صندوق النقد يحسمها: الأزمة المالية اللبنانية نظامية

صندوق النقد يحسمها: الأزمة المالية اللبنانية نظامية -- Jun 01 , 2026 4

ليس الانهيار المالي في لبنان الذي بدأ في خريف 2019 أزمة مصرفية عابرة أو تعثراً مالياً محدوداً يمكن احتواؤه بإجراءات تقنية أو ترقيعات مرحلية. فما شهدته البلاد كان انهياراً متكاملاً أصاب بنية النظام المالي والنقدي والاقتصادي دفعة واحدة، بعدما تداخلت مصالح الدولة ومصرف لبنان والمصارف التجارية ضمن نموذج قائم على الاستدانة الدائمة وتمويل العجز وتدوير الخسائر تحت وهم الاستقرار النقدي.

طوال سنوات طويلة، اعتمدت الدولة اللبنانية على إنفاق يفوق قدراتها الفعلية، من دون بناء اقتصاد منتج أو إصلاحات بنيوية تسمح بتأمين إيرادات مستدامة. ومع اتساع العجز المالي عاماً بعد عام، تحوّل مصرف لبنان إلى المموّل الأساسي للدولة، عبر آليات مالية معقدة وهندسات هدفت إلى استقطاب الدولار والحفاظ على استقرار سعر الصرف. وفي المقابل، اندفعت المصارف التجارية إلى توظيف القسم الأكبر من ودائع اللبنانيين في سندات الخزينة واليوروبوندز وشهادات الإيداع لدى مصرف لبنان، مستفيدة من الفوائد المرتفعة والعوائد الاستثنائية.

كان النظام بأكمله يدور داخل حلقة مالية واحدة: الدولة تستدين، ومصرف لبنان يموّل، والمصارف تضخ الودائع داخل المنظومة. ومع أول اهتزاز كبير، سقطت الحلقات كلها دفعة واحدة. الدولة أعلنت التوقف عن سداد سندات اليوروبوندز، ومصرف لبنان عجز عن الإيفاء بالتزاماته تجاه المصارف، والمصارف قيّدت أموال المودعين ومنعتهم من الوصول الحر إلى ودائعهم، لتنكشف هشاشة النموذج الذي استمر سنوات على قاعدة الاستدانة وإعادة تدوير الخسائر.

سجال سياسي حول توصيف الانهيار

رغم وضوح هذا الترابط، شهد لبنان منذ بداية الأزمة سجالاً واسعاً حول توصيف ما جرى. ففي مقابل مقاربة رأت أن البلاد تواجه "أزمة نظامية" تضرب كل الهيكل المالي والاقتصادي، ظهر اتجاه سياسي وإعلامي حاول حصر المسؤولية بقطاع محدد، ورفض استخدام مصطلح "الأزمة النظامية"، باعتبار أن هذا الوصف يخفف مسؤولية المصارف أو يوزعها على الجميع. حتى إن بعض مشاريع القوانين لجأت إلى استخدام تعابير بديلة مثل "الأزمة الشاملة" أو "الأزمة الجماعية"، في محاولة لتجنب التوصيف الأكثر دقة لطبيعة الانهيار.

صندوق النقد يحسم الجدل
إلا أن هذا الجدل تلقى حسماً واضحاً مع التقرير الأخير لصندوق النقد الدولي، الذي أدرج الأزمة اللبنانية ضمن قائمة الأزمات النظامية التي شهدها العالم خلال السنوات العشر الأخيرة، إلى جانب 13 دولة أخرى. هذا التصنيف لم يكن مجرد توصيف لغوي، بل حمل أبعاداً مالية وقانونية وسياسية بالغة الأهمية، لأنه يقر بأن الانهيار اللبناني لم يكن نتيجة خطأ منفصل ارتكبه طرف واحد، بل نتيجة انهيار منظومة كاملة شاركت في إنتاج الأزمة وتراكمها.

ويكتسب هذا التوصيف أهمية إضافية لأنه ينسجم مع ما كانت تطرحه جهات مالية واقتصادية منذ بداية الأزمة، وفي مقدمها جمعية المصارف والهيئات الاقتصادية، التي اعتبرت أن المعالجة لا يمكن أن تقوم على تحميل طرف واحد كامل الخسائر، بل على توزيع عادل للمسؤوليات والأعباء بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف.

جباعي: الانهيار نتاج تراكمات


في هذا السياق، يوضح نائب رئيس هيئة الأسواق المالية الدكتور محمود جباعي أن الأزمة اللبنانية كانت منذ البداية "أزمة نظامية بامتياز"، لافتاً إلى أن رأي صندوق النقد جاء مطابقاً لرأي حاكم مصرف لبنان كريم سعيد الذي يعمل منذ تسلمه مهماته على معالجة الأزمة وفق هذا الإطار، وهو ما يؤكد صوابية قراراته وإجراءاته العملية والعادلة لحقوق المودعين.

