عيد الأضحى في سوريا.. الأسعار تذبح القدرة الشرائية -- May 26 , 2026 65
في أسواق المواشي في دمشق وريفها، يأتي موسم عيد الأضحى هذا العام وسط ارتفاع واضح في أسعار الأضاحي، يقابله تراجع في حركة الشراء التي باتت محدودة وموسمية ومشروطة بقدرة مالية متآكلة أو بتحويلات من الخارج. وبين مربيّن يواجهون كلفة إنتاج أعلى من قدرتهم على التحمل، ومستهلكين خرج كثير منهم من دائرة الشراء، تبدو السوق أقرب إلى مشهد اختلال متكرر بين العرض والطلب، لكنه أكثر حدة هذا العام، مع اتساع الفجوة بين ما يعرض في الأسواق وما يمكن للأسر فعلياً دفعه.
مربّون بين كلفة مرتفعة وبيع متعثر
في الغوطة الشرقية في ريف دمشق، يعكس المربي جهاد النابلسي "أبو خالد" جانباً مباشراً من هذا التحول. يقول لـِ "المدن" إن الموسم الحالي مختلف بالكامل عمّا سبقه. فارتفاع أسعار الأعلاف وتكاليف التربية جعل الاحتفاظ بالقطيع عبئاً ثقيلاً، فيما لم يعد البيع خياراً مضموناً كما كان في السابق.
يوضح أن المربي اليوم يعيش بين خيارين صعبين: بيع مبكر يحدّ من الخسائر لكنه لا يغطي التكاليف، أو الاحتفاظ بالقطيع على أمل تحسن الأسعار مع اقتراب الموسم، وهو رهان لا يحمل ضمانات في ظل تقلبات السوق.
ويضيف أن تقلص أعداد القطيع خلال الفترة الماضية انعكس بشكل مباشر على المعروض الحالي، وهذا ما ساهم في رفع الأسعار مع اقتراب العيد. ويشير إلى أن كثيراً من المربّين اضطروا خلال الأشهر الماضية إلى تقليص قطعانهم أو بيع جزء منها لتغطية نفقات الأعلاف، وهذا ما أدى إلى تراجع "الكتلة الحيوانية" المتاحة حالياً في الأسواق، وبالتالي ارتفاع الأسعار بشكل تلقائي مع زيادة الطلب الموسمي.
فجوة تتسع بين السوق والقدرة الشرائية
لم تعد الأضحية مرتبطة بالدخل المحلي وحده. فالمواطن عبد القادر الصواف، وهو موظف في القطاع الخاص، يعتمد على حوالة يرسلها شقيقه من الخليج. ويقول لـِ "المدن" إن قرار شراء الأضحية هذا العام بات "خارج القدرة الداخلية للأسرة".
حتى مع التحويلات الخارجية، ارتفعت الأسعار إلى مستوى يستهلك أي هامش أمان مالي كانت توفره الحوالات في السنوات السابقة، لتصبح الأضحية مرتبطة بتوازنات دقيقة داخل العائلة بين ما يمكن تأمينه وما يجب الاستغناء عنه.
ويشير إلى أن عدداً كبيراً من العائلات لم يعد يفكر بالشراء أساساً، مكتفياً بالمراقبة أو المشاركة في أضحية واحدة بين أكثر من أسرة، في محاولة لتخفيف العبء المالي.
فجوة بنيوية في سوق اللحوم
هذا التحول لم يعد استثناءً، بل بات سلوكاً متكرراً مع تراجع الدخل الحقيقي وارتفاع أسعار الغذاء بشكل عام. ولا تتناسب الأسعار الحالية مع القدرة الشرائية للمستهلك، ولا تعكس في الوقت نفسه كل عناصر الكلفة لدى المربي، وهذا ما يخلق فجوة مستمرة بين الطرفين، تتسع كلما اقتربت المواسم.
وتشير تقديرات قطاع الثروة الحيوانية إلى أن سوريا تنتج سنوياً نحو 200 ألف طن من اللحوم الحمراء، فيما يصل عدد رؤوس الأغنام المذبوحة إلى قرابة 4 ملايين رأس سنوياً، وهو ما يغطي الطلب الأساسي للسوق المحلية. وخلال موسم عيد الأضحى يرتفع الطلب بنحو 30% تقريباً، ما يخلق ضغطاً إضافياً على سوق تعاني أصلاً من تراجع في العرض. ويُقدّر دخول الأسواق في دمشق وريفها بين 5 و12 ألف رأس يومياً فقط خلال ذروة الموسم، مقابل طلب أعلى بكثير.
أسعار تتواصل بالارتفاع قبيل العيد
في هذا السياق، يرى عضو غرفة الزراعة عبد الرحمن قرنفلة أن ما يجري في سوق الأضاحي لا يمكن فصله عن البنية العامة لقطاع الثروة الحيوانية، حيث تتداخل عوامل الإنتاج مع حركة السوق بشكل يجعل الأسعار نتيجة مباشرة لسلسلة طويلة من التكاليف والاختلالات.
