هكذا "نسفت" الحرب رهانات الموازنة -- Apr 15 , 2026 6
لم تعد المشكلة في لبنان محصورة بأرقام الموازنة التي هندستها الحكومة على فرضية الاستقرار. بل في أن الحرب التي أطلقها "حزب الله" من أجل إيران، أطاحت بالفرضية من أساسها، وحوّلت كل التوقعات المالية إلى رهانات شديدة الهشاشة. فالموازنة التي صدرت للعام 2026 على قاعدة الوصول إلى نتيجة صفرية بين الإيرادات والنفقات، بدت منذ لحظة دخول "حزب الله" الحرب، وكأنها تنتمي إلى ظرف آخر، يضغط اليوم على المالية العامة والإدارة، والاقتصاد... وحتى على قدرة الدولة نفسها على الجباية والإنفاق.
قبل أيام أصدر "المركز العربي" تقديرات تناولت أرقام الموازنة، وكشف مدى تأثير الحرب عليها. الورقة أظهرت أرقامًا توحي بمحاولة ضبط الوضع: نفقات بقيمة 538,415 مليار ليرة، وإيرادات موزعة أساسًا على الضرائب، مع رهان واضح على فائض أولي لا يقل عن 2 % من الناتج المحلي، وعلى نمو اقتصادي متوقع في 2026 بنسبة 3.5 %، مدفوع بتمويل خارجي وقروض ومساعدات مفترضة.
لكن في المضمون، تكشف الورقة أن هذه الموازنة كانت مبنية على مناخ أمني وسياسي مستقر، وعلى استمرار مسار التعافي، قيل إنه بدأ بعد حرب خريف 2024. وما إن عادت الحرب وبدأ تبادل الضربات الصاروخية واتسع العدوان، حتى سقطت الأسس التي قامت عليها هذه الحسابات.
المشكلة الأولى ظهرت سريعًا في الإيرادات. فالورقة ترصد بوضوح كيف أن الحرب لا تُضعف النشاط الاقتصادي فقط، بل تضرب قدرة الدولة المباشرة على الجباية. ففي الأشهر التسعة الأولى من عام 2024، بلغ متوسط الإيرادات الشهري 26,222 مليار ليرة، قبل أن ينخفض في الأشهر الثلاثة التالية، مع ظهور مفاعيل الحرب بوضوح، إلى 23,345 مليار ليرة. الفارق الشهري البالغ 2,877 مليار ليرة يعني عمليًا خسارة يومية تقارب 95.9 مليار ليرة، (أي نحو مليون دولار يوميًا من الإيرادات العامة)، أو تراجعًا يوميًا بنسبة 11 %. هذا ليس رقمًا تقنيًا فحسب، بل مؤشر إلى أن الخزينة تبدأ النزف مع كل يوم حرب إضافي.
وعندما يُفصَّل هذا التراجع، تتضح صورة الانكماش أكثر. الرسوم الجمركية كانت من أكثر البنود تضررًا، نتيجة انخفاض الاستيراد وتراجع الطلب المحلي وتعطل جزء من سلاسل النقل والتجارة. كذلك تراجعت ضريبة القيمة المضافة (TVA) بفعل انكماش الاستهلاك، وضعف قدرة الدولة على التحصيل في زمن الحرب وما بعدها. أما إيرادات الاتصالات فانخفضت أيضًا بفعل التراجع العام في النشاط الاقتصادي.
الاستثناء الوحيد تقريبًا كان في الرسوم العقارية التي ارتفعت، على الأرجح بفعل معاملات مؤجلة وتسويات سعت السوق إلى إنجازها قبل نهاية السنة المالية. لكن هذا الاستثناء لا يغيّر الاتجاه العام: الحرب تضرب مفاصل الإيرادات الأساسية وتضعف قدرة الدولة على التقاط مواردها في اللحظة التي تصبح فيها الحاجة إلى الإنفاق أكبر.
