لبنان و"غلاء الحرب": التضخّم يرتفع بنسبة 17.26 بالمئة

لبنان و"غلاء الحرب": التضخّم يرتفع بنسبة 17.26 بالمئة -- Apr 30 , 2026 26

تسببت الحرب الدائرة في منطقة الخليج بقفزة سريعة في أسعار النفط والغاز، إذ بات سعر البرميل الخام يحلّق عند مستويات تتجاوز 110 دولارات اليوم، مقارنة بأقل من 60 دولاراً في مطلع هذه السنة. كما أدّت الحرب نفسها إلى ارتفاعٍ موازٍ في كلفة الشحن البحري، وأسعار التأمين على الشحن.

وكانت النتيجة ضغوط تضخميّة في الأسواق العالميّة، نظرًا لدخول أكلاف الشحن والتأمين والنفط في تسعيرة مختلف أنواع السلع والخدمات من دون استثناء. مع الإشارة إلى أنّ البنك الدولي توقّع ارتفاع أسعار جميع السلع الأوليّة في الأسواق العالميّة، بنسبة تقترب من 16 بالمئة، ما سيترك تأثيرًا قاسيًا على معدلات خلق فرص العمل والتنمية.

كان من الطبيعي أن تنعكس هذه التطوّرات على أسعار السوق اللبنانية، وبشكلٍ سريع للغاية، وخصوصًا في بلدٍ شديد الاعتماد على الاستيراد لتأمين معظم الحاجات الاستهلاكيّة، وبوجود قطاع طاقة يتركّز الإنتاج فيه على المصادر غير المتجدّدة.

وأرقام مؤشّر أسعار المستهلك لشهر آذار الماضي، التي صدرت أخيرًا عن إدارة الإحصاء المركزي، عكست بشكلٍ واضح تأثير الحرب على حركة أسعار السوق في لبنان. وباختصارٍ شديد، عكست هذه الحرب مسار انخفاض معدّل التضخّم المتدرّج، الذي شهده لبنان منذ فترة بفعل استقرار سعر الصرف، وعاد هذا المعدّل ليسجّل مستويات لم يشهدها منذ أكثر من سنة وخمسة أشهر.

معدّل التضخّم العام

أرقام مؤشّر أسعار المستهلك أظهرت أن معدّل التضخّم السنوي، أي نسبة الزيادة السنويّة في أسعار السوق، ارتفع خلال شهر آذار إلى حدود 14.19 بالمئة، مقارنة بنحو 12.27 بالمئة خلال شهر شباط الماضي، أي مقارنة بالفترة التي سبقت التصعيد.

وأرقام المؤشّر نفسها تدل إلى أنّ السوق المحليّة شهدت زيادة في الأسعار بنسبة تقترب من 5 بالمئة، بين شهري شباط وآذار الماضيين، ما يؤشّر بوضوح إلى تأثير الضغوط التضخميّة الخارجيّة. أمّا الأهم، فهو أنّ معدّل التضخّم الحالي بات أعلى بنسبة 17.26 بالمئة، قياسًا بالفترة المماثلة من العام الماضي، ما يعني أنّ زيادة الأسعار تتسارع بوتيرة أعلى.

لنفهم حساسيّة ما يجري، قد يكون من المفيد العودة إلى بعض الأرقام السابقة. إذ كان لبنان قد تمكّن من خفض معدّل التضخّم السنوي من 263.84 بالمئة في آذار 2023، إلى 70.36 بالمئة في آذار 2024، وصولًا إلى 14.19 بالمئة في آذار من العام الماضي 2025. وكان هذا التحسّن مربوطًا باستقرار سعر الصرف، الذي خفّض من ارتفاع الأسعار الناتج عن تدهور قيمة الليرة اللبنانيّة مقابل الدولار الأميركي. غير أنّ الأحداث الراهنة عادت لدفع هذا المعدّل صعودًا، خلال شهر آذار من العام الحالي، بسبب الضغوط التضخميّة الخارجيّة التي أشرنا إليها. وعليه، يكون لبنان قد بدأ هذه السنة بفقدان جزء من الخفض الذي حققه في نسب زيادة الأسعار، خلال السنوات الماضية.

