بين الخليج والمشرق العربي: إعادة رسم خطوط إمداد الطاقة -- Apr 02 , 2026 25
أدركت دول الخليج العربي، خلال فترة التصعيد الراهن، أنّ شروط السيادة الفعليّة على الموارد الطبيعيّة لم تعد تقتصر على توفّرها كاحتياطات جاهزة للاستثمار. بل باتت هذه السيادة، وفي هذا الوقت بالتحديد، تشترط أيضًا أمن خطوط الإمداد، أي القدرة على تصدير هذه الموارد، وفق العقود المبرمة أو الخطط الموضوعة مسبقًا. كما أدركت أنّ تعطيل خطوط الإمداد في أي لحظة، أصبح سلاحًا يُعطّل الإنتاج والاستثمار، ويضرب جدوى المشاريع القائمة أساسًا. وبمعزل عن الترتيبات الأمنيّة التي سيخضع لها مضيق هرمز بعد الحرب، أصبح مفهومًا لدى الجميع مدى خطورة تركّز خطوط إمداد الطاقة في هذا المضيق، وهذا ما يفتح باب استعماله كورقة ضغط -من قبل أي طرف- في أي لحظة من الزمن.
لهذا السبب بالتحديد، أصبح متوقعًا أن تخضع خطوط إمداد النفط والغاز في المنطقة لترتيبات جديدة، في مرحلة ما بعد الحرب، بما يقلّص من اعتماد دول الخليج العربي على مضيق هرمز كباب أساسيّ للتصدير، وبما يسمح بتنويع سلاسل التوريد وتخفيض مخاطر الاضطرابات الجيوسياسيّة. وعند إعادة هندسة خطوط الإمداد، تتداخل حسابات الجدوى الاقتصاديّة بالاعتبارات الأمنيّة والجيوسياسيّة، بما فيها تلك المتعلّقة بضرورات التكامل الإقليمي والسياسي، وربما الدفاعي. كما تدخل في الحسبان توازنات أسواق الطاقة العالميّة، خصوصًا لجهة وجهة الصادرات ومصدر الطلب على النفط الخام والمشتقات البتروليّة المختلفة.
إحياء فكرة "التابلاين"
بدأ التخطيط لمشروع خط "التابلاين" (Trans-Arabian Pipeline) عام 1944، قبل أن يتم تشييد الأنابيب بالفعل بعد ستّ سنوات. ومنذ ذلك الوقت، ربط هذا الخط حقول النفط في شرق السعوديّة بميناء الزهراني في منطقة صيدا، مرورًا بالأراضي الأردنيّة والسوريّة، وعلى امتداد أكثر من 1664 كيلومترًا. وبعد تشييده في منتصف القرن الماضي، كان هذا الخط كافيًا لاستيعاب 30 بالمئة من صادرات النفط السعوديّة، كما سمح بتخفيض كلفة تصدير النفط من الخليج إلى أوروبا بنسبة 40 بالمئة، مقارنة بطرق الشحن البحري التي تمر بقناة السويس. وكانت لهذا الخط أهميّة استثنائيّة، خلال حقبة إعادة الإعمار في أوروبا، بعد الحرب العالميّة الثانية.
تدريجيًا، تضاءل دور هذا الخط، ابتداءً من العام 1967، في أعقاب احتلال هضبة الجولان في سوريا، ثم مع اندلاع الحرب الأهليّة في لبنان في العام 1975، إلى جانب ظهور جيل جديد من ناقلات النفط البحريّة الكبيرة الأقل كلفة. كما ساهم في ضمور أنشطة هذا الخط الخلافات المتكرّرة بين الدول الأربع، التي يمرُّ عبرها هذا الخط، حول رسوم العبور. وهكذا، استمرّ خط الأنابيب في نقل كميّات ضئيلة من النفط الخام، حتّى العام 1990، حين تمّ وقف عمله نهائيًا.
في العام 2005، طرح الأردن إعادة إحياء هذا الخط، بكلفة قد تتراوح بين 100 و300 مليون دولار أميركي. إلّا أنّ الخلافات السياسيّة عرقلت النقاش الجدّي بهذه الفكرة، خصوصًا في ظل حالة عدم الاستقرار التي أعقبت حرب العراق. ثمّ تم غض النظر عن الموضوع كليًا بعد العام 2011، إثر اندلاع الثورة السوريّة، وتزايد حدّة الخلافات بين النظام السوري السابق ودول الخليج العربيّة.
