الزراعة في لبنان ... هل من خطر مستقلبي؟ -- Feb 06 , 2026 19
في لبنان، حيث لطالما شكّلت الأمطار والثلوج عنصرًا أساسيًا في الأمن المائي والزراعي، لم يعد المشهد كما كان. فالتقلّبات المناخية باتت أكثر حدّة: فترات جفاف طويلة تتبعها عواصف قصيرة وعنيفة، أمطار غزيرة في وقت قياسي، ورياح قوية. هذا الواقع المناخي الجديد يضع البلاد أمام معادلة جديدة، خصوصًا في ظل هشاشة البنى التحتية الزراعية وغياب سياسات حماية فعّالة.
وتجلّى هذا المشهد بوضوح مع تعرّض لبنان لمنخفضات جوية متتالية بفارق أيام قليلة، حملت أمطارًا غزيرة ورياحًا قوية، وأدّت إلى أضرار واسعة في المزروعات، ولا سيما بساتين الحمضيات والموز والخيم البلاستيكية، إضافة إلى خسائر في الممتلكات العامة والبنى الموقتة، ومخاطر مباشرة على السلامة العامة في عدد من المناطق. وبينما لا يزال المزارعون يرممون خسائر العاصفة الأولى، جاءت الثانية لتزيد "الطين بلّة"، وتُعيد طرح السؤال القديم - الجديد: من يحمي القطاع الزراعي في مواجهة هذا التغيّر المناخي؟ وهنا يكمن جوهر القضية.
هاني يفند أضرار العواصف
يوضح وزير الزراعة نزار هاني في حديث لـ "نداء الوطن" أن الدولة غير قادرة حاليًا على تغطية الأضرار بشكل مباشر، في ظل محدودية الموارد المالية، مشيرًا إلى أن حادثة تضرّر بساتين الحمضيات في عكار لا تزال من الملفات العالقة ولم تُحلّ بشكل كامل حتى الآن.
ويشرح هاني أن الوزارة ركّزت في المرحلة الراهنة على تنظيم العلاقة مع الجهات المانحة لضمان سرعة التدخل وفعاليته، لافتًا إلى أنه جرى إنشاء منصّة إلكترونية موحّدة تتيح تحديد المناطق المستفيدة، والفئات المستهدفة، بما يؤمّن شفافية أكبر في توزيع المساعدات.
وبحسب هاني، أُطلق على هذا النظام اسم "شبكة الشركاء الزراعيين في لبنان"، وتضمّ حاليًا نحو 43 مشروعًا زراعيًا، تتراوح قيمتها الإجمالية بين 120 و130 مليون دولار. ويؤكد أن آلية العمل تقوم على إجراء مسح ميداني سريع للأضرار لتحديد الخسائر بدقة، لا سيما في الخيم الزراعية والمزروعات، قبل رفع النتائج إلى الجهات المانحة لتوجيه الدعم مباشرة إلى المزارعين المتضرّرين.
وفي هذا السياق، يشير هاني إلى أن الوزارة نسّقت مع جهات مانحة قطرية، من بينها "قطر فاونديشن"، إضافة إلى شركات ومؤسسات أخرى مهتمّة بدعم القطاع الزراعي، حيث جرى ربط هذه الجهات بالمراكز الزراعية المحلية، ولا سيما في عكار، مع تزويدها بكامل المعطيات التقنية حول حجم الأضرار، بما يضمن وصول المساعدات بشكل أسرع وأكثر كفاءة.
أما في ما يتعلّق بالمناطق الأخرى، فيلفت إلى أن أبرز الأضرار سُجّلت نتيجة فيضان النهر الكبير الجنوبي، حيث لحقت خسائر جزئية ببعض الخيم الزراعية ونفوق عدد محدود من رؤوس الماشية، من دون تسجيل أضرار كارثية. كما أدّت الرياح القوية التي ضربت البلاد لاحقًا إلى تطاير بعض الأغطية البلاستيكية للخيم الزراعية، إلا أن حجم الضرر بقي محدودًا جدًا مقارنةً بالكوارث الطبيعية الكبرى.
ويكشف وزير الزراعة عن تطوير سجلّ وطني شامل للمزارعين، يضمّ اليوم نحو 75 ألف مزارع، تُسجَّل فيه كل الأنشطة الزراعية، من تدريبات ودعم ومشاريع، موضحًا أن كل مزارع بات يمتلك بطاقة ممغنطة مزوّدة برمز QR، على غرار السجل التجاري للشركات، ما يسهّل عمليات المتابعة والدعم والاستجابة السريعة في حالات الطوارئ.
وفي إطار التنسيق بين الإدارات، يشدّد هاني على أنّ كل وزارة تعمل ضمن اختصاصها، مع وجود تنسيق وتبادل معلومات، فيما تتولّى هيئة متخصّصة تحت رئاسة مجلس الوزراء إدارة ملف الكوارث والأضرار على المستوى الوطني.
وفي سياق متصل، يقول هاني إن الوزارة تعمل حاليًا على إحياء مشروع قانون قديم جديد وهو إنشاء صندوق الكوارث والطوارئ الزراعية، بعد التشاور مع وزارتيّ المال والاقتصاد، على أن يُحال قريبًا إلى مجلس النواب.
ويهدف الصندوق إلى تأمين دعم مباشر للمزارعين، خصوصًا في ظل وجود سجلّ زراعي منظم يتيح تحديد المستفيدين بدقة.
وعن الأضرار الأخيرة بالأرقام، يشير هاني إلى تسجيل:
· تضرّر نحو 50 خيمة بلاستيكية.
· تضرّر 10 هكتارات من الأراضي الزراعية المفتوحة.
· تضرّر حوالى 400 قفير نحل.
