الحد الأدنى للأجور: 1200 دولار على الورق -- Jul 10 , 2026 505
بات الحد الأدنى للأجور في لبنان بعيدًا عن تلبية الحد الأدنى من متطلبات المعيشة، بعدما التهمت موجات الغلاء المتلاحقة وارتفاع أسعار السلع والخدمات جزءًا كبيرًا من قيمته الشرائية، لتتسع الفجوة بين الدخل وكلفة الحياة بصورة غير مسبوقة. ومع كل ارتفاع جديد في الأسعار، يزداد الضغط على أصحاب الدخل المحدود، فيما تتعاظم المطالب بإعادة النظر في الأجور بما يتناسب مع الواقع المعيشي.
يصطدم مطلب تصحيح الاجور بواقع اقتصادي شديد التعقيد، فرضته التداعيات الأمنية التي ألقت بثقلها على مختلف القطاعات، فأدّت إلى تراجع النشاط الاقتصادي، وتضرّر مؤسسات وإقفال أخرى، وانخفاض الإنتاج والاستثمار، ما جعل قدرة عدد كبير من أصحاب العمل على تحمل زيادات جديدة موضع تساؤل.
وبين الحاجة الملحة إلى تصحيح الأجور، والواقع الاقتصادي الذي يفرض قيوده على المؤسسات وسوق العمل، يبقى العامل اللبناني الحلقة الأضعف، إذ يجد نفسه في مواجهة غلاء متواصل ودخل لم يعد يواكب أبسط متطلبات الحياة، فيما تبقى الحلول الشاملة مرتبطة باستعادة الاستقرار وإعادة تحريك عجلة الاقتصادية.
"مقاربة واقعية"
إذًا قد يكون الحديث عن رفع الحد الأدنى للأجور، مطلبًا محقًا في ظل تراجع القدرة الشرائية، إلا أن رئيس الاتحاد العمالي العام بشارة الأسمر يرى أن "مقاربة هذا الملف يجب أن تنطلق من الواقع الاقتصادي الذي يعيشه لبنان"، مشيرًا لـ "نداء الوطن"، إلى أن "الاتحاد يُواكب حاليًا ملف الزيادات في القطاع العام"، آملا أن "تحمل الفترة المقبلة مؤشرات إيجابية في هذا الإطار".
وفي ما يتعلق بالحد الأدنى للأجور، يوضح الأسمر أن "بعض الدراسات الأولية تُشير إلى أنه يفترض أن يبلغ نحو 1200 دولار أميركي، إلا أن احتساب الأجر لا يقتصر على الراتب الأساسي، بل يشمل أيضًا متمّماته، من غلاء المعيشة وبدلات النقل والمنح المدرسية والتعويضات العائلية".
أوضاع المؤسسات
ويؤكد أن "أي تصحيح للأجور يجب أن يأخذ في الاعتبار الأوضاع الصعبة التي تعيشها المؤسسات اللبنانية"، لافتًا إلى أن "العديد من المؤسسات والمصانع في الجنوب تعرّضت للدمار أو توقفت عن العمل، فيما لحقت أضرار كبيرة بالمنطقة الصناعية في النبطية".
كما يشير إلى أن "مؤسسات في بيروت وجبل لبنان والشمال شهدت تراجعًا في أعمالها بنسبة تتراوح بين 70 و80 في المئة نتيجة الركود الاقتصادي"، معتبرًا أن "البلاد تعيش حالة شبه شلل اقتصادي".
انطلاقًا من هذه المعطيات، يُشدّد الأسمر على "ضرورة التعاطي مع ملف الحد الأدنى للأجور بواقعية، بما يوازن بين حق العامل في أجر يؤمّن له حياة كريمة، وقدرة المؤسسات على الصمود والاستمرار في ظل الظروف الراهنة"، مؤكدًا أن "الاتحاد سيواصل العمل للوصول إلى معالجات تتلاءم مع الإمكانات المتاحة".
الواقع الأمني يُقيّد أي تصحيح للأجور
ويرى أن "الأولوية اليوم تتمثل في استعادة الهدوء والاستقرار، باعتبار أن أي نهوض اقتصادي يبقى مرتبطًا بتحسن الوضع الأمني، ما يتيح إعادة تحريك عجلة الاقتصاد واستئناف العمل بصورة طبيعية".
وفي السياق نفسه، يدعو "الحكومة إلى مراعاة الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة، وعدم اتخاذ خطوات تزيد الأعباء على المواطنين"، مستذكرًا "المرسوم رقم 3214 الذي تضمّن رسومًا على عدد من السلع الأساسية قبل أن يُعلّق العمل به عقب اعتراضات الاتحاد".
ويلفت إلى أن "مختلف القطاعات الاقتصادية تأثرت بالأوضاع الأمنية، إذ إن بعض المؤسسات توقفت كليًا عن العمل، فيما اضطر بعضها الآخر إلى تقليص نشاطه بشكل كبير، ما انعكس سلبًا على العمال الذين يتحملون، بحسب قوله، أعباء السياسات الخاطئة والضرائب والرسوم المتزايدة، في وقت لا تزال الأجور تراوح مكانها. كما يتوقف عند ملفات لا تزال عالقة، من بينها الزيادات المعروفة بـ "الرواتب الست الإضافية" وضريبة البنزين، معتبرًا أن "المواطن يواصل تحمّل الأعباء، فيما لم يحصل موظفو القطاع العام على ما يستحقونه".
يختم الأسمر بالتأكيد أن "لبنان يمرّ بمرحلة استثنائية تفرض اعتماد حلول واقعية وقابلة للتنفيذ"، مشيرًا إلى أن "استمرار الأوضاع الأمنية الصعبة يدفع العديد من المؤسسات إلى تقليص أعمالها أو اللجوء إلى الصرف التعسفي، ما يجعل أي معالجة اقتصادية أو اجتماعية محدودة النتائج ما لم تُستكمل باستقرار أمني يعيد إطلاق الدورة الاقتصادية".
في المحصلة، يبقى ملف الحد الأدنى للأجور معلقًا بين مطلبٍ مُحقّ يتمثل في حماية القدرة الشرائية للعمال، وواقع اقتصادي وأمني يحدّ من قدرة المؤسسات والدولة على تقديم معالجات شاملة. وبين هذين الواقعين، يبقى العامل اللبناني المتضرّر الأكبر، إذ يتحمل يوميًا كلفة الغلاء وتراجع قيمة الأجور، فيما ينتظر حلولا تُعيد التوازن بين الدخل وكلفة المعيشة، وتواكب أي تعافٍ اقتصادي مرتقب.
رماح هاشم - نداء الوطن