أما الخلط الذي حصل بين مفهوم "الأزمة النظامية" و"الأزمة الممنهجة" فأسهم في رأي جباعي في تضليل النقاش العام حول طبيعة الانهيار، معتبراً أن البعض "حاول الإيحاء بأن جهة محدّدة تسبّبت وحدها بالأزمة، بينما الواقع أن الانهيار نتج من تراكمات سياسية واقتصادية ومالية امتدّت سنوات طويلة".

ويربط جباعي جذور الأزمة بالمسار السياسي الذي شهده لبنان منذ عام 2004، وما رافقه من تعطيل داخلي وتراجع في العلاقات الخارجية والاستثمارات، إضافة إلى تداعيات النزوح السوري الذي كبّد لبنان عشرات مليارات الدولارات. ومع اتساع العجز المالي، لجأت الدولة إلى الاستدانة المستمرة من مصرف لبنان، فيما قام الأخير بدوره بالاستدانة من المصارف، التي استخدمت أموال المودعين لتمويل الدولة والقطاع العام.

من هنا، يعتبر أن توصيف صندوق النقد للأزمة بأنها نظامية يفرض مقاربة مختلفة للحلّ، تقوم على تحميل المسؤولية لجميع الأطراف المعنية، لا لطرف واحد فقط. فالدولة، وفق جباعي، أنفقت مليارات الدولارات من الأموال التي تعود أساساً إلى المودعين، بينما يتحمّل مصرف لبنان والمصارف أيضاً مسؤوليات مباشرة نتيجة السياسات المالية والنقدية التي اعتمدت طوال السنوات الماضية.

أمام هذا الواقع، يرى أن "أي خطة جدية لمعالجة الأزمة يجب أن تنطلق من مبدأ الشراكة في تحمّل الخسائر وإعادة الودائع، عبر مساهمة الدولة ومصرف لبنان والمصارف معاً، بدل الاستمرار في تبادل الاتهامات أو محاولة إعفاء أيّ طرف من المسؤولية". ويلفت إلى أن "الدولة مطالبة بإعادة رسملة مصرف لبنان إذا ثبت وجود خسائر في ميزانيته، وفق ما ينص عليه قانون النقد والتسليف، إضافة إلى معالجة ملف الدين المستحق للمصرف المركزي على الدولة".

ويكتسب هذا النقاش أهمية إضافية مع وجود مشروع قانون "الفجوة المالية" أمام مجلس النواب، إذ يلاحظ جباعي أن توصيف الأزمة بأنها نظامية يجب أن يشكل الأساس الذي تُبنى عليه أي معالجة تشريعية، بما يضمن إنصاف المودعين قدر الإمكان وتوزيع الأعباء توزيعاً عادلاً.

الذهب والاحتياط الإلزامي… آخر خطوط الدفاع

توازياً، يبرز ملف أصول الدولة وموجودات مصرف لبنان، بما فيها احتياطات الذهب، كجزء من النقاش الدائر حول آليات المعالجة الممكنة. إلا أن الحديث عن الذهب، بحسب جباعي، لا يعني الدعوة إلى بيعه، بل البحث في توظيفه ضمن خطة مالية مدروسة تساعد في إعادة التوازن إلى النظام المالي.

أما النقطة الأكثر حساسية، فتتعلق بما بقي من أموال المودعين. فمصرف لبنان، وفق جباعي، يحاول اليوم المحافظة على الاحتياط الإلزامي ومنع استخدامه في الدعم أو الإنفاق، باعتباره جزءاً من الأموال التي يُفترض أن تعود إلى المودعين ضمن أيّ خطة مستقبلية.

إذا، لم يعد توصيف الأزمة اللبنانية موضع جدل فعلي بعد تثبيت صندوق النقد الدولي طابعها النظامي. وبالتالي، فإن أي معالجة لا تعترف بهذه الحقيقة ستبقى ناقصة، فيما يبدو الطريق الوحيد للخروج من الأزمة قائماً على الاعتراف الجماعي بالمسؤوليات، ووضع خطة متكاملة تعيد توزيع الخسائر توزيعاً عادلاً وتؤسّس تدريجاً لاستعادة الثقة بالنظام المالي اللبناني.

سلوى بعلبكي -النهار

أقرأ أيضاَ

تجفيف اقتصاد الكاش... لماذا لا يكفي وحده؟

أقرأ أيضاَ

الفجوة في ساحة النجمة