· تنفيذ أعمال صيانة للعبّارات بقيمة تقارب 50 ألف دولار (إيجار معدات وعبّارات جاهزة).
· تنفيذ أعمال تنظيف لمجرى النهر بكلفة تقارب 50 ألف دولار.
ويختم بالتأكيد أن المسح الميداني السريع مستمرّ، وأن الوزارة تتابع التفاصيل ميدانيًا عبر مصلحة عكار، مشيرًا إلى أن الأضرار المسجّلة حتى الآن محدودة.
الشتاء في لبنان متأخر وغير منتظم...
في هذا الإطار، يقول د. فادي كرم، رئيس نادي العلوم في لبنان وخبير المناخ وإدارة المياه، إن الشتاء الحالي في لبنان يشهد حالة غير معتادة وغير منتظمة، نتيجة سيطرة المرتفع السيبيري على منطقة غرب آسيا وشرق المتوسط، بما فيها لبنان. ويوضح أن هذا المرتفع تسبب في تأخر وصول الرياح الغربية والمنخفضات التي عادة تجلب الأمطار والثلوج المنتظمة من وسط وجنوب أوروبا، ما أدى إلى تأخر الشتاء الفعلي والثلوج في البلاد.
ويضيف كرم أن آخر منخفض ثلجي وصل لبنان بالفعل، جلب ثلوجًا محدودة على قمم الجبال العالية، إلا أن كمياتها لم تكن كافية لإحداث تأثير شامل على المناطق كافة، إذ إن المرتفع السيبيري يسبب أن تكون المنخفضات سيبيرية المنشأ وغير منتظمة سواء في توقيتها أو في كمية الأمطار أو الثلوج. وأكد أن ما نشهده اليوم هو "استراحة مناخية" قصيرة، حيث قد تتساقط بعض الأمطار أو الثلوج بشكل ضعيف، قبل أن يعاود الشتاء نشاطه الحقيقي مع وصول المنخفضات الغربية، موضحًا أن المنخفضات الغربية التقليدية هي المنتظمة، وهي تغطي لبنان بالكامل بأمطار وثلوج معتدلة.
وبخصوص الأشهر المقبلة، يقول إن التوقعات تشير إلى أن الانتظام في الأمطار والثلوج سيظل محدودًا ما لم تتحرك المنخفضات الغربية بشكل كامل لتسيطر على الطقس في المنطقة. ويؤكد أن الشطر الثاني من شباط سيمثل بداية الشتاء الفعلي في لبنان، حيث يزداد وصول المنخفضات الغربية المنتظمة، ما يعني أن تأثير المرتفع السيبيري سيبدأ بالتراجع تدريجيًا، وستتحسن فرص الأمطار والثلوج المنتظمة.
ويختم كرم حديثه بالتأكيد على أهمية متابعة الطقس ومراقبة المنخفضات القادمة، مشيرًا إلى أن الشتاء الحالي متأخر لكنه لم ينتهِ.
ويبقى السؤال مفتوحًا حول واقع المخزون المائي العام. فهل تؤدي هذه العواصف القصيرة والعنيفة إلى تغذية مستمرة للموارد، أم أنها رغم عنفها لن تكفي لتغطية حاجات الصيف؟
خنيصر: لبنان بات حاليًا ضمن "خط الأمان"
للإجابة، يشير الأب إيلي خنيصر، المتخصّص في الأحوال الجوية وعِلم المناخ، إلى أن لبنان يستعدّ حاليًا للتأثر بمنخفض مترافقًا مع أمطار غزيرة تشمل مختلف المناطق اللبنانية.
أما على مستوى المخزون المائي العام، فيوضح خنيصر أن لبنان بات حاليًا ضمن "خط الأمان"، نتيجة تعاقب المنخفضات الجوية التي شهدتها البلاد خلال الأسابيع الماضية، والتي ساهمت في تأمين أمطار منتظمة. فشهر كانون الأول رفع المعدلات العامة للهطول، وتبعه شهر كانون الثاني بمساهمته الإضافية، ما جعل موسم المتساقطات هذا العام مطمئنًا من حيث كميات الأمطار والثلوج.
ويضيف أن البلاد، بهذا المسار المناخي، وصلت إلى مستوى آمن سواء من ناحية الثلوج المتراكمة على المرتفعات الجبلية أو من حيث كميات الأمطار المتساقطة، ما ينعكس إيجابًا على الموارد المائية.
وفي ما يخصّ التوقعات المقبلة، يلفت خنيصر إلى أن القسم الأول من شهر شباط أي حتى الرابع عشر منه، سيشهد عدّة منخفضات جوية متتالية، من شأنها أن ترفع منسوب المياه أكثر، ما يجعل لبنان أمام شهر واعد على صعيد المتساقطات المطرية. أمّا بالنسبة للثلوج، فيشير إلى أنه لا يمكن الجزم بها في الوقت الراهن، إلا أن احتمال تساقطها يبقى واردًا خلال القسم الثاني من شهر شباط.
ويختم خنيصر بالتأكيد أن المشهد العام إيجابي، لافتًا إلى أن لبنان مقبل على مرحلة من الطقس الماطر والمفيد، رغم بعض التداعيات الطبيعية المرافقة للمنخفضات السريعة.
في النهاية، يظهر أن حماية الزراعة والمياه في لبنان تتطلب تنسيقًا مستمرًا بين الدولة والقطاع الخاص والجهات المانحة، مع متابعة علمية دقيقة للطقس والمناخ، فالعواصف والأمطار تخطّت "الحدث الموسمي"، وأصبحت واقعًا جديدًا يتطلب استعدادًا دائمًا واستراتيجيات وطنية للحفاظ على الموارد الطبيعية، وتحويل التحديات المناخية.
سيدة نعمة - نداء الوطن