هل يبقى الاستقرار النقدي صامدا وهل رفع السحوبات وارد؟ -- Apr 16 , 2026 22
كتبت سلوى بعلبكي في" النهار":ليس جديداً القول إن المالية العامة في لبنان تعتمد بدرجة كبيرة على الإيرادات المحصلة بالليرة اللبنانية، والتي تشكل نحو 90% من مجمل الإيرادات، في مقابل نحو 10% فقط بالدولار الأميركي. وبحكم طبيعة الإنفاق العام، تستخدم حسابات الليرة لتغطية النفقات الداخلية، بينما يخصص حساب الدولار لتسديد الالتزامات الخارجية. وقد شهدت هذه الحسابات خلال فترة قصيرة تقلبات ملحوظة، إذ ارتفعت الإيرادات لفترة وجيزة قبل أن تعود وتنخفض بنسبة تراوح بين 35% و40% خلال شهر آذار، ما جعلها غير كافية لتغطية النفقات، وتاليا فرض اللجوء إلى استخدام الأرصدة المتاحة، وهو أمر بديهي في إدارة المالية العامة.
تشير المعطيات إلى أن الدولة تمتلك في حسابها بالليرة (الحساب 36) ما يزيد على 200 ألف مليار ليرة، أي ما يعادل أكثر من ملياري دولار، في حين يتجاوز رصيدها بالدولار نصف مليار دولار تقريبا. أما إيرادات الدولار النقدي، فتأتي أساسا من 3 مصادر رئيسية، أبرزها الرسوم المفروضة على تذاكر السفر (35 دولاراً)، إضافة إلى إيرادات مؤسسات عامة مثل الكازينو والريجي، فيما تستوفى الضرائب الاساسية بالليرة اللبنانية كضريبة القيمة المضافة والرسوم الجمركية، وهذا يساهم في شكل غير مباشر في تعزيز تداول العملة الوطنية.
في المقابل، يبلغ حجم الكتلة النقدية نحو 66 ألف مليار ليرة، أي ما يعادل أقل من 800 مليون دولار، وهو مستوى يعدّ، وفق المعطيات الحالية، كافياً للمحافظة على قدر من الاستقرار النقدي. ويقدّر احتياط مصرف لبنان بنحو 11.6 مليار دولار، ما يشكل عنصر دعم إضافي ومهمّ في مواجهة الضغوط.
أما من ناحية السوق، فعلى رغم تراجع عرض الدولار خلال فترة الحرب، لا يزال متوافرا، في غياب الطلب المرتفع عليه، وهو ما ساهم في استقرار سعر الصرف نسبيا. ولتحصيل الضرائب دور محوري، إذ يؤدي دفع الضرائب بالليرة إلى زيادة عرض الدولار في السوق نتيجة اضطرار الأفراد إلى بيعه للحصول على العملة المحلية. في المقابل، فإن تراجع التحصيل الضريبي كما حدث أخيراً، يقلص عرض الدولار، ما قد ينعكس سلباً على استقرار السوق.
بناء على ما تقدم، تؤكد مصادر مصرف لبنان أن "الخطر على سعر الصرف مستبعد، والمصرف مستمر في سياسة الحفاظ على الاستقرار النقدي، ولكن لا بد من الانضباط في إدارة السيولة وتجنب التوسع غير المدروس في ضخ الليرة اللبنانية. فالحرب، بما تفرضه من ضغوط مالية واقتصادية، قد تتحول سريعاً إلى عامل زعزعة نقدية ما لم تواكب بسياسات حذرة توازن بين متطلبات الإنفاق والاستقرار النقدي".
