من الأقرب للفوز بحرب احتياطيات المعادن الحرجة بين ترمب وشي؟ -- Feb 16 , 2026 26
لم يعد مفهوم الاحتياطي الاستراتيجي يقتصر على سلع مثل النفط والقمح، بل اتسع في الآونة الأخيرة ليشمل المعادن الحرجة، وباتت دول العالم بقيادة الولايات المتحدة والصين تتسابق لتخزين أكبر كم في أسرع وقت، فيما تحاول واشنطن إبرام اتفاقات واستثمارات موسعة مع الدول والشركات التي تمتلك تلك المعادن لضمها إلى معسكرها ضد بكين.
لماذا ظهر الصراع على احتياطيات المعادن الاستراتيجية الآن؟
جاء ذلك مع سعي الولايات المتحدة وحلفائها إلى كسر قبضة الصين على إنتاج ومعالجة المعادن الحرجة، وزاد هذا الاتجاه إلحاحاً بعدما استخدمت بكين هذه المعادن كسلاح في الحرب التجارية مع واشنطن، حيث قيدت الصادرات وفرضت قيوداً تنظيمية عليها رداً على الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب في أبريل الماضي، قبل أن يتوصل البلدان إلى هدنة تجارية.
في المقابل، أقدمت واشنطن على خطوات مضادة لتأمين الإمدادات؛ من بينها تفعيل ترمب في مارس صلاحيات الطوارئ بموجب "قانون الإنتاج الدفاعي" لتعزيز القدرة الأميركية على إنتاج المعادن الحرجة، وإبرام واشنطن مع كييف اتفاقية في بداية مايو الماضي، والتي بموجبها حصلت الولايات المتحدة على حق الوصول المميز إلى مشروعات استثمارية جديدة تهدف إلى تطوير الموارد الطبيعية في أوكرانيا.
وشهد الشهر الجاري الخطوة الأبرز في مساعي واشنطن، بعد إعلان ترمب رسمياً عن خطط لبناء مخزون استراتيجي من المعادن الحرجة بقيمة 12 مليار دولار، تحت اسم "مشروع فولت" (Project Vault)، لدعم المصنعين المحليين وتقليص الاعتماد على الصين.. المزيد عن مشروع "فولت" في الفيديو التالي:
هل يقتصر تكويم الاحتياطيات على الصين وأميركا فقط؟
لا، فمع تزايد القيود الصينية على سلاسل الإمداد، أقدمت دول أخرى أيضاً على خطوات مماثلة لتأمين احتياطاتها، حيث أصدرت فيتنام في نوفمبر قانوناً ينص على حظر تصدير المعادن النادرة الخام، مع التحكم في استكشافها واستغلالها ومعالجتها، كما وضعت إندونيسيا محددات صارمة على إنتاج النيكل هذا العام.
وأعلنت الهند في سبتمبر أنها تدرس بناء احتياطي استراتيجي من المعادن الحرجة لاستخدامه في حالات الطوارئ المرتبطة بالصناعات الدفاعية. كما أقر مجلس الوزراء الهندي برنامج حوافز بقيمة 15 مليار روبية (170 مليون دولار) لتعزيز إعادة تدوير المعادن الحرجة المستخلصة من البطاريات والنفايات الإلكترونية. وقررت نيودلهي في الشهر نفسه تصنيف مناجم المعادن النادرة "مشروعات استراتيجية"، ما يسهل عمليات التعدين عبر تقليص الإجراءات بشكل كبير وتسريع الحصول على الموافقات، لكن بشرط وضع ضوابط تضمن التحكم في الإنتاج.
فيما كشفت أستراليا، صاحبة رابع أكبر احتياطيات معادن نادرة في العالم، في يناير عن خطط لشراء وتخزين معادن أساسية للدفاع والتقنيات المتقدمة من شركات التعدين المحلية، وستركز الحكومة في البداية على المعادن النادرة ضمن مخزون استراتيجي تبلغ قيمته 1.2 مليار دولار أسترالي (802 مليون دولار أميركي) قيد البناء.
من يتحالف مع واشنطن في هذه الحرب؟
منذ تقييد الصين لصادرات المعادن النادرة، تحاول أميركا جمع كل الحلفاء الممكنين لتشكيل جبهة موحدة ضد بكين في ذلك الملف، وانضم لهذه الجبهة حتى الآن:
أستراليا، حيث وقع رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي في أكتوبر الماضي اتفاقاً بقيمة 8.5 مليار دولار مع ترمب لتعزيز الوصول إلى المعادن الحرجة.
و"مجموعة السبع" التي تضم إلى جانب الولايات المتحدة كلاً من: كندا، فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، اليابان، المملكة المتحدة، الاتحاد الأوروبي. وشهد اجتماع وزراء الطاقة والبيئة في المجموعة نهاية أكتوبر الماضي الإعلان عن تحالف إنتاج المعادن الحرجة (Critical Minerals Production Alliance) لتسريع وتيرة تطوير وتأمين سلاسل الإمداد والاحتياطات، بما في ذلك إطلاق 26 استثماراً وشراكة وإجراءً جديداً بالقطاع.
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مشاركته في قمة 'مجموعة السبع' في كندا. 16 يونيو 2025 - بلومبرغ
روسيا أيضاً -وعلى عكس المتوقع- من الدول المتحالفة مع واشنطن في هذا الملف، لكنها لم تقل إنها تفعل ذلك لمواجهة الصين، وأعلنت موسكو في فبراير 2025 عن استعدادها للتعاون مع الولايات المتحدة في تطوير العناصر النادرة. وقال ديميتري بيسكوف، المتحدث باسم الرئيس فلاديمير بوتين: "يحتاج الأميركيون للمعادن النادرة، لدينا الكثير منها، ما يفتح آفاقاً واسعة إلى حد ما للتعاون"، بحسب ما نقلته وكالة "إنترفاكس" للأنباء.
