إنقاذ كهرباء لبنان: القانون وحده لا يحمي الموظفين والمياومين

إنقاذ كهرباء لبنان: القانون وحده لا يحمي الموظفين والمياومين -- Jul 28 , 2026 9

أطلقت وزارة الطاقة والمياه خطة عمل جديدة يُنتظر منها انتشال قطاع الكهرباء من محنته عن طريق وضع آلية مختلفة على مستوى الإنتاج والنقل والتوزيع والفوترة والجباية، فضلاً عن التغيير الجوهري الذي سيطال بنية مؤسسة كهرباء لبنان. وأُدرِجت تفاصيل المرحلة المقبلة ضمن "ورقة سياسة قطاع الكهرباء: تنظيم القطاع، الإطار الانتقالي والنموذج طويل الأمد". على أنّ واحدة من علامات الاستفهام التي طالت المحاور التي شملتها الورقة، هي تلك المتعلّقة بضمان استمرارية عمل موظفي ومياومي مؤسسة كهرباء لبنان. ورغم التطمينات التي يقدّمها وزير الطاقة جو الصدي وأعضاء الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء، استناداً إلى القانون 462/2002، تبقى المخاوف قائمة، فالتجارب السابقة مع الوعود والتطمينات، غير مشجّعة، إذ ظُلِمَ الكثير من الموظفين والمياومين، رغم حفظ القانون حقّهم. فهل سيتكرّر الظلم تحت ستار إنقاذ قطاع الكهرباء؟.

تحرير من جانب واحد

تهدف خطة الكهرباء الجديدة إلى "تحرير" القطاع من "الاحتكار" المتمثّل بمؤسسة كهرباء لبنان التي "تستحوذ على أكثر من 90 بالمئة من أصول الإنتاج والتوزيع". ومع أنّ الانتقال "منظّم ومرحلي نحو الهيكلة المستهدفة"؛ أي يحتاج إلى المزيد من الوقت، استبق عمّال مؤسسة كهرباء لبنان ومياوموها، أي خطوة بذلك الاتجاه، لتأكيد حقّهم بضمان استمرارية عملهم، لا سيّما أنّ ورقة تحرير القطاع ينطلق من إجراء تغيير جذري على مستوى مؤسسة الكهرباء، من خلال تحويلها إلى شركة مساهمة تملكها الدولة ويتاح لها إشراك القطاع الخاص بنسبة 40 بالمئة.

لكن ما تراه الوزارة والهيئة الناظمة على أنّه تحرير، يراه العمال والمياومون أسراً جديداً يلوح في الأفق، إذ عانى هؤلاء ولا يزال بعضهم يعاني، من خوف خسارة الوظيفة مع كلّ محاولة إصلاح. وليس آخر المحاولات، مشروع التعاقد مع شركات مقدّمي الخدمات، الذي أدّى إلى انفجار أزمة المياومين والتأخّر في تثبيت بعضهم. ولمنع تكرار الأزمة، رأت نقابة عمال ومستخدمي المؤسسة، أنّ الخطة الجديدة للكهرباء تحتوي على عناوين "فضفاضة"، والمقصود بها الحديث عن "تفكيك الأنشطة ثم بيعها ومنح احتكارات جغرافية للتوزيع والجباية". واعترضت النقابة في بيان، على عدم إشراكها "بأي خطة تتعلّق بحقوق العمال والمستخدمين". وأكّدت مصادر متابعة لملف الموظفين، أنَّ "ما تتجه إليه مؤسسة كهرباء لبنان ليس إيجابياً، خصوصاً لناحية مصير الموظفين". ووفق ما تقوله المصادر في حديث لـِ "المدن"، فإنّ المقلق في هذا الملف هو "الإتيان بشركات خاصة جديدة لديها موظفيها وآلية عمل مختلفة عن الواقع الحالي في ظل وجود مؤسسة كهرباء لبنان. ممّا يهدّد ضمان عمل الموظفين الحاليين للمؤسسة".

التخوّف من نتائج ذلك التحرير، ينسحب على مياومي المؤسسة الذين ينتظرون ضمان حقّهم بالوظيفة منذ سنوات. وبعضهم أمضى 26 عاماً من عمره في الخدمة تحت مظلّة المياومين، من دون تثبيت. ووفق مصادر في لجنة المياومين وجباة الإكراء "هناك تخوّف من إجراء تغيير في القطاع على حساب المياومين". وأشارت المصادر في حديث لـِ "المدن"، إلى أنَّ "عملية ضمان حقوق المياومين تبدأ من تثبيتهم". ورغم أنّ المرحلة المقبلة تستبدل مؤسسة كهرباء لبنان بشركة مساهمة تتبع للقطاع العام، إلاّ أنَّ ضمان تثبيت المياومين فيها غير مؤكّد "بل على العكس، قد يكون ذلك الانتقال في الشكل والمضمون، مقدّمة لتصفية قضية المياومين. لذلكَ، إن كانت حقوق الموظفين مكفولة، فإنّ تثبيت المياومين يضمن حقوقهم".

القانون ليس كافياً

المخاوف التي يبديها الموظفون والمياومون مشروعة "لكنّها بغير محلّها، لأنّ حقوق الموظفين مكفولة بالمادة 45 من القانون 462/2022 التي تؤكد أنّه سيكون هناك دور للموظفين في الشركات الجديدة التي ستنشأ"، وفق ما أكّدته عضوة الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء سورينا مرتضى التي أشارت لـِ "المدن" إلى أنَّه "في حال عدم وجود دور فعلي للموظفين في تلك الشركات، فسيتم نقلهم إلى ملاكات الدولة، ومنها ملاكات وزارة الطاقة والمياه. لذلكَ يجب ألا يكون هاجس خسارة الوظيفة موجوداً لأنّ القانون يلحظ بقاء الموظفين".

