تراجع قطاع المشاتل جنوبًا: حرب تجمّد السوق وتهدّد ركيزة زراعية واعدة -- Nov 28 , 2025 37
دفع الوضع الأمني جنوبًا قطاع "المشاتل" إلى التراجع بنسبة 20 إلى 30 في المئة، وهو تراجع لم يشهده طيلة السنوات الماضية، فالقطاع الذي كان قد شهد إقبالًا غير مسبوق قبل الحرب، بحثًا عن شتول الزينة والأزهار والأشجار الاستوائية الحديثة، أقصته الحرب مثل باقي القطاعات، وأدخلت الجمود عليه.
تعد بلدة عبا الأكبر جنوبًا من حيث المساحة التي تفترشها المشاتل، فهي تجاوزت الـ 2000 دونم تقريبًا، وتحولت إلى أكبر سوق زراعي لبيع الشتول والنُصُب ومقصد الناس من كل لبنان.
وأُمّ المشاتل كما يُطلق عليها، باتت مقصد الباحثين عن "الحياة الزراعية الحديثة"، في وقت يبحث تجار هذا السوق من أصحاب المشاتل التي تمتد على مدّ العين والنظر، عن "حلحلة" لهذا الواقع الذي لم يعتادوه سابقًا، فهم وسّعوا مشاتلهم بعد ارتفاع الطلب على الأشجار، ومن كان يملك 800 متر حوّله مشتلًا، بات يملك 15 دونمًا وربما أكثر.
في سوق المشاتل، تتعرّف على عالم جديد من الحياة، على أشجار وأزهار من كل الأنواع، على مزارع يمضي نهاره بين تلك النُصُب يعتني بها ويربّيها ليبيعها، فهي مهنة مربحة وممتعة في آن، يقول قاسم معلم أحد أقدم المزراعين في هذا السوق، تجاوز عمره الـ 75 عامًا وما زال مواظبًا على مهنته التي تمدّه "بالحياة والقوة والنشاط".
أمضى معلم حياته بين هذه الأشجار، كان يملك دونمًا واحدًا، اليوم بات يملك أكثر من 15 دونمًا تفترشها الأشجار من مختلف الأصناف، غير أن الحرب دفعته ليُقلّص المساحة قليلًا: "سوق الشتول يشهد حالًا من الجمود والتراجع بشكل كبير، ترك الوضع الأمني انعكاسه على هذا القطاع الذي يعدّ من الكماليات، الناس تبحث اليوم عن الاستقرار على كل المستويات".
عادة ما تكون المشاتل مكتظة بالباحثين عن نُصُب جيدة وبنوعية جيدة، من عكار وعاليه وبكاسين وبيروت وغيرها، اليوم تكاد تكون الحركة خجولة، يقول معلم الذي يعوّل كثيرًا على انفراجات قريبة. بحسبه هذا السوق توسّع بفعل أهميته، بات الأول جنوبًا والرابع في لبنان، يشتهر بكل أنواع النُصُب المستوردة والمحلية، غير أنه يقول: "أنا أنتج نُصُبي وهذا يوفر الكلفة ويزيد نسبة الأرباح، المستورَد قد يموت ويلحق الخسارة بصاحبه".
كيفما تجولت في هذا السوق الواسع لا تجد سوى المزارعين والعمال داخل تلك المشاتل. معظم عمال المشاتل هم من السودانيين الضالعين في عالم الشتول، يتم الاعتماد عليهم بشكل لافت، في تقليم الأشجار وزراعة البذار وغيرها، كما تجد كبار السن الذين يعملون بأنفسهم لحماية محاصيلهم.
أمام مشتله يجلس أبو علي ترحيني يراقب حركة السوق، خسر جزءًا من مشتله بسبب الحرب، وما زال ينتظر التعويض، غير أنه لم يتوقف عن تطوير مشتله الذي أدخل عليه شتول الموز والشوكولا والمانغا والغوافا وغيرها. هذه الشتول حديثة، فالمشاتل سابقًا كانت تعتمد فقط على شتول الحمضيات والتين والزيتون. اليوم، بحسب ترحيني، "التطور والحداثة لعبا دورًا في نهضة المشاتل وتوسعها، فكل سيدة تريد أن تحول منزلها إلى حديقة، عكس أيام زمان كانت السيدات ينهمكن في زراعة الدخان والخضار، وهذا طبعًا ترك انعكاسه الإيجابي على المهنة التي تنافس بقوة في السوق الزراعي".
ابتسامته العفوية تخبرك عن حجم التعب الذي يواجهه المزارع، ومع ذلك يقول: "عندما ترجع الحركة السوق إلى سابق عهدها نرتاح أكثر، الحرب شلّت السوق، الناس همّها توفير مقومات الحياة أكثر من اهتمامها بزينة المنزل، وبظل هذه الظروف تغيّرت اهتمامات الناس، وهذا دفع لتراجع العمل إلى نحو الثلث تقريبًا، وهي نسبة كبيرة".
من الزراعة بتنكة الحليب والبرميل إلى الزراعة في العبوات البلاستيكية، ومن أشجار التين والزيتون إلى أشجار المانغا والأفوكا، هي مرحلة التطور الكبيرة التي شهدها سوق عبا للمشاتل كما باقي المشاتل جنوبًا، التي تتفاوت فيها الأسعار بين شتلة وأخرى، والتي يقول عنها ترحيني: "إنها أسعار مجهولة بالنظر إلى نوعية كل شتلة".
ويبدأ سعر الشتلة من 5 دولارات ويصل إلى 60 دولارًا حسب حجم ونوعية الشتلة وإن كانت محلية أو مستوردة.
يفضل كثير من المزارعين إنتاج نُصُبهم بأنفسهم لما يعكسه هذا الأمر من ربحية على عملهم، في حين لا يزال تصريف الإنتاج ضمن السوق المحلي ولم يتوسع نحو التصدير، رغم أن إنتاج النُصُب المحلية جنوبًا يعدّ الأجود، بحسب ما يقول معلم الذي وظف خبرته في الهندسة الزراعية في خدمة المهنة الأحب إلى قلبه، والذي يصفها بأنها مهنة "الحياة والراحة النفسية".
لا إحصائية دقيقة حول حجم الخسائر التي لحقت بهذا القطاع، غير أنها كبيرة كما يشير أصحاب تلك المشاتل التي تُركت لوحدها دون أي مؤازرة أو دعم، ولا تلتفت وزارة الزراعة إليهم أو تدعمهم في فتح أسواق خارجية لهم، فهذا القطاع يشكل العمود الاقتصادي لكثير من العائلات كما أنه متوقع أن يشكل قوة اقتصادية جديدة للبنان إن توسّع نحو الخارج.
بالمحصلة يواجه هؤلاء الواقع وحدهم، فهم بين مطرقة الحرب التي تهدد أعمالهم وسندان غياب الدعم الحكومي، وبين الأنين يواصلون رحلة توسيع هذا السوق الأهم في لبنان.
رمال جوني - نداء الوطن