز، ما يرفع الحاجة إليه عند ارتفاع أسعار هذه المواد.

بهذا الشكل، تقاطعت جميع هذه العوامل لترفع الطلب على الدولار خلال فترة التصعيد: من حاجة الشركات إلى السيولة الطارئة، إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز، وتدفق السيولة من الأسواق الناشئة إلى الولايات المتحدة، وصولًا إلى ارتفاع الطلب على السندات بسبب السياسات النقديّة المتشدّدة المتوقّعة. ودفع بالاتجاه نفسه سعي المستثمرين للخروج من المحافظ الاستثماريّة التي يمكن أن تتأثّر بحالة التصعيد القائمة، مفضّلين الاحتفاظ بأصول مدولرة كملاذ آمن، وخصوصًا مع الانخفاضات المتتالية في أسعار الذهب.

التداعيات على أميركا والعالم

لن تكون هذه التطوّرات خبرًا سعيدًا لإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب. فهذه الإدارة، تنتهج فكرة السعي لدولار "أضعف"، مقارنة بالعملات الأخرى، بهدف تخفيض أسعار صادرات الولايات المتحدة في الأسواق الأجنبيّة، ورفع كلفة واردات الدول الأخرى في السوق المحلّي. أي بمعنى آخر، ترى إدارة ترامب أنّ ارتفاع قيمة الدولار مقابل العملات الأخرى سيُضعف من تنافسيّة الإنتاج المحلّي الأميركي، وهو ما يتناقض مع أهداف الحروب التجاريّة التي تخوضها هذه الإدارة في مواجهة سائر التكتلات الصناعيّة. مع العلم أن ارتفاع معدلات التضخّم سيمنع الاحتياطي الفيدرالي من اعتماد سياسة نقديّة أكثر تساهلاً في المستقبل، وهو ما سيبقي على جاذبيّة العملة الخضراء.

في المقابل، وبالنسبة للأسواق الشديدة الاعتماد على الاستيراد، ستؤدّي هذه التطوّرات إلى ارتفاع كلفة الحصول على العملة الخضراء، التي يتم من خلالها تمويل التجارة الدوليّة. ولهذا السبب، من المتوقّع أن تعاني هذه الأسواق من ارتفاع نسبي في عجز ميزان المدفوعات والميزان التجاري، والتي تؤدّي بديهيًا إلى ضغوط نقديّة ستؤثّر على قيمة العملات المحليّة أو حجم احتياطات العملات الأجنبيّة المتوفّرة.

في الخلاصة، تكشف هذه التطوّرات أنّ ارتفاع قيمة الدولار، بفعل التصعيد، لم تكن نتيجة ظرف عابر، بل عكست بنية النظام المالي العالمي نفسه، كما أشّرت إلى كيفيّة تعامله مع الصدمات الجيوسياسيّة. فمع ارتفاع المخاطر المرتبطة بهذه الصدمات، يتّجه العالم تلقائيًا إلى العملة المُستخدمة في التمويل والتسعير والاحتياط، وهو ما يعيد إنتاج هيمنة الدولار نفسه على الأسواق.

علي نور الدين - المدن

أقرأ أيضاَ

"فيتش" تحذر من مراجعات مرتقبة للتصنيفات الائتمانية

أقرأ أيضاَ

ميناء طنجة المتوسط يتأهب.. كيف يستفيد أكبر موانئ إفريقيا من "أزمة هرمز"؟