ولهذا السبب بالتحديد، بات معدّل التضخّم اليوم يقف عند أعلى مستوى له منذ كانون الأوّل 2024، ما يعني أنّ لبنان خسر كل الانخفاض الذي حققه على مستوى نسبة التضخّم منذ ذلك الوقت. أمّا الأخطر، فهو أنّ مصدر الزيادة في أسعار السوق لم يعد عاملًا داخليًا يمكن السيطرة عليه مع الوقت، كحال انخفاض سعر صرف الليرة، بل بات ضغوطًا تضخميّة خارجيّة لا يملك لبنان أي سيطرة عليها. وفي حال استمرّ الارتفاع في أسعار النفط والغاز، بالتوازي مع التصعيد الدائر في منطقة الخليج، فسيكون متوقّعًا أن تسجّل البلاد المزيد من الارتفاع السريع في أسعار السوق، تمامًا كما حصل في شهر آذار.

تضخّم فئات الاستهلاك

من المعلوم أن إدارة الإحصاء المركزي تعرض نسب الزيادة في أسعار كل فئة من فئات الاستهلاك، وهو ما يعكس مدى تركّز التضخّم في قطاعات معيّنة، كما يدل على أبواب الاستهلاك التي أسهمت في رفع معدّل التضخّم العام. وعليه، يمكن تفصيل هذه الزيادات على النحو التالي:

- تصدّرت فئة النقل قائمة ارتفاعات الأسعار، بنسبة سنويّة بلغت 24.81 بالمئة. وكانت هذه النتيجة متوقّعة، نظرًا لارتباط كلفة النقل بأسعار المحروقات، ما يجعل هذا القطاع سريع التعرّض لصدمات أسعار الطاقة.

- كما شهدت فئة السكن والمياه والكهرباء والغاز والمحروقات ارتفاعًا ملحوظًا بنسبة 20.26 بالمئة. وتُعتبر هذه الفئة من الاستهلاك من أكثر الفئات تأثيرًا على معيشة المواطن، لكونها تشكّل وحدها 28.4 بالمئة من سلة الإستهلاك الإجماليّة. وبطبيعة الحال، تُعزى هذه الزيادة إلى ارتفاع كلفة الطاقة واشتراكات المولدات الخاصّة، بالإضافة إلى ارتفاع الإيجارات الشهريّة بمجرّد بدء الحرب في لبنان في شهر آذار.

- بالتوازي، ارتفعت أسعار الأغذية والمشروبات غير الكحوليّة بنسبة 19.41 بالمئة، ما يعكس تأثّر الأمن الغذائي في لبنان بالصدمات التضخميّة الخارجيّة، وارتفاع الاعتماد على الاستيراد لتأمين الحاجات الغذائيّة الأساسيّة.

- وفي الوقت نفسه، شهدت فئة التعليم ارتفاعًا بنسبة 35.67 بالمئة، بينما ارتفعت كلفة الترفيه والثقافة بنسبة أعلى توازي 42.66 بالمئة، وهي النسبة الأعلى من بين جميع فئات الاستهلاك. كما سجّلت فئة الاستهلاك في قطاع المطاعم والفنادق زيادة في الأسعار بنسبة 11.34 بالمئة، ما يدل إلى أنّ الأثر التضخّمي هنا يتجاوز نسبة المعدّل العام.

في النتيجة، ستؤدّي هذه الضغوط التضخميّة إلى مفاقمة الارتفاع في معدّلات الفقر، التي تضاعفت أساسًا -في صفوف اللبنانيين- بمعدّل ثلاث مرّات خلال عقد واحد، بسبب تداعيات الأزمة الاقتصاديّة. وهذا ما يقتضي التحضير، منذ الآن، للسياسات العامّة المطلوبة على مستوى الحماية الاجتماعيّة الموجهة للفئات الأكثر هشاشة.

علي نور الدين - المدن

أقرأ أيضاَ

نزفٌ للدولار في لبنان بسبب عملة رقمية.. أموال تخرج بلا قيود ولا أرقام

أقرأ أيضاَ

قرار من وزارة المال.. إليكم ما تغيّر بشأن مهلة "صاحب الحق الاقتصادي"