بالأرقام: كم سيصمد استقرار سعر الصرف خلال الحرب؟ -- Apr 07 , 2026 15
منذ منتصف العام 2023، أرسى مصرف لبنان نمطًا جديدًا في إدارة السياسة النقديّة. وقام هذا النمط على معادلة تضبط حجم السيولة المتداولة بالليرة، عبر سياسة شديدة التقشّف على مستوى الماليّة العامّة للدولة، وبما يصل إلى حدود الامتناع عن استعمال جزء من الإيرادات العامّة، المودعة بالليرة في مصرف لبنان. ومع امتصاص الليرات وتجفيف السوق منها، بل وعلى أساس هذه المعادلة بالتحديد، كان بإمكان مصرف لبنان شراء الدولارات من السوق، من دون التسبب بزيادة الكتلة النقديّة المتداولة بالليرة. باختصار، وفي مقابل الإيرادات العامّة المودعة لدى مصرف لبنان بالليرة، كان من الممكن استخدام كميات موازية من النقد بالعملة المحليّة، لشراء الدولارات، من دون ضرب التوازنات النقديّة.
تعدّدت الأدوات التي تسمح بتطبيق هذه المعادلة. لكن النتيجة واحدة: ارتفع حجم احتياطات مصرف لبنان من 8.57 مليار دولار أميركي في نهاية ولاية رياض سلامة، إلى نحو 12.07 مليار دولار في منتصف شهر شباط الماضي، ما شكّل زيادة بقيمة 3.5 مليار دولار أميركي. أمّا قيمة الكتلة النقديّة المتداولة بالليرة في السوق، فظلّت قيمتها ضئيلة للغاية، وعند مستوى يقارب 769.22 مليون دولار أميركي، عند منتصف شباط الماضي. بهذا الشكل، يمكن فهم السياسة النقديّة التي تمكّنت من تحقيق هدفين في الوقت نفسه: تثبيت سعر الصرف بشكلٍ صارم، وزيادة احتياطات العملات الأجنبيّة.
الحرب تغيّر المعادلة
غير أنَّ الحرب الراهنة غيّرت هذه المعادلة، ودخل مصرف لبنان في طور الاستنزاف. الأرقام تشير إلى أنّ حجم الاحتياطات تراجع منذ منتصف شهر شباط، من مستوى الذروة عند حدود 12.07 مليار دولار أميركي، إلى مستوى يقارب 11.5 مليار دولار في أواخر شهر آذار، أي منذ نحو أسبوع. وهذه الأرقام، تشير إلى أنّ المصرف المركزي خسر من احتياطاته نحو 538.89 مليون دولار أميركي، خلال فترة لا تتجاوز الشهر ونصف الشهر فقط. وبهذا المعنى، حافظ المصرف المركزي على أحد أركان سياسته النقديّة الراهنة، وهي الحفاظ على سعر الصرف الراهن، لكنّه لم يعد يملك القدرة على مراكمة المزيد من الاحتياطات، بل انتقل إلى نمط استنزاف الاحتياطات.
ولهذا التغيّر عدّة أسباب كما بات واضحًا. أولى هذه الأسباب ترتبط بالسياسة الماليّة نفسها، مع تزايد حاجات الإنفاق الطارئ على أولويّات النزوح والإغاثة. وهذا ما تفسّره أرقام مصرف لبنان نفسها، حيث انخفض حجم ودائع القطاع العام لدى مصرف لبنان بنحو 75 مليون دولار أميركي، خلال النصف الثاني من شهر آذار، ما أشّر إلى بدء استعمال أموال الدولة المودعة لدى المصرف المركزي.
لكن في الوقت نفسه، ثمّة أسباب أخرى ضاغطة، ومنها تراجع التدفّقات الصافية الواردة من العملة الصعبة في السوق، ربطًا بزيادة كلفة استيراد المحروقات، وتراجع تحولات المغتربين من الخليج، وتسارع وتيرة الإنفاق الاستهلاكي على السلع المستوردة بسبب الحرب. وبطبيعة الحال، دفعت بالاتجاه نفسه عوامل أخرى، مثل الزيادات التي أقرّها مصرف لبنان على سقوف السحوبات الشهريّة للمودعين، خلال الشهر الأخير من السنة الماضية.
كم يصمد استقرار سعر الصرف؟
حتّى اللحظة، كانت الاحتياطات المتوفّرة كافية كوسادة لامتصاص صدمة الحرب. فتراجع الاحتياطات، دون تغيّر سعر الصرف، يعني أنّ المصرف المركزي استخدم احتياطاته للحفاظ على توازنات العرض والطلب في السوق. مع الإشارة إلى أنّ الأرقام تؤكّد أن قيمة الكتلة النقديّة المتداولة بالليرة تراجعت من 794 مليون دولار أميركي في منتصف شهر شباط الماضي، إلى 765.6 مليون دولار أميركي في أواخر شهر آذار، ما يدل على أنّ المصرف يسعى -في ظل الاضطراب الراهن- لتقييد السيولة المتوفّرة بالليرة إلى أقصى حد، للسيطرة على سعر الصرف.
لكن هناك حدود، لهذا النمط المستجد من استخدام الاحتياطات. إذ وبوتيرة الاستنزاف الحالي، وإذا استمرّ التصعيد بشكله الراهن، من المفترض أن تسجّل احتياطات العملات الأجنبيّة انخفاضًا إضافيًا بقيمة 1.1 مليار دولار أميركي، خلال ثلاثة أشهر، وهذا ما يجعل التراجع الإجمالي أكثر من ملياريّ دولار أميركي. وعند هذا الحد، ستكون قيمة الاحتياطات الإجماليّة قد تراجعت إلى قرابة 10.8 مليار دولار أميركي؛ أي ما يقل عن قيمة هذه الاحتياطات في مثل هذه الفترة من العام الماضي. وبذلك تكون احتياطات مصرف لبنان قد خسرت كل ما تراكم من دولارات، خلال سنة كاملة من الزمن.
عند هذا الحد، سيكون لبنان أمام قرار سياسيّ بالدرجة الأولى، وبما يفرض المفاضلة بين أولويّتين: إما الحفاظ على استقرار سعر الصرف ولو على حساب الاستمرار بالإنفاق من الاحتياطات، أو الحفاظ على ما تبقى من احتياطات ولو على حساب العودة إلى اضطرابات سعر الصرف في السوق الموازية. وفي الحالتين، سيكون هناك ضحايا لأيّ من الخيارين. فالإنفاق من الاحتياطات سيُخفّض الهامش المضمون لكل مودع في المستقبل، أما اضطراب سعر الصرف فسيؤدّي إلى خفض القيمة الفعليّة للأجور الثابتة المقوّمة بالعملة المحليّة، وخصوصًا بالنسبة للعاملين في القطاع العام.
علي نور الدين - المدن