الدولار يبتلع الزيادة.. والرواتب في سوريا تعود لنقطة الصفر -- Jun 01 , 2026 22
لم يكد يجف حبر التعليمات التنفيذية التي أصدرتها وزارة المالية السورية لتطبيق المرسوم رقم "67" لعام 2026، والقاضي بزيادة الرواتب والأجور المقطوعة بنسبة 50%، حتى بدأت الأسواق السورية بامتصاص مفعول هذه الزيادة قبل أن تصل إلى جيوب الموظفين في الأسبوع الأخير من أيار الجاري. وكان وزير المالية السوري محمد يسر برنية قد مهد لصدور التعليمات التنفيذية للزيادة النوعية للرواتب خلال لقاء في غرفة تجارة دمشق، معلناً أنها ستغطي 80% من موظفي الدولة، ومفضلاً ترك نسب الزيادة "مفاجأة سارة" للموظفين عند استلامها. إلا أن الواقع الاقتصادي المتسارع والمحكوم بالهبوط المستمر لقيمة الليرة السورية أمام الدولار الأميركي، سرعان ما وضع هذه الخطوة الحكومية في خانة "المسكنات الموضعية" التي لا تقوى على مواجهة تضخم قاسٍ.
الليرة وتحدي الدولار الجديد
تشهد الأسواق المالية السورية حالة من عدم الاستقرار مع تسارع انخفاض سعر صرف الليرة، إذ أظهرت تعاملات السوق الموازية استمرار الضغط على العملة المحلية حتى لامس الدولار مستوى 13900 ليرة سورية قديمة، في حين يحاول مصرف سورية المركزي مجاراة هذا التدهور بتحديد سعر الصرف في نشراته الرسمية ليتراوح بين 11250 ليرة للشراء و11350 ليرة للبيع (ما يقارب 113 ليرة جديدة). هذا التراجع المستمر والاتساع في الفجوة يعيد رسم المشهد المعيشي بملامح شديدة القسوة، ويلغي عملياً أي أثر إيجابي للزيادة المقررة.
وبالرغم من أن المرسوم رفع الحد الأدنى للأجور ليصل إلى12560 ليرة سورية جديدة شهرياً، مع إعفائه من ضريبة الدخل، إلا أن القوة الشرائية لهذا المبلغ تظل ضئيلة جداً؛ إذ لا تتجاوز قيمته 91 دولاراً أمريكياً فقط وفق أسعار السوق الموازية، وهي قيمة عاجزة تماماً عن تأمين القوت الأساسي للأسرة.
مقارنة مع السيناريو الفنزويلي
وفي تصريح خاص لـِ "المدن"، وضعت وزيرة الاقتصاد السورية السابقة الدكتورة لمياء عاصي توصيفاً دقيقاً لطبيعة التضخم السوري، مجيبة عن المخاوف من انزلاق البلاد نحو نموذج "التضخم المفرط" على الطريقة الفنزويلية، إذ تقول: "يتصف الاقتصاد السوري بأنه اقتصاد هش يعتمد على الواردات بشكل كبير ويعاني اختلالات هيكلية عميقة، ولا سيما بما يخص الإنتاج الصناعي والزراعي، وهذا ما يفسر التذبذب في سعر الصرف. لكن الوضع الاقتصادي السوري لا يشبه السيناريو في فنزويلا التي عانت من تضخم مفرط؛ إذ شهد سعر صرف البوليفار الفنزويلي أمام الدولار ارتفاعاً بنسبة 400% خلال الـ 12 شهراً الماضية ليبلغ الدولار الواحد حوالي 520 بوليفاراً، ولجأت حكومتها لإزالة الأصفار عدة مرات نتيجة طباعة العملة خارج القيود الاقتصادية".
وتُرجع د. عاصي الارتفاع المستمر للدولار مقابل الليرة السورية إلى جملة عوامل متداخلة، موضحة: "ساهمت عوامل عدة بارتفاع سعر الصرف، منها زيادة أجور العاملين وإضافة كتلة نقدية جديدة تعادل 50% من الفاتورة السابقة للأجور، إضافة للإعلان عن أسعار شراء القمح من الفلاحين، وصدور التعرفة الجمركية الجديدة وما أحدثته من اضطراب في الأسواق. كل هذا بالتوازي مع التوترات الجيوسياسية العالمية التي رفعت أسعار السلع والتأمين والشحن. وبما أن اعتماد البلد على الواردات كبير جداً، فقد أصبحت موجة الغلاء حادة".
وتضيف عاصي: "الحكومة اعتمدت سياسة تقشفية صارمة، وصرحت بأنه لن يكون هناك تمويل بالعجز "أي لا طباعة لأوراق نقدية جديدة". وصحيح أن كتلة زيادة الأجور تسبب دورة ارتفاع أسعار وموجة تضخمية قد تبتلع الزيادة، ولكنها تظل ضرورية للحصول على المتطلبات الأساسية للحياة كالغذاء والدواء. وفي النهاية، إن لم تترافق الزيادات بإصلاحات هيكلية تشمل القطاعات الإنتاجية، فإنها لن تكون مستدامة".
