بالأرقام...بين الغلاء والبطالة المواطن يدفع الثمن -- Oct 01 , 2026 300
كل شهر، يعيد المواطن حساباته من جديد: كم يكلّفه المولّد الكهربائي هذا الشهر؟ هل يستطيع تجديد إيجار منزله؟ ماذا عن البنزين والماء والدواء الشهري؟ هل تكفيه سلته الغذائية حتى نهاية الشهر؟ ماذا لو أصابه مكروه صحي؟ هل يبحث عن عمل ثانٍ وثالث؟ وماذا عن تكاليف المدرسة والجامعة؟ كيف يعيل عائلته؟ أسئلة باتت روتيناً يومياً في بلد ترتفع فيه تكلفة المعيشة بمعدلات تفوق قدرة الدخل على المواكبة. وتشير أحدث التقديرات الاقتصادية والدراسات الميدانية لعام 2026 إلى أن نسبة البطالة في لبنان لامست الـ 35%.
كما تتراوح نسبة الفقر النقدي في لبنان حول 44% من السكان وفقاً لآخر البيانات الرسمية الصادرة عن البنك الدولي. أما إذا جرى احتساب الفقر المتعدد الأبعاد، الذي يشمل الحرمان من الخدمات الأساسية كالطبابة، والتعليم، والكهرباء، والمياه، والسكن إلى جانب الدخل، فإن النسبة ترتفع لتطال قرابة 80% من العائلات في البلاد.
نفقات أساسية تستنزف مداخيل المواطنين
وبلغة الأرقام، يفند الباحث في الدولية للمعلومات، محمد شمس الدين عبر "لبنان٢٤" كلفة معيشة الأسرة، معتبراً أن الحد الأدنى المطلوب اليوم لمعيشة أسرة مؤلفة من أربعة أفراد تعيش حياة متقشفة هو 1260 دولاراً، بعدما كان 900 دولار في بداية العام؛ أي إن تكلفة المعيشة ارتفعت بنسبة 40%.
ويعود هذا الأمر إلى أسباب عدة، أولها الحرب التي أدت إلى ارتفاع إيجارات المساكن، ففي حين كان بالإمكان سابقاً العثور على مسكن متواضع بـ 250 أو 300 دولار، لم يعد يتوفر اليوم أي مسكن بأقل من 350 أو 400 دولار. كما ارتفعت تكلفة السلة الغذائية والاستهلاكية لتصل إلى 350 دولاراً.
بالإضافة إلى ذلك، ارتفعت أسعار المحروقات؛ فبعدما كانت تكلفة استهلاك ثلاث صفيحات من البنزين تبدأ من 45 دولاراً وتصل إلى 90 دولاراً، أصبحت تكلفة الصفيحات الثلاث اليوم 95 دولاراً.
وكذلك الحال بالنسبة للكهرباء؛ فمن كان مشتركاً بالمولّد بقدرة 5 أمبير ويستهلك 300 كيلوواط شهرياً كانت تكلفته 100 دولار، أما اليوم ومع انقطاع كهرباء الدولة، فقد أصبح مضطراً لاستهلاك 500 كيلوواط من المولد، كما ارتفعت سعر الكيلوواط من 28 ألفاً إلى 48 ألفاً؛ أي إن من كان يدفع 100 دولار في بداية السنة أصلح يدفع الآن 270 دولاراً.
كل هذه العوامل أدت إلى وصول تكلفة المعيشة إلى 1260 دولاراً. ويقول إننا نعلم اليوم أن 70% من الموظفين في لبنان يتراوح دخلهم بين 400 و800 دولار، وهناك 10% يقل دخلهم عن 400 دولار؛ أي يمكن القول إن 80% من الموظفين لا يؤمن لهم دخلهم الاحتياجات الأساسية لحياة كريمة ومستقرة."