الأحداث الراهنة، والحاجة إلى خطوط تصدير جديدة، أعادت إحياء النقاش حول شبكة أنابيب يمكن أن تلعب الدور عينه الذي لعبه خط التابلاين. مع الإشارة إلى أنّ السعوديّة تمتلك خطاً داخلياً يُعرف بـِ "شرق-غرب"، لنقل جزء من الإنتاج النفطي السعودي من شرق البلاد إلى سواحل البحر الأحمر. إلا أنَّ التصدير عبر البحر الأبيض المتوسّط سيسمح بالمزيد من التنويع في خطوط الإمداد، كما سيتيح لسائر دول الخليج تصدير نفطها عبر هذا الخط أيضًا.
وبطبيعة الحال، وقبل البحث في جدوى المشروع، من المفترض ترقّب نتائج الحرب الراهنة في لبنان، بما فيها درجة الاستقرار وطبيعة المشهد السياسي في البلاد بعد الحرب. لكن في جميع الحالات، سيكون من الممكن البحث في بدائل أخرى قد لا تمر عبر لبنان بالضرورة، كربط الشبكة بالسواحل السوريّة شمالًا.
العودة إلى خط كركوك طرابلس
تم تشييد هذا الخط أساسًا في العام 1934، بعد سنوات قليلة من اكتشاف النفط في كركوك. وامتدّ خط الأنابيب هذا من حقول النفط العراقيّة هناك، إلى سواحل البحر المتوسّط في منطقة طرابلس، على طول نحو 900 كيلومتر. وفي تلك المرحلة، شكّل هذا الخط شريان الطاقة الأساسي للعراق، حيث مرّت عبره معظم الصادرات النفطيّة العراقيّة. غير أنَّ دور هذا الخط أخذ بالضمور منذ فترة السبعينيات، بعد تأميم قطاع النفط العراقي وتراجع دور الشركات الأجنبيّة المشغلة لهذا الخط، ثم بروز الخلافات بين حزبي البعث في العراق وسوريا، وصولاً إلى تضرّر الجزء اللبناني من الشبكة خلال الحرب الأهليّة.
عاد الاهتمام بهذه الفكرة خلال الحرب الراهنة، خصوصًا بعد أن ظهرت خطورة اعتماد العراق على التصدير عبر مياه الخليج العربي على نحوٍ كبير. مع الإشارة إلى أنَّ العراق يملك خط أنابيب يربط حقوله في كركوك بميناء جيهان التركي، إلا أنَّ هذا الخطّ عمل بشكلٍ متقطّع طوال السنوات الماضية، بسبب الخلافات القانونيّة والسياسيّة بين الحكومة المركزيّة في بغداد وإقليم كردستان والحكومة التركيّة. كما أظهرت الأحداث الراهنة محدوديّة السعة الفعليّة لهذا الخط، مقارنة بالقدرة الإنتاجيّة للعراق.
وكان معهد باسل فليحان المالي قد نشر قبل أيّام ورقة أفادت بأنّ منشآت طرابلس، التي كانت تستقبل إمدادات هذا الخط، لا تحتاج إلا إلى إعادة تأهيل، "لا إلى معجزة تُبنى من الصفر". كما تحدّثت الورقة عن العوامل التي تسمح بإعادة تفعيل هذا الخط، ومنها رفع أو إلغاء "العقوبات الاقتصادية الواسعة التي كانت تجعل من ممر العبور السوري خياراً مستحيلاً في السابق، وذلك في أعقاب المرحلة الانتقالية التي شهدتها دمشق في العام 2025".
فضلاً عن هذين الخيارين، ثمّة مشاريع إقليميّة أخرى معلّقة، بانتظار العودة للبحث في جدواها وأفقها، كحال فكرة خط الغاز الذي يمكن أن يربط منطقة الخليج العربي (انطلاقًا من قطر) بتركيا. مع الإشارة إلى أنّ هذا الخط يمكن أن يسمح بمد أوروبا بالغاز الخليجي مباشرةً، نظرًا لارتباط تركيا نفسها بشبكة الغاز الأوروبيّة. ويعود النقاش حول هذا الخط للعام 2009. غير أنّ الفكرة لم تدخل حيّز التنفيذ بسبب الضغوط التي خضع لها نظام الأسد من جانب روسيا التي كانت تمد أوروبا بالغاز. ثم تم تعليق هذا النقاش على نحوٍ كامل، مع اندلاع الثورة السوريّة في العام 2011.
علي نور الدين - المدن