إغلاق هرمز وانسحاب الإمارات: هل ينهار نظام النفط العالمي؟

إغلاق هرمز وانسحاب الإمارات: هل ينهار نظام النفط العالمي؟ -- Apr 30 , 2026 177

يشهد العالم تحوّلات عميقة في أسواق الطاقة، توحي بأن هذه الأسواق لن تعود إلى سابق عهدها قبل الثامن والعشرين من شباط 2026. فقد أسفرت الحرب على إيران عن اضطرابات حادّة في إمدادات النفط، ولا سيما مع إغلاق مضيق هرمز، أحد أهم الشرايين الحيوية لنقل النفط والغاز عالميًا. ونتيجة لذلك، تكبّدت الأسواق خسائر تُقدَّر بنحو مليار برميل من النفط، مع توقّعات بارتفاعها إلى 1.8 مليار برميل قبل استعادة الإنتاج الكامل، وهي عملية قد تمتدّ لعدة أشهر حتى بعد انتهاء الحرب.

وكشفت هذه التطورات عن هشاشة النظام العالمي للطاقة، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على ممرات بحرية استراتيجية. كما أظهرت التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط أنّ سلاسل الإمداد، إلى جانب موارد الطاقة والغذاء، يمكن أن تتحول إلى أدوات ضغط استراتيجية تؤثر في مسارات النزاعات. ومع تفاقم أزمة مضيق هرمز، تتصاعد المخاوف من اضطرابات أوسع نطاقًا قد تهدّد نمو الاقتصاد العالمي برمّته.

الإمارات: رؤية متقدمة نحو المستقبل

في خضم هذه التحوّلات المتسارعة، برز حدثٌ مفصلي تمثّل في إعلان دولة الإمارات العربية المتحدة انسحابها من منظمة أوبك وتحالف "أوبك بلس". وقد جاء هذا القرار الاستراتيجي بعد قرابة ستة عقود من العضوية، ليعيد توجيه الأنظار إلى مستقبل أسواق الطاقة، ليس فقط في ظلّ التوترات الجيوسياسية المتصاعدة، بل أيضًا في سياق سعي القوى الرئيسية إلى تبنّي استراتيجيات أكثر مرونة واستقلالية. وتعكس هذه الخطوة توجّه الإمارات نحو تعظيم عوائدها الاقتصادية الوطنية، مستفيدة من قدرتها على تحقيق نمو ملحوظ في إنتاج النفط، لا سيما في ضوء التوقعات باستمرار ارتفاع الطلب العالمي خلال العقود المقبلة.

ولطالما أدّت أوبك دورًا محوريًا في التأثير على أسعار النفط عبر ضبط مستويات الإنتاج، سواء بخفضه خلال فترات الركود أو زيادته عند ارتفاع الأسعار. كما تستند آلية توزيع حصص الإنتاج داخل المنظمة إلى مجموعة من العوامل، من بينها حجم الاحتياطيات النفطية، والقدرة الإنتاجية لكل دولة، فضلًا عن معطيات السوق العالمية.

تجدر الإشارة إلى أنّ منظمة الدول المصدّرة للنفط (أوبك) تأسست عام 1960 في بغداد بمبادرة من خمس دول هي: المملكة العربية السعودية، العراق، إيران، الكويت، وفنزويلا، بهدف تنسيق السياسات النفطية وضمان استقرار الأسواق. ومع مرور الوقت، توسّعت عضوية المنظمة، ثم أُنشئ تحالف "أوبك بلس" عام 2016 ليضم دولًا منتجة من خارج أوبك، مثل روسيا، في إطار تعزيز التعاون لإدارة الإنتاج وتحقيق التوازن بين العرض والطلب.

ولم يخلُ مسار المنظمة من حالات انسحاب لعدد من أعضائها، كان من أبرزها انسحاب قطر في عام 2019، إذ فضّلت توجيه تركيزها نحو قطاع الغاز، وكذلك أنغولا التي غادرت لاحقًا على خلفية خلافات تتعلق بحصص الإنتاج. وتعكس هذه الانسحابات تحديات داخلية متنامية تواجه المنظمة في ظلّ تغيّر أولويات الدول الأعضاء، كما تثير تساؤلات جوهرية حول قدرتها على مواصلة أداء دورها في ضبط الأسواق والحفاظ على استقرار الأسعار.

