هل يدخل لبنان "نادي الأثرياء" عبر الذكاء الاصطناعي؟

هل يدخل لبنان "نادي الأثرياء" عبر الذكاء الاصطناعي؟ -- May 07 , 2026 8

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرّد موجة تقنية جديدة، بل صار أحد أسرع المصاعد إلى الثروة في العالم. الأرقام تكشف التحوّل بوضوح: قائمة "فوربس" لعام 2026 أحصت رقماً قياسياً بلغ 3428 مليارديراً حول العالم، بزيادة 400 اسم عن العام السابق، وبثروة إجمالية وصلت إلى 20.1 تريليون دولار. اللافت أن هذا الصعود لم يأتِ فقط من النفط أو العقارات أو المصارف، بل من اقتصاد جديد تقوده الخوارزميات والرقائق ومراكز البيانات والمنصات القادرة على تحويل الذكاء الاصطناعي إلى أرباح يومية.

في السنوات الماضية، كانت الثروة الرقمية تُصنع غالباً من الإعلانات والتجارة الإلكترونية والهواتف الذكية. اليوم انتقلت اللعبة إلى مستوى آخر. شركات مثل NvidiaوOracle وMeta وGoogle وMicrosoft لم تعد تُقيَّم فقط على أرباحها الحالية، بل على موقعها في سباق الذكاء الاصطناعي. ولهذا تحوّلت أسهم هذه الشركات إلى ماكينة ضخمة لإنتاج الثروات الورقية، فارتفعت ثروات مؤسسين ومديرين ومستثمرين لمجرد أن السوق بات يرى في الذكاء الاصطناعي "نفط القرن الجديد".

 


تقرير UBS لعام 2025 أشار إلى أن ثروات مليارديرات قطاع التكنولوجيا ارتفعت 23.8%، أي بنحو 583.5 مليار دولار، لتصل إلى 3 تريليونات دولار. هذا الرقم وحده يشرح لماذا صار الذكاء الاصطناعي بوابة مباشرة إلى نادي المليارات. لم يعد المطلوب امتلاك مصنع ضخم أو شبكة متاجر عالمية؛ أحياناً يكفي امتلاك شركة برمجيات، نموذج ذكاء اصطناعي، منصة بيانات، أو حصة في شركة رقائق تتحكم بالبنية التحتية للعصر الجديد. المال يتدفّق بسرعة غير مسبوقة. وبحسب مؤشر ستانفورد للذكاء الاصطناعي، بلغ الاستثمار الخاص في الذكاء الاصطناعي داخل الولايات المتحدة 109.1 مليارات دولار في 2024، فيما جذب الذكاء الاصطناعي التوليدي وحده 33.9 مليار دولار عالمياً. كما أن 78% من المؤسسات قالت إنها تستخدم الذكاء الاصطناعي في 2024، بعدما كانت النسبة 55% قبل عام واحد. هذا يعني أن السوق لم تعد تختبر التكنولوجيا من بعيد، بل بدأت تدمجها في العمل، المبيعات، خدمة الزبائن، البرمجة، التسويق، التصميم، والتحليل المالي.

الطفرة لا تقف عند البرامج. البنية التحتية نفسها صارت صناعة مليارية. تقديرات أظهرت أن الإنفاق العالمي على بنية الذكاء الاصطناعي بلغ 318 مليار دولار في 2025، أي أكثر من ضعف مستوى 2024. ومن المتوقع أن يصل الإنفاق العالمي على الذكاء الاصطناعي إلى 2.52 تريليون دولار في 2026، بزيادة 44% على أساس سنوي.
 
لكن هذا الصعود لا يعني أن كل من يستخدم الذكاء الاصطناعي سيصبح مليارديراً. الفارق الحقيقي هو في الملكية. المستخدم العادي يربح وقتاً، الشركة الصغيرة تخفّض كلفة، أما الملياردير الجديد فيملك المنصة أو البيانات أو البنية التحتية أو حصة مبكرة في شركة واعدة. من هنا تتوسع الفجوة بين من يستهلك التكنولوجيا ومن يملكها.


 
بالنسبة إلى لبنان، لا يمكن التعامل مع هذا التحوّل كترف. البلد لا يملك كهرباء مستقرة، ولا تمويلاً واسعاً للشركات الناشئة، ولا سوقاً رأسمالية قادرة على احتضان شركات تكنولوجية كبيرة. كما أن أزمة البنى التحتية لا تزال عائقاً أساسياً، وقد حصل لبنان في 2025 على قرض من البنك الدولي بقيمة 250 مليون دولار لمعالجة أزمة الكهرباء، في مؤشر واضح إلى حجم المشكلة التي تواجه أي اقتصاد رقمي حقيقي. مع ذلك، ليست الفرصة اللبنانية معدومة. لبنان لا يحتاج إلى بناء "وادي سيليكون" بنسخة مستوردة، ولا إلى مراكز بيانات عملاقة تستهلك كهرباء غير متوافرة. الفرصة الأقرب هي في الخدمات الخفيفة عالية القيمة: برمجة، تعريب نماذج، تحليل بيانات، أمن سيبراني، حلول للمصارف والشركات، أدوات للمحاسبة والقانون والإعلام والتعليم والصحة. هذه قطاعات يستطيع اللبنانيون دخولها من مكاتب صغيرة، أو حتى عن بُعد، إذا توافر الإنترنت المقبول، التدريب الجدي، وقنوات تمويل صغيرة لا تخنق الأفكار في بدايتها.
 
إلا انه هناك مؤشرات يمكن البناء عليها، إذ إن لبنان يملك مجتمعاً شاباً، قوة عمل ماهرة، وثقافة ريادة أعمال، مع معدل انتشار إنترنت يُقدّر بنحو 90%. كما وافق البنك الدولي في كانون الثاني 2026 على تمويل بقيمة 150 مليون دولار لمشروع "تسريع التحول الرقمي" في لبنان، بهدف تحسين الخدمات الحكومية، دعم بيئة أكثر أماناً للأعمال، وتوسيع وصول الشركات والرياديين إلى الفرص الرقمية.
 
المشكلة أن التمويل في لبنان غالباً ما يأتي متأخراً أو مشروطاً أو موجهاً إلى البنى العامة لا إلى الشركات الناشئة مباشرة. وهذا يترك فجوة خطيرة أهمها أن لبنان سيبقى يدرّب المواهب ثم يصدّرها إلى دبي والرياض وأوروبا وكندا.
 
المصدر: خاص لبنان24

 

أقرأ أيضاَ

شركات التكنولوجيا تسرح 82 ألف موظف في 3 أشهر فقط.. هل بدأ استبدال البشر بالذكاء الاصطناعي؟

أقرأ أيضاَ

تحذيرات من الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي في التعلم