بتكوين تلمع بين الأصول وسط حرب إيران.. هل تغيرت قواعد السوق؟

بتكوين تلمع بين الأصول وسط حرب إيران.. هل تغيرت قواعد السوق؟ -- Mar 18 , 2026 158

في الحروب نادراً ما تفاجئنا الأسواق: فالذهب يجذب عادة الخائفين، والدولار يستفيد من القلق، بينما تتعرض الأصول عالية المخاطر لضغوط سريعة.

لكن منذ اندلاع حرب إيران، بدا أن بتكوين كسرت القاعدة. فبينما كان يُفترض أن تتعرض العملات المشفرة لضغوط أشد بوصفها من الأصول الأعلى مخاطرة، اختارت العملة المشفرة الكبرى مساراً مختلفاً، 

تجاوزت بتكوين مستوى نفسياً مهماً عند 75 ألف دولار خلال تعاملات أمس الثلاثاء، لتسجل مكاسب ملحوظة منذ بدء الحرب في نهاية فبراير، قبل أن تتداول قرب 74 ألف دولار في تعاملات اليوم.

هذا الأداء لا يلفت الانتباه فقط لأنه جاء في لحظة اضطراب جيوسياسي، بل لأنه أعاد فتح نقاش أكبر حول طبيعة الأصل نفسه: هل نحن أمام مجرد موجة ارتداد قصيرة، أم أن بتكوين بدأت تكتسب دوراً مختلفاً في أوقات التوتر؟ الإجابة لا تكمن في سبب واحد، بل في تداخل عدة عوامل مالية وفنية وجيوسياسية.

السيولة المؤسسية.. المال الكبير أعاد السوق إلى الحياة
أول وأوضح أسباب الصعود كان عودة الأموال المؤسسية. فقد شهدت صناديق بتكوين الفورية المتداولة في الولايات المتحدة تدفقات داخلة بنحو 1.5 مليار دولار هذا الشهر، وفق "بلومبرغ". كما تجاوزت التدفقات الصافية إلى 12 صندوقاً أميركياً متداولاً لبتكوين الفوري 763 مليون دولار الأسبوع الماضي، مسجلة ثالث أسبوع متتالٍ من التدفقات الإيجابية، فيما بلغت التدفقات منذ بداية مارس نحو 1.3 مليار دولار. وفي الشهر الماضي، جذبت هذه الصناديق نحو 659 مليون دولار.

هذا الزخم تعزز أيضاً باستحواذ صندوق "بلاك روك آي بيت" (BlackRock IBIT) على نحو 78% من التدفقات الأخيرة، بما يعكس عمليات شراء قائمة على قناعة لا مجرد تحركات مضاربية. وإلى جانب الصناديق، أعلنت شركة ستراتيجي (.Strategy Inc) أنها اشترت ما يقارب 1.6 مليار دولار من بتكوين خلال الأسبوع الماضي، في أكبر عملية شراء منذ يناير.

وفي هذا السياق، قال أحمد عزام، رئيس قسم الأبحاث في إيكويتي (Equiti)، لـ"الشرق" إن أول العوامل الرئيسية وراء الصعود كان عودة الطلب المؤسسي، موضحاً أن "جزءاً مهماً من الصعود مدفوع بأموال حقيقية". 

إغلاق رهانات الهبوط ضخّم الصعود
ليس كل صعود في السوق يعني بالضرورة وجود موجة شراء قوية من الصفر. أحياناً يرتفع السعر لأن من راهنوا على الهبوط اضطروا إلى التراجع، وهذا ما حدث جزئياً مع بتكوين.

بحسب مذكرة بحثية من (10x Research)، فإن جزءاً من الصعود الأخير جاء نتيجة إغلاق المتداولين رهاناتهم في سوق الخيارات على هبوط بتكوين إلى ما دون 55 ألفاً إلى 60 ألف دولار. وعندما تُغلق هذه المراكز السلبية، يقل ضغط التحوط الهبوطي، ويضطر صناع السوق إلى شراء بتكوين لإعادة توازن مراكزهم، ما يخلق تدفقات إضافية تدفع السعر إلى الأعلى.

وتوضح بيانات منصة "ديربيت" (Deribit) لتداول مشتقات العملات المشفرة أن نحو 1.5 مليار دولار من عقود البيع كانت متركزة حول مستوى 60 ألف دولار، مقابل نحو 1.3 مليار دولار من عقود الشراء عند 75 ألف دولار. كما أشارت "جلاسنود" (Glassnode) إلى أن صناع السوق يحتفظون بمراكز بيعية على عقود الشراء عند مستوى 75 ألف دولار، وهو ما قد يؤدي إلى زيادة تدفقات التحوط كلما اقترب السعر من هذا المستوى، وبالتالي تضخيم الحركة الصعودية.

بتكوين كانت قد تراجعت مؤقتاً بعد بدء الحرب في 28 فبراير إلى نحو 63038 دولاراً، قبل أن ترتد صعوداً. ومن هنا بدأ ما وُصف بأنه "انتقال من تعافٍ مدعوم بعوامل هيكلية إلى تداول قائم على الزخم".

بمعنى أبسط: السوق لم ترتفع فقط لأن الجميع متفائل، بل لأن كثيرين كانوا متشائمين أكثر من اللازم، ثم اضطروا إلى شراء ما باعوه أو تحوطوا ضده.