كواليس السياسة النقدية
يتعمق الأثر السلبي لزيادة الرواتب مع توجهات حكومية موازية لرفع الدعم عن مواد حيوية كالخبز والمحروقات، وهذا ما أدى إلى ارتدادات سعرية فورية. يُضاف إلى ذلك عامل آخر حدّ من القيمة الإجمالية لهذه الخطوة وتمثل في جمود التعويضات، إذ نصت التعليمات التنفيذية على إبقاء كافة التعويضات محسوبة على أساس الأجور النافذة قبل تاريخ 17 آذار 2026 دون تعديل.
من جانبه، يقدم الخبير المصرفي والمالي أنس الفيومي قراءة تقنية من منظور السياسات النقدية والمصرفية لمعركة كبح السيولة التي يخوضها المصرف المركزي، مشيراً في حديثه مع "المدن"، إلى أن الهبوط الحالي لليرة هو نتاج طبيعي لتزايد الطلب على الدولار مقابل عرض محدود، بغض النظر عن جهود المركزي لتطبيق آليات امتصاص السيولة واستبدال النقد؛ إذ إن نقص الاحتياطيات الأجنبية، وضعف الإنتاج المحلي، وعدم ضبط الاستيراد المنافس للمنتج الوطني، شلّت قدرة هذه الأدوات النقدية.
وفي ما يتعلق بآلية تمويل هذه الزيادة ومخاطرها على الأسواق، يوضح الفيومي: "على الرغم من توجيه التعليمات للاستفادة من وفورات الموازنات التقديرية وتصريح السيد وزير المالية بأنه لن يتم التمويل من العجز، فإن الخزينة العامة تواجه بعض المصاعب في السيولة الحقيقية. وبكل الأحوال، نرجو ألا يتم التمويل بالعجز لأنه سيزيد من ضغوط الهبوط على الليرة ويغذي التضخم".
وينبه الفيومي إلى الارتداد المباشر لهذا التذبذب الحاد على العجلة الإنتاجية قائلاً: "التجار المستوردون يجدون صعوبة في التخطيط بسبب تغير الأسعار اليومي، وهذا ما يدفعهم لتأجيل الاستيراد أو تخزينه، فتندر السلع وترتفع أسعارها. أما المصنعون المحليون فيواجهون ارتفاعاً في تكاليف المواد الخام المستوردة، ما يجبرهم على رفع الأسعار أو تقليل الإنتاج، وخروجهم من السوق يعني إغلاق منشآت وبطالة عمالها؛ وهي دائرة خطر لا يمكن معالجة جزء منها دون معالجة باقي الأجزاء".
ويخلص الفيومي إلى أنَّ: "زيادة الرواتب خففت من الصدمة الاقتصادية جزئياً، لكنها لا تشكل حلاً طويل الأمد ما لم تترافق مع سياسات اقتصادية متكاملة لدعم الإنتاج المحلي. وإذا كان المطلوب من المواطنين الوعي للإجراءات الحكومية، فإنه بالمقابل يجب على صناع القرار تنسيق السياسات النقدية والمالية لضمان استقرار العملة وحماية القدرة الشرائية".
واقع معيشي تحت خط الفقر
تأتي هذه الإجراءات في وقت تؤكد فيه التقارير الأممية أن نحو 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر (بواقع أقل من 2.15 دولار يومياً للشخص)، مع قفز معدلات الفقر المدقع إلى مستويات تتراوح بين 30 و40% في المدن والأرياف النائية، في حين تلاشت الطبقة الوسطى لتشكل نحو 5% فقط مقارنة بـِ 60% قبل العام 2011.
هذا الواقع دفع السوريين بشكل متزايد نحو "اقتصاد الظل"، والجمع بين أكثر من وظيفة لتأمين الحد الأدنى من الاستمرار، في ظل سوق عمل تعاني أصلاً من اختلالات هيكلية وتفاوت حاد في الأجور بين الوافدين الجدد والمتعاقدين وبين الموظفين القدامى.
سباق خاسر مع الأسعار
في المحصلة، تبدو زيادة الرواتب الأخيرة بنسبة 50% كأنها محاولة للحاق بقطار الأسعار السريع، لكن المؤشرات الحالية تؤكد أن القطار لا يزال متقدماً بمسافات شاسعة. ومع غياب استراتيجية وطنية واضحة وملموسة لمكافحة الفقر حتى الآن، تظل السياسات المالية الحالية عاجزة عن لجم التدهور المستمر في مستوى معيشة المواطن السوري، الذي بات يرى في الزيادة الرقمية مجرد تمهيد لموجة غلاء جديدة يقودها الدولار.
رهام علي - المدن