3.3 مليار دولار.. قطر تفتح بوابة الاستثمار الزراعي في سوريا -- Aug 17 , 2026 8
في مشهد استثماري غير مسبوق يشهد تحولات جذرية في مسار إعادة الإعمار، برز الإعلان عن أضخم مشروع أجنبي مباشر في سوريا منذ عقد ونصف؛ ويتمثل في شراكة زراعية وصناعية غذائية متكاملة تقودها شركة "بلدنا" القطرية عبر ذراعها المستحدثة "بلدنا سوريا"، بقيمة إجمالية تصل إلى 3.3 مليار دولار أمريكي.
هذا المشروع الذي أُزيح الستار عن تفاصيله الكبرى في العاصمة دمشق خلال فعاليات معرض "أغريتك سوريا، يعيد صياغة المشهد الاقتصادي في مناطق حوض الفرات والجزيرة السورية، ويطرح تساؤلات كبرى حول قدرة رؤوس الأموال الكبرى على تحويل الوفرة الموسمية المؤقتة إلى تنمية مستدامة، وسط ترقب واسع لمعايير الحوكمة وحماية حقوق المزارع المحلي في مواجهة ضخامة الأرقام وطموحات سلاسل القيمة.
هندسة الجغرافيا والمساحات المستأجرة
يمتد المشروع على 2400 كيلومتر مربع؛ أي ما يعادل 240 ألف هكتار، أو نحو 2.4 مليون دونم، وهي مساحة تشكل 1.3% من إجمالي مساحة سوريا البالغة نحو 185 ألف كيلومتر مربع، وتمثل ما يقارب خمسة بالمئة من إجمالي الأراضي الصالحة للزراعة في البلاد. ومعظم هذه المساحة يقع في حوض نهر الفرات ضمن محافظتي الرقة ودير الزور، وهي أراضٍ مستأجرة من الحكومة السورية لا مملوكة. وإلى جانب ذلك، اشترت الشركة أرضاً في وسط سوريا لإقامة معمل ألبان، وتدرس استحواذات في المنطقة الساحلية حيث معدلات الهطل المطري الأعلى والتربة الأغنى، كما تعتزم التعاقد مع مزارعين محليين في مختلف المناطق لإنتاج المحاصيل الأساسية لحسابها مقابل تزويدهم بالمستلزمات والمعرفة الفنية لرفع غلّاتهم.
في حديثه مع "المدن" يعتبر الخبير الاقتصادي محمود عبد الكريم أن "الطموح المعلن هو بناء منظومة عمودية متكاملة؛ أي سلسلة إنتاج تبدأ من البذرة في الحقل ولا تنتهي عند بيع المحصول الخام، بل تستمر حتى المنتج النهائي الجاهز للاستهلاك أو التصدير، فالقطن لا يُباع محلوجاً بل يتحول إلى نسيج، والحليب لا يُسلَّم خاماً بل يتحول إلى أجبان وألبان، والقمح والسكر يدخلان في صناعات تحويلية"، مشيراً إلى أن هذا ما يسميه الاقتصاديون التكامل الرأسي أو "سلسلة القيمة"، ومعناه أن كل خطوة إضافية في المعالجة تضيف قيمة اقتصادية جديدة تبقى داخل البلد بدل أن تذهب إلى دولة أخرى تشتري المادة الخام رخيصة وتبيعنا المنتج النهائي غالياً، وهذه بالذات هي العقدة التاريخية للاقتصاد الزراعي السوري.
ويتطرق الخبير إلى الشراكات القائمة، مبيناً أنه في نيسان 2026 وقّعت "بلدنا" اتفاقية استشارية مع مؤسسة التمويل الدولية، ذراع القطاع الخاص في مجموعة البنك الدولي، بهدف تقييم جدوى إعادة بناء وتوسيع سلسلة إنتاج الألبان السورية ودراسة قدرات الحلب والتجميع والنقل والتصنيع وحجم الطلب، وفي أيار 2026 وقّعت "بلدنا" مذكرة تفاهم مع شركة "الظاهرة" الإماراتية، المملوكة مناصفة لصندوق سيادي إماراتي والمتخصّصة في الزراعة واسعة النطاق وإمدادات الأعلاف. موضحاً أنَّ "وجود مؤسسة التمويل الدولية في الصورة يرفع من انضباط الحوكمة ومعايير الشفافية والاستدامة البيئية والاجتماعية ويفتح الباب أمام تمويل مشترك من بنوك التنمية".
