محطة تغويز واحدة بدل ثلاث: هل "تضبط" قطر مصالح الطوائف؟ -- Oct 22 , 2026 26
عاد إلى الواجهة الحديث عن الغاز كمفتاح أساسي لحلّ معضلة الكهرباء. وأبعد من ذلك، أبدت دولة قطر رغبتها في توسيع نطاق استثماراتها المتعلّقة بالطاقة في لبنان، عن طريق توريد الغاز الطبيعي المسال، باتفاقية قد تمتد لـِ 20 عاماً، فضلاً عن الاستثمار في توليد الكهرباء عبر الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، إلى جانب بناء معملين لإنتاج الكهرباء. وبالتوازي مع المسعى القطري، وافقت الحكومة اللبنانية، مطلع الشهر الجاري على مشروع إنشاء محطّة تغويز FSRU في منطقة دير عمار. وعبر المحطّة، ستتم إعادة الغاز السائل المضغوط إلى حالته الغازية، ثم ضخّه نحو معمل إنتاج الكهرباء في دير عمار.
هذه السيناريوهات لا زالت في مرحلة البحث. لكن اللافت للنظر أنّ القوى السياسية اللبنانية لم تتصادم في ما بينها، بعد، لإنشاء أكثر من محطة تغويز تراعي مصالح الطوائف، كما طُرِحَ سابقاً. وعليه، هل يكون المسعى القطري بمثابة عملية "ضبط" لمصالح الطوائف، أم أنّ العراقيل ستظهر لاحقاً؟
محطة واحدة تكفي
يعيد طرح بناء محطة للتغويز التذكير بأنّ الفكرة ليست مستجدّة بل طُرِحَت لسنوات، وأكثر من مرة. وفي ورقة سياسة قطاع الكهرباء التي أقرّتها وزارة الطاقة في العام 2010، تم لحظ "الانتقال من استخدام الفيول والديزل إلى الغاز الطبيعي لتخفيض كلفة الإنتاج والحدّ من الهدر المالي والبيئي".
الترجمة العملية لهذا الانتقال برزت في العام 2013 مع إطلاق مناقصة لاستقدام محطة تغويز إلى منطقة البداوي؛ أي لمعمل إنتاج الكهرباء في دير عمار. لكنها بقيت قيد المماطلة حتى ألغيت في العام 2016 لأسباب سياسية. وبعد نحو سنتين، أعيد إطلاقها مرة أخرى، لكن لاستقدام 3 محطات، الأولى في البداوي والثانية في سلعاتا والثالثة جنوباً في الزهراني. على أنّ محطة سلعاتا ترافقت مع مسعى لبناء معمل للكهرباء هناك. ويعكس هذا التوزيع مصالح القوى السياسية – الطائفية. لكنّ تسارع الأحداث السياسية والاقتصادية والأمنية في لبنان والمنطقة والعالم طوى صفحة محطات الغاز، إلى أن عادت إلى الواجهة مع الارتفاع الجنوني لأسعار النفط والتي زادت الضغط على مؤسسة كهرباء لبنان لناحية عدم قدرتها على شراء الفيول لزيادة إنتاج الكهرباء.
حتى اللحظة، يدور الحديث عن إنشاء محطة تغويز واحدة. ولا تزال تفاصيل المشروع مبهمة، وتحديداً لناحية شراء المحطة أو استئجارها. وكذلك تأمين التمويل، فضلاً عن البنية التحتية المطلوبة لتوزيع الغاز منها إلى مختلف المعامل، وخصوصاً باتجاه الجنوب نحو معمل الزهراني. وفي السياق، تقول مصادر متابعة للملف، إنّ "التفاصيل غير واضحة بعد. لكن في جميع الأحوال، لبنان ليس بحاجة لأكثر من محطة واحدة". وتشير المصادر في حديث لـِ "المدن" إلى أنّ "القوى السياسية فوّتت على لبنان فرصة الاستفادة من إنتاج الكهرباء على الغاز، عندما كانت الأوضاع السياسية والأمنية أفضل. فالاختلاف على عدد المحطات المطلوبة ومواقعها، كان سياسياً وطائفياً بامتياز، ولم يكن بهدف تأمين خدمة أفضل للناس".
ومع بروز مساعٍ جدية من دولة قطر للمساعدة في ملفّ الغاز والكهرباء، تقول المصادر إنّ "على القوى السياسية في لبنان تلقّف المبادرة القطرية والابتعاد عن السجالات السياسية لمصلحة تأمين الكهرباء، ما ينعكس إيجاباً على الناس والاقتصاد". وبما أنّ قطر تعتزم توقيع اتفاقية مع لبنان لتوريد الغاز لمدة 20 عاماً، فسيشكّل ذلك، بحسب المصادر، "فرصة لتأمين استمرار ضخ الغاز لمعامل الكهرباء لفترة طويلة. وهذا بدوره يشكّل استقراراً في تأمين مصدر أساسي للطاقة، على عكس القلق المرافق لتأمين الفيول".