انكماش اقتصادي... تسريح وإغلاقات متوقعة
وعن تداعيات هذا الواقع على الحركة الاقتصادية والشرائية في البلاد، يُحذّر شمس الدين من دوامة انكماش حادّة، قائلاً: "من الطبيعي اليوم عندما ترتفع الأسعار وتبقى المداخيل على حالها، أن يحدث لدينا انكماش وركود اقتصادي؛ حيث تتأثر الكماليات كافة، بل حتى الأمور العادية كالأطعمة ستتأثر، وكذلك البنزين، فقد بدأنا نلاحظ تراجعاً في الاستهلاك لأن الناس أخذت تقتطع وتختصر من كل شيء. وهذا الأمر عندما يؤدي إلى انكماش اقتصادي، فإنه يتسبب في تسريح العمال أو إغلاق المؤسسات، وبالتالي ندخل في دوامة البطالة. ويضيف أن هناك الكثير من القطاعات السياحية والمطاعم الصغيرة والفنادق التي كانت تعتمد على
موسم الصيف، لكن هذا الموسم لم يحقق الغاية المرجوة منه. كما توقّع في المرحلة المقبلة، تقليصاً في أعداد العمال وإغلاقاً لبعض المؤسسات السياحية والمطاعم وغيرها، واصفا الواقع ب"الكارثي"؛ لأن نسبة البطالة ترتفع ومعها ترتفع نسبة الفقر."
التعافي رهن الاستقرار السياسي
وفي قراءة لمعضلة تصحيح الأجور وشروط التعافي الاقتصادي، يؤكد الخبير الاقتصادي الدكتور لويس حبيقة عبر "لبنان٢٤" حتمية تصحيح الأجور لمواجهة موجة الغلاء، ولاسيما مع التضخم الذي سجل بين تموز 2025 وتموز 2026 نسبة تتراوح بين 15% و16%، مما يستوجب زيادة الأجور بالنسبة نفسها لمواكبة ارتفاع الأسعار. لكن حبيقة يشدد على ان الدولة غير قادرة على تطبيق اي زيادة، والقطاع الخاص يعاني ويشتكي بالفعل. كما يوضح أن أي زيادة إجبارية متضخمة في الأجور ستؤدي حتماً إلى تضخم أكبر يلتهم تلك الزيادات، وكأن شيئاً لم يكن.
وفي ما يتعلق بتأثير انكماش القدرة الشرائية، يحذر حبيقة من الانعكاسات السلبية لعجز المواطنين عن الإنفاق، حيث يتسبب ذلك في تراجع النمو الاقتصادي، وضياع الأسواق أمام الشركات المنتجة. ويشير إلى أن هذا التراجع يدخل البلاد في حلقة مفرغة تفاقم الفقر وتدهور الأوضاع الاجتماعية وربما الأمنية، لينسحب الجمود على القطاعات كافة، من مطاعم ومحال تجارية ومستشفيات تعجز عن الاستمرار من دون تقاضي مستحقاتها.
وعن السياسات المالية والخطط الكفيلة بإعادة التوازن، يجزم حبيقة بعدم وجود حلول سحرية أو ترقيعية، موضحاً أن الحل الحقيقي يكمن في تحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي والإداري، ليتمكن القطاع الخاص من إعادة إطلاق العجلة الاقتصادية وتوفير فرص العمل وتحسين الأجور تدريجياً. ويرى أن الوضع الحالي في لبنان لا يبشر بالخير في ظل التصعيد الميداني المستمر والأزمات المعيشية والاجتماعية، مما يستدعي استتباب الأوضاع السياسية والأمنية بالتوازي مع باقي الملفات لتحقيق التعافي المطلوب.
صحيح أن هذا التقرير استعرض بالأرقام كلفة المعيشة في لبنان اليوم، إلا أن الأرقام تبقى متحركة وعرضة للتغيّر من لحظة إلى أخرى، في بلد ترتفع فيه اسعار كل شيء تقريباً: السكن، والطبابة، والمحروقات، والتعليم، والغذاء، فيما يبقى الإنسان، الحلقة الأرخص في معادلة الغلاء الشاملة. تبقى معالجة هذا الواقع مرتبطة بسياسات اقتصادية واجتماعية وضريبية قادرة على تخفيف الأعباء عن المواطنين، قبل أن يتحوّل السؤال من "كم تكلّف الحياة في لبنان؟" إلى "هل ما زالت الحياة فيه ممكنة أصلاً؟".
المصدر: خاص "لبنان24"