أمّا دولة الإمارات العربية المتحدة فقد شكّلت منذ انضمامها إلى أوبك عام 1967 عضوًا فاعلًا أسهم في تحقيق توازن دقيق بين مصالح المنتجين والمستهلكين. وبحكم مكانتها المحورية في أسواق الطاقة، جاء قرار انسحابها ليلقى صدى واسعًا، وإن لم يُحدث اضطرابًا ملحوظًا في الأسعار، نظرًا لتوقيته الذي أكدت الإمارات أنه يتماشى مع ظروف السوق.

وفي هذا السياق، تمضي الإمارات قدمًا في تنفيذ خطط طموحة لرفع طاقتها الإنتاجية إلى نحو خمسة ملايين برميل يوميًا، مدعومة باستثمارات كبيرة في البنية التحتية والتكنولوجيا المتقدمة، بما يعزز قدرتها على التكيّف مع تقلبات السوق والاستجابة لمتغيراته بكفاءة عالية.

سوق النفط وديناميات العرض والطلب

على صعيد الدول المنتجة، تتصدر الولايات المتحدة قائمة أكبر منتجي النفط عالميًا بإنتاج يتجاوز 12 مليون برميل يوميًا، تليها المملكة العربية السعودية بإنتاج يتراوح بين 10 و11 مليون برميل يوميًا، ثم روسيا بنحو 10 ملايين برميل يوميًا. كما تندرج كلّ من كندا والصين والعراق والإمارات ضمن كبار المنتجين، بإنتاج يومي يتراوح بين 3 و5 ملايين برميل تقريبًا لكلّ منها. وتسعى هذه الدول إلى تعزيز استثماراتها في قطاع الطاقة للحفاظ على حصصها السوقية وتلبية الطلب العالمي المتنامي.

في المقابل، تُشير التوقعات إلى ارتفاع ملحوظ في الطلب العالمي على النفط خلال العقود المقبلة، مع زيادة تُقدَّر بنحو 19 مليون برميل يوميًا بحلول عام 2050. ويُعزى ذلك إلى جملة من العوامل، أبرزها النمو السكاني العالمي، والتوسع الصناعي في الدول النامية، وتزايد الطلب على وسائل النقل – لا سيما في آسيا وأفريقيا – إضافة إلى بطء التحول الكامل نحو مصادر الطاقة المتجددة، بالرغم من الزخم المتزايد للطاقة النظيفة، واستمرار اعتماد قطاعات حيوية، مثل الطيران والشحن البحري، على الوقود الأحفوري.

كما تسهم التوترات الجيوسياسية في تعزيز الطلب على النفط بصورة غير مباشرة، إذ تدفع الدول إلى بناء احتياطات استراتيجية تحسّبًا لأي اضطرابات مستقبلية. وفي هذا السياق، أشار تقرير صادر عن "غولدمان ساكس" إلى الدور المحوري لدولة الإمارات في أسواق النفط، فيما توقّع البنك الدولي ارتفاع أسعار الطاقة بنسبة قد تصل إلى 24% خلال عام 2026، لتبلغ أعلى مستوياتها منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، في حال استمرار تداعيات الحرب على إيران. ومع تصاعد حدة التوترات الجيوسياسية، تبقى احتمالات ارتفاع الأسعار واستمرار الاضطرابات لفترة أطول قائمة.

ختامًا، تبدو أسواق الطاقة العالمية مقبلة على مرحلة جديدة تتسم بارتفاع مستويات عدم اليقين، حيث تتداخل العوامل الجيوسياسية مع التحولات الاقتصادية والاستراتيجية. وفي ظلّ هذه البيئة المعقّدة، تبرز أهمية القرارات التي تتخذها الدول المنتجة – وفي مقدّمتها دولة الإمارات – في تعزيز مرونتها الإنتاجية وقدرتها على التكيّف مع الطلب العالمي، بما يسهم في دعم استقرار الأسواق، وتعزيز النمو الاقتصادي العالمي، والحدّ من تداعيات الأزمات المستقبلية.

رمزا زخريا - المدن

أقرأ أيضاَ

الفيدرالي الأميركي يثبت سعر الفائدة

أقرأ أيضاَ

ألمانيا تبحث عن بدائل لنفط كازاخستان بعد وقف روسيا إمدادات خط "دروجبا"