ويبيّن عبد الكريم أن أحدث بيانات البنك الدولي تشير إلى أن الزراعة شكّلت 43% من الناتج المحلي الإجمالي السوري عام 2024 مقابل 21% فقط عام 2011. موضحاً أن "هذا الارتفاع لا يعكس إنجازاً زراعياً بل يعود إلى انكماش كل ما حولها من صناعة ونفط وخدمات وسياحة وبناء، لتصبح الزراعة آخر ما تبقى واقفاً في الاقتصاد السوري والمدخل الأكثر منطقية لأي تعافٍ". ويضيف أنه مع تحسن الموسم الحالي وارتفاع تقديرات إنتاج القمح لعام 2026 بين 2.3 و2.5 مليون طن وتجاوز التوريدات للمؤسسة السورية للحبوب 2.5 مليون طن، تقف البلاد على حافة الاكتفاء في محصول واحد، وهو إنجاز هش لأنه معلّق على السماء لا على البنية التحتية.
فرص العمل والاستقرار الاجتماعي في الشرق
كذلك، يرى الخبير الاقتصادي أن مشروعاً بهذا الحجم على 240 ألف هكتار مع مصانع نسيج وألبان وتوضيب وتبريد ونقل يعني آلاف فرص العمل المباشرة، وأضعافها في الأنشطة المرتبطة من ورش الصيانة إلى النقل والخدمات. وستكون هذه الوظائف في الرقة ودير الزور؛ أي في المنطقة التي أُهملت تنموياً على مدى خمسة عقود رغم إنتاجها لمعظم السلع الزراعية والطاقة. ويؤكد أيضاً أن "عودة الاستثمار إلى هذه الجغرافيا هي عامل استقرار اجتماعي يقلص الهجرة الداخلية التي شكلت في السابق أحد الوقود الاجتماعي للانفجار عام 2011".
بالتوازي يشير عبد الكريم إلى مفهوم الزراعة التعاقدية كأهم مفهوم في المشروع، فيقول: "إنها اتفاق مسبق بين الشركة والمزارع على المحصول والكمية والمواصفة والسعر، مع تزويده بالبذار والسماد والإرشاد الفني والتمويل أحياناً لرفع مخاطر السعر عنه". فيما يحذر بشدة من أن هذه المعادلة تنقلب إلى ضدها إذا اختلّ ميزان القوة التفاوضي وصار المشتري وحيداً والمزارع بلا بديل لتحول العقد من شراكة إلى تبعية، وعن العلاج فيشدد أنه يكمن في تنظيم الزراعة التعاقدية عبر عقود نموذجية معتمدة من وزارة الزراعة، وسعر أرضية مضمون، وآلية تحكيم سريعة، ومنع الحصرية التي تغلق السوق أمام المزارع.
دعم المائدة المحلية والمالية العامة
يلفت الخبير إلى أنَّ "المشروع يستهدف الألبان والأجبان محلياً لتوفير سلعة تُستورد اليوم بكلفة عملة صعبة، فكل طن حليب يُنتج محلياً هو طن لا يُستورد بلا كلفة شحن دولي أو رسوم استيراد. كما تعالج مراكز الفرز والتوضيب والتبريد مشكلة الفاقد بعد الحصاد الذي يتراوح في الدول النامية بين 20 و40 بالمئة وعلى مستوى المالية العامة"، ويبيّن أن "الفائدة تتوزع على قنوات تشمل: الاستثمار الأجنبي المباشر الذي لا يزيد رقماً في مديونية الخزينة، والإيرادات المباشرة من بدلات إيجار الأراضي والضرائب اللاحقة، ودعم ميزان المدفوعات وتخفيف الضغط عن سعر صرف الليرة السورية، وأخيراً أثر الإشارة الإيجابي في إعادة تسعير المخاطرة للبلد".
