الطاقة الشمسية في لبنان... كيف يُنظَّم القطاع من دون أن يدفع المواطن الثمن؟

الطاقة الشمسية في لبنان... كيف يُنظَّم القطاع من دون أن يدفع المواطن الثمن؟ -- Sep 18 , 2026 77

لم يعد تركيب ألواح الطاقة الشمسية في لبنان ظاهرة مرتبطة بالأزمة الكهربائية فحسب، بل تحوّل خلال السنوات الماضية إلى قطاع اقتصادي قائم بذاته، دخلت إليه آلاف الأسر والمؤسسات والشركات، وأصبح جزءاً أساسياً من منظومة تأمين الكهرباء في ظل كلفة المولدات الخاصة وعدم استقرار التغذية من مؤسسة كهرباء لبنان.

ومن هنا، فإن التراجع عن فرض الشروط التي أثارت اعتراضات واسعة على تركيب أنظمة الطاقة الشمسية لا يعني انتهاء الحاجة إلى التنظيم، بل يعيد طرح السؤال الأهم: كيف يمكن للدولة أن تنظّم هذا القطاع المتنامي من دون أن تعاقب المواطن الذي لجأ إلى الطاقة الشمسية أصلاً بسبب عجز الدولة عن تأمين الكهرباء؟

فالقطاع يحتاج بالفعل إلى قواعد واضحة، ليس فقط من الناحية الإدارية، وإنما أيضاً لناحية السلامة الكهربائية والإنشائية، جودة المعدات، كفاءة التركيب، حماية الشبكة العامة، مسؤولية الشركات، ومعالجة البطاريات والنفايات الناتجة عن الأنظمة الشمسية. لكن التنظيم الفعّال لا يفترض بالضرورة أن يعني معاملات إضافية ورسوم تراكمية وموافقات متعددة.

تنظيم ذكي بدل البيروقراطية

الخطوة الأولى يمكن أن تكون عبر اعتماد نظام تسجيل إلكتروني مبسّط للأنظمة الشمسية، بدلاً من إخضاع كل مواطن لمسار إداري طويل. ويُفترض أن يكتفي صاحب النظام بتسجيل بيانات أساسية: قدرة النظام، موقع التركيب، اسم الشركة المنفذة، نوع العاكس والبطاريات، وشهادة السلامة.

وبهذه الطريقة تحصل الدولة على قاعدة بيانات حقيقية عن حجم الطاقة الشمسية المنتشرة في لبنان، من دون أن تتحول عملية التسجيل إلى كلفة إضافية على المواطن.

أما الأنظمة الصغيرة المخصصة للاستهلاك المنزلي، فيمكن إخضاعها إلى إشعار أو تسجيل مبسّط، بينما تُفرض متطلبات فنية أكثر دقة كلما ارتفعت القدرة الإنتاجية أو أصبح النظام متصلاً بالشبكة العامة أو قادراً على ضخ كميات كبيرة من الكهرباء إليها.

وهنا يمكن اعتماد مبدأ واضح: كلما ارتفعت القدرة والمخاطر، ارتفع مستوى الرقابة؛ وليس العكس.

وبالتالي، فان أي تنظيم جديد يجب أن ينطلق من حماية المستهلك. فالسوق شهد توسعاً سريعاً في تركيب الأنظمة الشمسية، ما يجعل الحاجة ملحة إلى وضع معايير موحدة للشركات والمعدات.

والدولة تستطيع، من دون تحميل المواطن كلفة كبيرة، إنشاء سجل للشركات والفنيين المعتمدين، ووضع حد أدنى للمواصفات الفنية، مع إلزام الشركات بتقديم ضمانات واضحة على الألواح والعاكسات والبطاريات وأعمال التركيب.

وبذلك يصبح المواطن قادراً على التمييز بين شركة ملتزمة بالمواصفات وشركة تعمل بطريقة عشوائية، فيما تتحمل الشركة مسؤولية أي خلل ناجم عن سوء التركيب.

في المقابل، لا يجب ان يكون هدف تنظيم القطاع تحصيل رسوم من أصحاب الألواح، بل تحويل الطاقة الشمسية إلى مورد اقتصادي يمكن للدولة الاستفادة منه.

فبدلاً من فرض رسم على كل نظام، تستطيع الدولة الاستفادة من القطاع عبر توسيع قاعدة الاستثمار، تنظيم الاستيراد والمواصفات، مكافحة المعدات غير المطابقة، وتشجيع الصناعة والخدمات المرتبطة بالطاقة المتجددة.

كما أن انتشار الطاقة الشمسية يخفف الطلب على الكهرباء التقليدية، وبالتالي يمكن أن يصبح جزءاً من خطة أوسع لتخفيف الضغط عن مؤسسة كهرباء لبنان، شرط أن تكون العلاقة بين المنتجين الصغار والشبكة العامة واضحة ومنظمة.