وعلى صعيد جيران الصين، اقتنص ترمب اتفاقاً آخر بشأن المعادن النادرة مع ماليزيا، يضمن أن يكون الاستثمار والتجارة في هذا المجال "حراً قدر الإمكان وقادراً على الصمود". كما أعلن عن اتفاق آخر مشابه مع تايلندا. ووقعت الولايات المتحدة واليابان في أكتوبر صفقة لتعزيز التعاون في المجال وتحدي هيمنة الصين.
ومن آسيا إلى أفريقيا، حيث أجرت الولايات المتحدة محادثات مع الكونغو في ديسمبر، عقب توقيع اتفاقية السلام مع رواندا، لتقديم تمويل يتجاوز مليار دولار لدعم مشروعين، يرتبط أحدهما بالمعادن الحرجة.
كيف ردت الصين على هذه التحركات؟
لم تأخذ بكين خطوات ملموسة ضد أي دولة من الدول المذكورة أعلاه، باستثناء زيادة الرسوم الجمركية على واشنطن رداً على سياسات ترمب، والتي عادت وخفضتها بعد الاتفاق على الهدنة التجارية، الذي أعقب لقاء بين الرئيس الأميركي ونظيره الصيني شي جين بينغ.
دونالد ترمب وشي جين بينغ يتصافحان أثناء مغادرتهما عقب اجتماع ثنائي في قاعدة غيمهاي الجوية في بوسان، كوريا الجنوبية، بتاريخ 30 أكتوبر 2025 - بلومبرغ
لكنها وعلى الجانب الآخر، تحركت نحو تعزيز احتياطاتها من معدن مهم آخر وهو "النحاس"، حيث تسعى لزيادة مخزوناتها منه بشكل ملموس بهدف تأمين الإمدادات، وزاد حرصها على تلك الخطوة بعدما قفز المعدن الاستراتيجي إلى مستويات قياسية هذا العام متخطياً سعره 14500 دولار للطن نهاية يناير الماضي.
وإلى جانب المعادن النادرة والنحاس، تحتفظ الدولة باحتياطات استراتيجية أخرى من المعادن الصناعية مثل الحديد والكوبالت والألمنيوم والنيكل والليثيوم لدعم النشاط الصناعي، وحماية ثاني أكبر اقتصاد في العالم من اضطرابات سلاسل الإمدادات، أو أي أزمة تجارية محتملة مع واشنطن وغيرها.
وتلجأ بكين إلى هذه الاحتياطيات أيضاً لتحقيق الاستقرار في أسعار السلع وتخفيف ضغوط تكاليف المواد الخام على الشركات.
بعد كل هذا، هل يمكن أن تتغلب الولايات المتحدة على الصين في معركة المعادن؟
رغم كل الخطوات التي اتخذها ترمب مؤخراً -والتي لم يظهر التأثير الكامل لمعظمها بعد- خلص تقرير بعنوان "تجاوز الهيمنة الصينية على المعادن الحرجة" صدر عن مجلس العلاقات الخارجية (CFR) هذا الشهر، إلى أن الولايات المتحدة لن تتمكن من تأمين مستقبلها في المعادن الحرجة عبر التعدين والمعالجة التقليدية فقط، إذ لا يكفي هذا لمواجهة تفوق الصين الهيكلي في التكنولوجيا والتكلفة وحجم الإنتاج.
أما السبيل الأكثر واقعية للتغلب على هذا التفوق فهو "الابتكار"، من خلال تسريع هندسة المواد المتقدمة، وتطوير تقنيات استخراج ومعالجة أكثر كفاءة، وتعزيز استعادة المخلفات وإعادة التدوير، بحسب التقرير.
لكن ورغم بروز ابتكارات واعدة في القطاع الخاص والمختبرات والجامعات، فإن هذا القطاع ما يزال هشاً في الولايات المتحدة بسبب فجوات التمويل بين مراحل الاكتشاف والتجريب والتوسع التجاري، ما يُصعب مهمة واشنطن لكسر قبضة بكين على هذه المعادن..
عن ذلك الأمر، قال جافن هاربر، الزميل الباحث في جامعة برمينغهام، في مقابلة سابقة مع "الشرق": "الناس يميلون إلى تعريف المعادن الحرجة بأنها مواد مهمة اقتصادياً، لكنها أيضاً معرضة لخطر انقطاع الإمدادات. ربما من خلال بناء احتياطي من تلك المواد، يأمل ترمب في حماية الولايات المتحدة من إمكانية حدوث عدم الاستقرار". مشيراً إلى أن بناء مخزون استراتيجي يجب أن يحدث بالتزامن مع تدابير أخرى لتحسين أمن المواد الحرجة.
وشدد على الرأي نفسه تقرير مجلس العلاقات الخارجية، حيث قال إن سد هذه الفجوات يتطلب منظومة تمويل أميركية أقوى، وإصلاحات تنظيمية، وتنسيقاً أعمق مع حلفاء واشنطن، إذ لا يكفي رأس المال الخاص وحده لتحمل المخاطر طويلة الأجل.
واختتم التقرير: "لا ينبغي أن تتحرك الولايات المتحدة بمعزل عن شركائها في هذا الملف، فهي تملك مزايا في البحث والتطوير وريادة الأعمال، بينما يمتلك حلفاؤها خبرات أكبر في التعدين والتوسع الصناعي، ما يستدعي بناء إطار تنسيقي مشترك يجعل الابتكار الأداة الأساسية للتغلب على الصين".