وكتب جوزف فرح في" الديار": يقول مصرف لبنان "انه لا يعارض مبدئيا ولا عمليا زيادة السحوبات الشهرية للمودعين بموجب التعميمين 158 و166 ضمن سقف معيّن، بهدف التخفيف من أثر الصدمة الاقتصادية الناتجة عن النزاع القائم"، مع تراجع القوة الشرائية والتداعيات السلبية للعدوان الاسرائيلي على لبنان، وما خلّفه من دمار ونزوح اكثر من مليون نازح لبناني. وقد طرحت اوساط مالية ومصرفية امكانية زيادة السحوبات الشهرية، لمساعدة المودعين النازحين على تأمين معيشتهم في هذه الظروف الاقتصادية الصعبة . لكن مصرف لبنان يشترط "بتوفير ضمانات واضحة من السلطتين التشريعية والتنفيذية، تقضي بإدراج نص صريح في قانون الاستقرار المالي واستعادة الودائع، يؤكد أن جميع المبالغ المدفوعة بموجب التعميمين 158 و166 تُحتسب وتُحسم تلقائيا من أي دفعات مستقبلية ضمن الحد الأدنى المضمون للمودعين". بينما كان مصرف لبنان يرفع السحوبات دون اشتراطه موافقة السلطة التشريعية، علما ان عدد المستفيدين من التعميمين المذكورين كبير جدا . وذكرت المصادر المالية والمصرفية ان مصرف لبنان مطالب برفع السحوبات، طالما ان مشروع قانون الفجوة المالية لم يبت به، وما زال في ادراج المجلس النيابي، والذي يؤمن اعادة الاموال للمودعين، خصوصا الذين لديهم حسابات اقل من مئة الف دولار، ولكن قرار زيادة السحوبات يواجه اليوم تراجعا في الاحتياطي من العملات الاجنبية، الذي يؤثر على الحركة التجارية التي تحتاج الى عملة صعبة .
وفي هذا الصدد، يقول الخبير في المخاطر المصرفية الدكتور محمد فحيلي حول نية مصرف لبنان زيادة السحوبات للمودعين، ويشير الى انه "كان يوجد لدى مصرف لبنان اتجاه لرفع سقف السحوبات وتوسيع رقعة الإستفادة من هذين التعميمين، وكان يوجد منذ اشهر نقاش حول دمجهما في تعميم واحد".
ويضيف" كل هذا ذهب ادراج الرياح، إذ أن لبنان هو في الحقيقة بلد الفرص الضائعة، وقد تم إقفال الباب على كل هذه الإجراءات ، فقد كانت التوقعات تقول بأن احتياطي مصرف لبنان بالعملات الأجنبية، ربما يزيد بحوالي ٣ مليار دولار لو سارت الأمور بشكل طبيعي، لكن للأسف جرت الأمور بشكل عكسي ، واحتياطي مصرف لبنان بالعملات الأجنبية يسير باتجاه انحداري لعدة أسباب.ويشير إلى "أن العملة الأجنبية التي كانت تأتينا من قطاع السياحة والزيارات المتكررة والنشاطات الخدماتية انعدمت بشكل شبه نهائي، إذ أن التدني فيها هو بحدود ٨٠% او اكثر، لذا كل هذه الأسباب تجعل الاحتياطي المتوفر في مصرف لبنان بحدود ١٢مليار دولار، بالإضافة إلى وجود ٤مليار دولار للمصارف حسب اعتراف المصرف المركزي.
ويلفت الى "أن إمكانية رفع سقف السحوبات حاليا غير وارد، وإمكانية توسيع رقعة الإستفادة أيضا غير وارد ، والتداعيات ربما تكون سلبية جدا، لأنه باعتقادي ما يتوفر من سيولة بالعملات الأجنبية لدى المصرف المركزي والقطاع المصرفي في لبنان، يجب استعماله بتأن ومسؤولية، إذ علينا استيراد أدوية وطاقة وتوفير المال لذلك، والا كانت التداعيات كارثية في ظل عدم القدرة على دفع المتوجبات على هذا الصعيد.
وعما يتوفر لدى المصرف المركزي من قدرات وكيفية استعمالها؟ يقول "يجب استعمال هذه القدرات بمسؤولية ، وهنا يأتي موضوع الذهب بالتداول والنقاش، وانا أعتقد هنا أنه على المجلس النيابي وبالحد الأدنى أن يتصرف بمسؤولية، لدرجة الإجتماع والنقاش بامكانية تسييل جزء من الذهب" . ويعتبر انه "اذا كنا لا نستطيع تسييل الذهب الا بموجب قانون، فعلى السلطة التشريعية أن تناقش الأمر وتتباحث بالأسباب الموجبة، ودراسة الإيجابيات وكيفية استعمال الذهب. لكن باعتقادي، ولأننا فقدنا الثقة بالسلطة السياسية، فمن الأجدى أن تكون النقاشات ضمن جلسات مفتوحة ومتلفزة، لكي يعرف المواطن اللبناني ماذا يحدث على أرض الواقع".