وهذا يتقاطع مع قانون الطاقة المتجددة اللامركزية رقم 318/2023، الذي وضع أساساً قانونياً لإنتاج الطاقة المتجددة الموزعة، بما في ذلك صافي القياس وأشكال من التبادل المباشر للطاقة بين المنتجين والمستهلكين. 

من "صاحب ألواح" إلى "منتج كهرباء"

التحدي الأكبر أمام الدولة ليس فقط تنظيم تركيب الألواح، بل الانتقال إلى المرحلة التالية: تنظيم المواطن أو المؤسسة التي تنتج الكهرباء.

فإذا كان المنزل ينتج كهرباء أكثر مما يستهلكه في بعض ساعات النهار، فماذا يفعل بالفائض؟ وهل يمكن ضخه إلى الشبكة؟ وكيف يُحتسب؟ ومن يحدد سعره؟ ومن يتحمل كلفة استخدام الشبكة؟

هذه الأسئلة أصبحت أكثر إلحاحاً مع قانون 318، الذي فتح الباب أمام نماذج متعددة لصافي القياس، بما فيها القياس الفردي والجماعي وبعض أشكال التداول بين المنتجين والمستهلكين. 

وهنا تصبح هيئة تنظيم الكهرباء طرفاً أساسياً في وضع قواعد واضحة ومستقرة، خصوصاً أن الملف أُحيل إليها بعد التراجع عن القرار الأخير المتعلق بتنظيم تركيب الأنظمة الأقل من 1.5 ميغاواط. 

السلامة أولاً... ولكن من دون "فاتورة تنظيم"

لا يعني تخفيف الإجراءات ترك القطاع من دون رقابة. على العكس، هناك ملفات لا يمكن التساهل فيها، أبرزها الأحمال على أسطح الأبنية، تثبيت الهياكل، التمديدات الكهربائية، الحماية من الحرائق، جودة البطاريات، وأنظمة الفصل والحماية عند ربط الإنتاج بالشبكة.

ويمكن للدولة معالجة ذلك من خلال"كود" فني موحد يلتزم به جميع العاملين في القطاع، بدلاً من تعدد الموافقات والجهات.

فالمطلوب أن يكون السؤال: هل النظام مطابق للمواصفات وآمن؟ وليس: كم معاملة يحتاج المواطن وكم سيدفع لإنجازها؟

والمرحلة المقبلة: البطاريات والنفايات الإلكترونية

هناك ملف آخر قد يصبح مشكلة كبيرة خلال السنوات المقبلة، وهو البطاريات والألواح التي تصل إلى نهاية عمرها التشغيلي.

فإذا كانت الدولة تريد بناء قطاع مستدام، عليها منذ الآن وضع آلية لإلزام الشركات والمستوردين بالمساهمة في استرجاع البطاريات والمعدات التالفة وإعادة تدويرها أو التخلص منها وفق معايير بيئية.

وهذا النوع من التنظيم لا يحتاج بالضرورة إلى تحميل المواطن رسوماً جديدة؛ يمكن إدخاله ضمن مسؤولية المنتج أو المستورد.

المطلوب: "تنظيم خفيف" لا "دولة ثقيلة"

لبنان أمام فرصة لتحويل الانتشار الكبير للطاقة الشمسية من ظاهرة فرضتها الأزمة إلى جزء من إصلاح قطاع الكهرباء.

والصيغة الأكثر واقعية قد تقوم على أربع قواعد: تسجيل إلكتروني مجاني أو منخفض الكلفة، معايير تقنية موحدة، اعتماد الشركات والفنيين، ونظام واضح لصافي القياس وضخ الفائض إلى الشبكة.

بهذا النموذج، تحصل الدولة على البيانات والرقابة والسلامة، ويحصل المواطن على حماية قانونية وفنية، ويحصل المستثمر على سوق أكثر وضوحاً، فيما تستفيد شبكة الكهرباء من آلاف المنتجين الصغار بدلاً من اعتبارهم عبئاً جديداً.

فالتحدي الحقيقي لم يعد في إقناع اللبناني بالطاقة الشمسية؛ اللبناني سبق الدولة إلى ذلك. والتحدي الآن هو أن تلحق الدولة بهذا الواقع، فتضع له قواعد تحمي المواطن وتنظم السوق وتخدم قطاع الكهرباء، من دون أن تتحول الشمس نفسها إلى مصدر جديد للرسوم والمعاملات.
 

 

أقرأ أيضاَ

اللقاء الوطني للعاملين في القطاع العام رفض طرح الـ6 رواتب

أقرأ أيضاَ

توسعة محطة الحاويات في مرفأ بيروت لإعادة تثبيت موقعه بين مرافىء الشرق الأوسط