بين الرؤية الرسمية وهواجس الشارع المحلي
في المقابل، يرى مراقبون محليون ومهتمون بالشأن الحقوقي والتنموي تحدثت إليهم "المدن" أنَّ هذا التفاؤل الرسمي والاستثماري الواسع يصطدم بتوجسات مشروعة لدى الأهالي وصغار المزارعين؛ إذ يخشى هؤلاء من أن تؤدي السيطرة على مئات آلاف الهكتارات من أراضي الدولة إلى تهميش النمط الزراعي التقليدي، وتحويل أصحاب الأرض الأصليين تدريجياً إلى عمالة مياومة ضمن شروط قد تفتقر إلى الأمان الوظيفي المستدام. هذا التباين بين لغة الأرقام الرسمية وواقع معيشة المجتمعات المحلية يضع الحكومة أمام مسؤولية مضاعفة لضمان ألا تقتصر عوائد المشروع على الخزينة والكبرى الشركات، بل أن تنعكس أماناً معيشياً حقيقياً لأهالي المنطقة.
"مصنع العرب" وقاعدة التوريد المرن
وفي السياق التنموي الأوسع، تشير دراسة صادرة عن "بوابة الأعمال السورية" إلى أن إمكانية تحول سوريا إلى قاعدة تصنيع وتوريد للأسواق العربية والخليجية لا تتطلب منافسة عمالقة التصنيع الآسيوي، بل ترتكز على نموذج "المورد الإقليمي المرن". وتقترح الدراسة خارطة طريق عملية خلال 24 شهراً تبدأ ببناء شبكة من 100 إلى 150 مورداً مؤهلاً في قطاعات حاسمة كالزراعة والغذاء والنسيج والتغليف ومواد البناء، معتمدة على عقود توريد تجريبية قصيرة الأجل وتمويل مرتبط بالطلب، لتجاوز عقبات التمويل والطاقة وبناء الثقة تدريجياً مع المستهلك الخليجي والعراقي، مما يشكل رافعة موازية للمشاريع الكبرى مثل استثمار "بلدنا".
الأمن الغذائي الحقيقي والتحفظات الخمسة
يؤكد عبد الكريم أنَّ "الأمن الغذائي ليس مرادفاً للإنتاج الوفير بل يُعرّف بأركانه الأربعة: التوافر، والوصول، والاستقرار، والاستخدام". ويضيف ملاحظة نقدية بأنَّ "مشروعاً يزرع القطن والسكر ويصدّر النسيج ليس بالضرورة مشروع أمن غذائي ما لم يلتزم بتوجيه حصة محددة من إنتاجه للسوق المحلية أولاً وبأسعار منضبطة"، ومن منظور المخاطر، يضع الخبير خمسة تحفظات يجب معالجتها وتشمل: أولاً تحديات المياه وتذبذبها بين فيضان وجفاف في حوض الفرات، وثانياً شح الطاقة اللازمة للري والتشغيل والتبريد، وثالثها الحاجة إلى ترميم الجهاز المصرفي، ورابعها ملف الملكية والحيازة الملتبس في الجزيرة السورية، وخامسها الألغام ومخلفات الحرب.
العبرة ليست في رقم 3.3 مليار دولار المُعلن على منصات المعارض، بل في مؤشرات ملموسة تُقاس بحجم الإنفاق الفعلي في السنة الأولى، وعدد الهكتارات التي دخلت الخدمة، وعقود الزراعة التعاقدية المبرمة، ووظائف التأمينات الاجتماعية المسجلة، ومتى يبدأ تشغيل معمل الألبان وسط البلاد، وانخفاض سعر كيلو الجبنة المحلية. ويدعو خبراء الحكومة السورية إلى ثلاثة أمور محددة: نشر شروط عقود التأجير بشفافية تامة، وضع إطار تنظيمي ملزم للزراعة التعاقدية، وربط الإعفاءات الضريبية بمؤشرات أداء قابلة للقياس في التوظيف وكفاءة استخدام المياه وحصة السوق المحلية.
رهام علي - المدن