ولمزيد من الاطمئنان، رأت مصادر في مجلس إدارة مؤسسة كهرباء لبنان أنَّ "الموظفين لن يتأثّروا بكل الخطوات التنفيذية لاحقاً، فالشواغر التي تشهدها المؤسسة، كفيلة بالحفاظ على الوظائف، وبالتالي سينتقل هؤلاء الموظفين إلى الشركة المساهمة العامة". وأوضحت المصادر في حديث لـِ "المدن" أنّ "النقص الحاد في عدد الموظفين، يجب أن يملأ سريعاً".

وأيضاً، خلال استقباله أمس الاثنين، وفداً من نقابة عمال المؤسسة، أكّد الصدي إشراكهم في النقاش حول سبل تطبيق ورقة سياسة القطاع، حين يصل النقاش إلى الأمور المتعلقة بهم وفي طليعتها المادة 45 من القانون 462/2022. وإثر ذلك، أعلنت النقابة تعليقها الإضراب الذي كان مقرراً لليوم الثلاثاء، ذلكَ "كبادرة حسن نية" تجاه تأكيدات الوزير.

لكن الاحتكام إلى القانون في لبنان لا يرتّب بالضرورة حلولاً جذرية وناجحة. فرغم أنّ القانون 462/2002 أعطى مستحقات للموظفين، إلاّ أنّها بحسب نقابة الموظفين "غير منصفة وغير عادلة وأصبحت من الماضي بعد مرور24 عاماً على صدور القانون". وبالتوازي مع ذلك، نصّ القانون رقم 287 الصادر في أيار 2014، على ملء المراكز الشاغرة في مؤسسة كهرباء لبنان عبر إجراء مباراة محصورة بالعمال غب الطلب وجباة الإكراء "إلاّ أنّ إجراءاته لم تستكمل، وبقي عدد كبير من المياومين خارج ملاك المؤسسة، لأسباب التحاصص السياسي"، وفق مصادر في لجنة المياومين. علماً أنّ عدد الشغور في ملاك المؤسسة يسمح باستيعاب المياومين. وقالت المصادر إنّ "على كل المعنيين بهذا الملف استكمال تنفيذ القانون وإجراء المباريات المتوقّفة للتثبيت في الفئة الخامسة".

ولفتت المصادر النظر إلى أنّه يقتضي التمييز بين نوعين من المياومين "النوع الاوّل يشمل المياومين الذين يغطّيهم القانون 287؛ أي الذين يحق لهم خوض المباريات للتثبيت، وهؤلاء هم مياومو كهرباء لبنان. أمّا النوع الثاني فيشمل المياومين في شركات مقدمي الخدمات، وهؤلاء يختلفون عن مياومي المؤسسة، خصوصاً أنّهم أتوا بعد العام 2012". أيضاً هناك فئة ثالثة من المياومين هو الذين "نجحوا في المباريات المخصّصة للفئة 4، لكنّهم بقوا ضمن العدد الفائض، وهم نحو 140 ناجحاً. وتوقّفت مباريات تثبيت المياومين الآخرين، إلى حين إيجاد حلّ للفائض. ولم يجرِ تثبيتهم رغم ارتفاع معدّل الشغور. علماً أنَّ بعض هؤلاء وصل إلى مشارف سنّ التقاعد". وبذلك، يصبح هناك مشكلة تتعلّق بأكثر من 2000 مياوم، منهم ما لا يزيد عن 600 مياوم يخضعون للقانون 287 وهؤلاء توفي بعضهم أو ترك الوظيفة قبل تثبيته. وبالنسبة إلى المصادر، فإنّ الاحتكام إلى القوانين والدراسات والوعود، لا يعني التنفيذ. كما أنّ "ورقة سياسة القطاع الجديدة تتحدّث عن ملء الشواغر في مؤسسة كهرباء لبنان لكنها لا تلحظ تعقيدات أزمة المياومين". علماً أنّه في الأمر الإداري المتعلّق بمعالجة النقص في المراكز داخل المؤسسة، الذي أصدره المدير العام للمؤسسة كمال حايك، في شهر حزيران الماضي، يكشف حايك أنّ "المؤسسة تشهد نقصاً حاداً وغير مسبوق في جهازها البشري. وعدد المستخدمين في ملاك المؤسسة يقتصر حالياً على 1039 مستخدماً فقط من أصل 5036". ومع ذلك لا زالت عملية التثبيت متوقّفة رغم القانون 287.

تعقيدات كثيرة يحملها هذا الملف. فالخطّة الموسّعة التي تضعها ورقة سياسة القطاع، ورغم وجود القوانين، قد تصطدم في أي لحظة بالواقع السياسي الذي يقول إنّ أي تجربة جديدة لا يمكنها الخروج عن منطق التحاصص السياسي، مهما كانت ناجحة نظرياً ومحاطة بنوايا صادقة. فالقرارات السياسية تظلم أصحاب الحقوق رغم تسلّحهم بالقوانين التي يحوّلها النفوذ السياسي إلى وجهة نظر.

خضر حسان - المدن

أقرأ أيضاَ

هرمز خارج الخدمة... طرابلس مرشحة لتصبح بوابة نفط الشرق إلى أوروبا

أقرأ أيضاَ

السياسة المالية نفسها: إيرادات سريعة "من دهنو سقّيلو"