وتؤيّد المصادر اعتماد منطقة دير عمار كموقع لمحطة التغويز، لأكثر من سبب، أهمّها "وجود معمل دير عمار المجهّز للعمل على الغاز قرب المعمل من خط الغاز العربي الآتي من سوريا، صعوبة وضع المحطة في الزهراني بسبب المخاوف الأمنية، وعدم حاجة لبنان لأكثر من محطة، فيما لو فكّرت بعض القوى السياسية استغلال الأوضاع في الجنوب لطرح مكان ثالث".
اقتناع أم تأجيل للصراع؟
يبحث لبنان إمكان جذب الاستثمارات لتمويل إنشاء محطة التغويز، تحت مظلّة مؤسسة التمويل الدولية IFC التي تعمل مع الحكومة كطرف استشاري في المشروع، ما يعني أنّ التمويل غير مؤمَّن بعد. كما أنّ الحراك القطري في هذا الملفّ لم يتضمَّن تمويل المشروع. بل تدور المساعي القطرية بشكل مباشر حول تأمين الكهرباء. فما جرى الحديث عنه، هو بناء معملين جديدين لإنتاج الكهرباء، في دير عمار والزهراني، وكذلك بناء محطات لتوليد الكهرباء على الطاقة الشمسية، فضلاً عن مشروع تحديث البنية التحتية للكهرباء. أمّا السياق الوحيد المعلن حول ملفّ الغاز فهو توريد الغاز بموجب عقد قد يمتد إلى 20 عاماً.
لكن مع ذلك، تبقى الاحتمالات مفتوحة لناحية إمكان قيام قطر بتمويل مشروع المحطة، أو إتيانها بواحدة، ضمن صيغة يتم الاتفاق عليها مع لبنان، بعد تأمين الشروط والضمانات المطلوبة. وتقول المصادر إنّ "قطر تتعامل مع ملفّ الكهرباء في لبنان من زاوية إنسانية بحتة. ولذلك ستقوم بتسهيل عملية وصول الغاز وتشغيل المعامل وتحسين ساعات التغذية، لأنّ نحو 40 بالمئة من القدرة المالية للناس تذهب إلى فواتير الكهرباء، وتحسين الإنتاج عبر المعامل يحسّن القدرة الشرائية للناس، فيتّجهون نحو استهلاك سلع وخدمات أخرى، ويساعد ذلك في تحريك الدورة الاقتصادية".
وترى المصادر أنّ القوى السياسية التي تصارعت سابقاً حول معامل الكهرباء ومحطات التغويز "محرجة اليوم أمام المسعى القطري". لكن تتخوّف المصادر من "إمكان بروز الصراع مجدداً، بطريقة أو بأخرى، لأن القوى السياسية اعتادت هذا الصراع". وتأمل المصادر أن يكون الدور القطري بمثابة "ضابط لمصالح القوى السياسية"، لأنّ لبنان بأمسّ الحاجة إلى هذا الدور في الظروف الراهنة، إذ إنّ "لا أحد من المستثمرين سيرمي أمواله في لبنان وسط هذه الظروف. وقطر تستثمر في ملف الكهرباء بدافع المساعدة". وأبعد من ذلك، ترجّح المصادر أنّ قطر "تأخذ بالاعتبار إمكان تصعيد الوضع الأمني في الجنوب، فيضغط ذلك على الاقتصاد في ظل غياب الكهرباء. ولذلك، تسعى إلى تحسين واقع الكهرباء لتخفيف الضغط عن الاقتصاد عموماً، وهو ما يدفع القوى السياسية إلى عدم عرقلة مشروع محطة التغويز، وإلى الاقتناع بضرورة تسهيل الحلول، وإشاعة جوّ الطمأنينة لتسلك المشاريع القطرية طريقها نحو التنفيذ".
هي محطة تغويز واحدة يتم البحث في كيفية تثبيتها في لبنان، لضمان ضخ الغاز المسال إلى معامل الكهرباء. وستلعب قطر دور الضامن لانتظام توريد الغاز للمعامل. على أنّ تبنّي قطر تمويل مشروع المحطة المنتظرة غير محسوم حتى الآن، وكذلك احتمال ابتداع الحاجة لمحطات أخرى، تلبية للضرورات السياسية الطائفية.
خضر حسان - المدن