في المقابل، لا تبدو النفقات أقل خطورة، حتى لو حاولت الحكومة إظهار شيء من الانضباط. فالورقة تشير إلى أن الدولة لم تُدرج فعليًا أكلاف إعادة الإعمار في موازنة 2025، واكتفت بمبالغ محدودة جدً للهيئة العليا للإغاثة ومجلس الجنوب، مع تحويلات متواضعة لإزالة الردم، في وقت تتجاوز فيه الكلفة التقديرية لإعادة الإعمار 10 مليارات دولار. والأسوأ أن الضغوط المقبلة قد لا تبقى محصورة بإزالة الأضرار، بل قد تمتد إلى بدلات الإيواء والتعويضات عن المنازل المتضررة، ما يعني أن الخزينة مهددة بأعباء إضافية في لحظة هي أصلاً مثقلة فيها بإرث الانهيار المالي منذ عام 2019.
ولا تقف الالتزامات عند الحرب وإعادة الإعمار. فالورقة تذكّر بأن على الدولة استحقاقات ضخمة خارج الصورة اليومية المباشرة: كلفة إعادة هيكلة دين سندات "اليوروبوندز"، ومستحقات العراق عن شحنات الفيول، والحاجة إلى إعادة رسملة حقوق السحب الخاصة، فضلاً عن كلفة تحسين أجور القطاع العام بعد سنوات من انهيار قيمتها الفعلية.
وقد أقرّت الحكومة زيادات ومنحاً إضافية للقطاع العام بقيمة 69,810 مليار ليرة، أي ما يعادل 780 مليون دولار، مع محاولة تغطية هذه الزيادة من خلال رفع رسم الاستهلاك الداخلي على البنزين. لكن ارتفاع أسعار النفط لاحقًا زاد العبء أكثر، وفتح الباب أمام تداعيات تضخمية ستطول الأسعار والمالية العامة في آن معًا.
الأخطر، أنّ جزءًا من الإنفاق لا يظهر أصلًا كما ينبغي في دفاتر الموازنة. فالحكومة، بحسب الورقة، وسّعت مجال الإنفاق الموازي عبر قروض من البنك الدولي والاتحاد الأوروبي لمشاريع متعددة تقارب قيمتها 964.8 مليون دولار، تشمل إعادة الإعمار، والزراعة، والطاقة المتجددة، والمياه. هذه الأموال قد تُستخدم لتغطية حاجات ملحّة، لكنها تبقى ديونًا مؤجلة الكلفة، ما يعني أن الحكومة لا تؤجل الحلّ فقط، بل تؤجل أيضًا ظهور العبء الحقيقي على المالية العامة. وهنا تكمن المفارقة: الدولة تراهن على الاستدانة لتغذية النمو، فيما يفترض أنّ ارتفاع الدين سيعود لاحقًا ليضغط على الموازنة وعلى أيّ تفاوض مستقبلي حول استدامة الدين.
من هنا، يصبح الحديث عن فائض أولي طموحًا أقرب إلى الأمنيات. فالموازنة افترضت زيادة كبيرة في موارد ضريبة القيمة المضافة، والرسوم الجمركية، والرسوم الداخلية على السلع، وضرائب الدخل والأرباح. غير أن هذه التقديرات نفسها تقوم على اقتصاد قادر على الاستهلاك والاستيراد والنمو والتحصيل، فيما الحرب تدفع في الاتجاه المعاكس تمامًا. لذلك ترى الورقة أن تحقيق الفائض الأولي المنشود يصبح شديد الصعوبة، بل إن المسار الأكثر واقعية قد يكون العودة إلى العجز بدل الفائض.
في الخلاصة، لا تقول ورقة "المركز العربي" إن موازنة 2026 تعاني فقط من بعض الاختلالات، بل تقول ما هو أخطر، وهو أن الحرب أعادت لبنان إلى حافة المشهد الذي سبق الانهيار الكبير، أي مشهد العجز المزدوج، في المالية العامة وفي الحساب الجاري معًا.
إذا كان هذا الاستقرار النقدي القائم هشًا بطبيعته، فإن استمرار الحرب أو اتساعها أو حتى امتداد آثارها بعد توقف العمليات، قد يجعل كل التوازنات التي بُنيت عليها الموازنة مجرّد أرقام فقدت صلاحيتها. وعندها لن يكون السؤال كيف تحافظ الحكومة على تصفير العجز، بل كيف تمنع انهيارًا جديدًا تُمهّد له الحرب من بوابة الإيرادات، والنفقات، والدين، والإدارة المنهكة.
عماد الشدياق -نداء الوطن