ويشير إلى أن كلفة الأعلاف والنقل والرعاية البيطرية باتت تشكّل العبء الأكبر على المربين، وهذا ما يدفعهم إلى إعادة ترتيب سلوكهم الإنتاجي، سواء عبر تقليل حجم القطيع أو تأجيل البيع إلى لحظة يرونها أكثر ربحية.
لكنه يلفت في الوقت نفسه إلى أن هذا السلوك، حين يتكرر على نطاق واسع، يؤدي إلى تقليص المعروض في فترات الذروة، وعلى رأسها موسم عيد الأضحى، وهذا ما ينعكس مباشرة على ارتفاع الأسعار.
ويضيف أن تحسن المراعي في بعض المواسم لا ينعكس بالضرورة انخفاضاً في الأسعار، بل قد يؤدي إلى نتيجة معاكسة، إذ يمنح المربين قدرة على الاحتفاظ بالقطيع لفترة أطول، وبالتالي تقليل العرض في السوق خلال فترة الطلب المرتفع.
ويعتبر أن الإشكال الأساسي يكمن في الفجوة المزمنة بين الأسعار والقدرة الشرائية، حيث لا تعكس الأسعار الكلفة الحقيقية للإنتاج من جهة، ولا تعكس دخول المستهلك من جهة أخرى.
سوق تحت ضغط متعدد العوامل
وفي سياق متصل، يؤكد نائب رئيس جمعية اللحامين، معتز العيسى، أن أسواق اللحوم والأضاحي تشهد هذا العام حالة ضعف غير مسبوقة، تعود في جزء أساسي منها إلى تراجع أعداد القطيع نتيجة الجفاف الذي ضرب البلاد خلال العام الماضي.
ويضيف لـِ " المدن" أن الأسعار تضاعفت مقارنة بالعام الماضي، إذ كانت تتراوح بين 42 و50 ألف ليرة للكيلو الحي، بينما باتت اليوم بين 90 و100 ألف ليرة، مع توقعات بمزيد من الارتفاع خلال الأيام المقبلة مع استمرار شح المعروض.
ويشير إلى أن الإقبال على شراء الأضاحي ضعيف جداً، وأن النسبة الأكبر من الطلب باتت تعتمد على المغتربين، في حين لا تتجاوز قدرة المقيمين 10% بالرغم من وجود رغبة لدى كثيرين بالشراء.
كما يوضح أن قرار تصدير الأغنام خلال الفترة الماضية ساهم بدوره في تقليص أعداد القطيع ورفع الأسعار، حتى وإن كانت مدة التصدير قصيرة، موضحاً أن السوق المحلية تأثرت سريعاً بخروج أعداد إضافية من المواشي في ظل انخفاض الإنتاج أساساً.
كما ينتقد غياب التنظيم والدعم الحكومي لقطاع الثروة الحيوانية، وارتفاع أسعار الأعلاف، وتفاوت الأسعار بين المحافظات.
وفي سياق متصل أشار العيسى إلى أن إجمالي عدد المسالخ في دمشق وريفها يصل إلى 16، اثنان منها في دمشق هما مسلخ دمشق الفني في الزبلطاني ومسلخ جوبر الآلي، و14 مسلخاً في مناطق عدة بريف دمشق.
أرقام السوق وضغط الكلفة
ووفق بيانات سوقية موازية، فإن أسعار الخروف الحي باتت تدور في مستويات تقارب 85 إلى 100 ألف ليرة للكيلو، وهذا ما يرفع كلفة الأضحية الواحدة إلى ما بين 4.5 و6 ملايين ليرة، وهو رقم بات خارج قدرة شريحة واسعة من الأسر.
هذا الارتفاع لا يرتبط فقط بموسم العيد، بل بسلسلة طويلة من العوامل التي تشمل ارتفاع أسعار الأعلاف، وتراجع الإنتاج المحلي، وتكاليف النقل، والقيود على حركة المواشي بين المناطق، إضافة إلى ضعف القوة الشرائية العامة.
في المحصلة، لا يبدو موسم الأضاحي هذا العام مجرد ارتفاع في الأسعار، بل هو انعكاس لبنية سوق مضغوطة من جهات متعددة: كلفة إنتاج مرتفعة، قطيع يتراجع، وقدرة شرائية تنكمش، وسوق تعمل تحت ضغط موسمي حاد يفاقم الاختلالات. وبين هذه العناصر جميعاً، يبدو دخول السوق هذا العام أقرب إلى اختبار اقتصادي مباشر للأسر، أكثر منه طقساً موسمياً تقليدياً كما كان في السابق، حيث تحولت الأضحية من ممارسة اجتماعية راسخة إلى قرار مالي ثقيل يخضع لحسابات دقيقة لا تسمح بها الظروف المعيشية الحالية.
نور ملحم - المدن