البيع المفرط والارتداد التقني.. الحرب جاءت والسوق أصلاً تحت الضغط
لم تدخل بتكوين هذه الحرب من موقع قوة، بل من سوق أنهكتها أشهر من الضغوط. فقد بدأت موجة تراجع ممتدة بعد وقت قصير من بلوغ ذروة قياسية تجاوزت 126 ألف دولار في أكتوبر، قبل أن تتعرض في 10 أكتوبر لواحدة من أكبر موجات التصفية، حيث مُحيت مراكز ممولة بالرافعة المالية تُقدّر بنحو 19 مليار دولار خلال يوم واحد. ومنذ ذلك الحين، ظل المسار العام تحت ضغط هبوطي، فيما افتقرت محاولات الارتداد إلى زخم مستدام.

لهذا السبب، رأى محللون في "وينترميوت" (Wintermute) أن "تفوق بتكوين على الأسهم والذهب منذ اندلاع حرب إيران يعكس عمق التراجع الذي كانت قد سجلته سابقاً أكثر مما يشير إلى مسارها المقبل". فهي لا تزال منخفضة بأكثر من 40% مقارنة بذروتها المسجلة في أكتوبر.

وأوضح عزام أن السوق دخلت الأزمة من مستويات منخفضة نسبياً، ما يجعل جزءاً من الصعود الحالي أقرب إلى إعادة تسعير بعد فترة من الضغوط، وليس مجرد موجة مضاربة جديدة. 

أما ميشيل صليبي، كبير محلّلي الأسواق المالية في (FxPro)، فأشار في حديثه مع "الشرق" إلى أن "السوق كانت مهيأة لارتداد تقني، خاصة مع تغطية مراكز البيع وعودة شهية المخاطرة لدى بعض المستثمرين". وأضاف أن "لا يمكن الجزم بأننا أمام موجة صعود مستدامة... حتى الآن قد يكون هذا الارتفاع مجرد ارتداد تقني".

في الاتجاه نفسه، أشار محللون في "كريبتو كوانت كابيتال" إلى أن من أسباب نجاح بتكوين في تجاوز مستويات السبعين ألف دولار أن السوق كانت في منطقة ذروة بيع، إلى جانب زخم الشراء المؤسسي وانعكاس أسعار النفط.

بديل للنظام المالي التقليدي.. الحرب تعزز جاذبية الأصل غير المركزي
بعيداً عن العوامل الفنية، يبرز عامل أعمق يتعلق بوظيفة بتكوين نفسها في أوقات الحرب والعقوبات. فمع تصاعد المخاطر الجيوسياسية، يبدأ بعض المستثمرين في البحث عن أدوات لا تعتمد على البنوك ولا تخضع لسيطرة الحكومات.

في هذا السياق، لا تبدو بتكوين مجرد أصل استثماري، بل وسيلة لنقل القيمة خارج النظام المالي التقليدي. فهي تُتيح التحويل عبر الحدود دون وسطاء، ولا تحتاج إلى بنوك، كما أن ملكيتها لا ترتبط بهوية واضحة، ما يجعلها جذابة في البيئات التي تواجه قيوداً مالية أو مخاطر على الوصول إلى النظام المصرفي.

هذه الفكرة كانت في صلب ما أشار إليه صليبي، إذ أوضح أن أحد أبرز أسباب الصعود هو "البحث عن بدائل للنظام المالي التقليدي في أوقات التوترات الجيوسياسية والعقوبات المالية"، لافتاً إلى أن الطبيعة غير المركزية للأصول الرقمية تجعل من الصعب تقييدها أو التحكم بها من قبل الحكومات.

اقرأ أيضاً: أزمة هوية بتريليون دولار تحاصر بتكوين من كل الجهات

ولا يقتصر هذا التحول على النظرة النظرية فقط، بل ينعكس عملياً في سلوك المستثمرين. فقد قال ليث الشوبكي، خبير العملات المشفرة، لـ"الشرق" إن "ما رفع بتكوين هو اعتبارها ملجأً آمناً لرأس المال الإيراني"، موضحاً أن الأصول الرقمية أصبحت وسيلة فعالة لتجاوز العقوبات ونقل الأموال بسرعة خارج النظام التقليدي. وأضاف أن "العديد من المستثمرين قاموا بنقل كميات كبيرة من الكاش في مناطق التوتر عبر العملات المشفرة، باعتبارها أداة لحفظ القيمة ونقل الأموال بعيداً عن القيود".

في الاتجاه نفسه، ذكر مارك كونورز، مؤسس ريسك دايمنشنز (Risk Dimensions)، في مقابلة مع "الشرق"، أن بتكوين بدأت تبرهن على بعض خصائص الأصل النقدي البديل، موضحاً أنها "أصل غير حكومي وغير سيادي، ويمكن نقلها بسهولة، ما يمنحها قيمة واضحة في أوقات الأزمات".


هذا الاستخدام العملي يعزز فكرة أن الطلب على العملة المشفرة في مثل هذه الظروف لا يأتي فقط من المضاربين، بل أيضاً من أفراد يسعون لحماية أموالهم أو نقلها بسرعة. وهو ما يتقاطع مع ما أظهرته بيانات الأسواق، التي تشير إلى أن التوترات الجيوسياسية قد تدفع بعض المستثمرين إلى الابتعاد عن النظام المالي التقليدي، خصوصاً في المناطق التي ترتفع فيها مخاطر القيود على التحويلات أو الوصول إلى السيولة.

كما أن تداولها على مدار الساعة يجعلها من أوائل الأصول التي تعكس الصدمات، إذ تراجعت بتكوين فور اندلاع الضربات قبل أن تعاود الارتفاع سريعاً، في وقت كانت فيه بعض الأسواق التقليدية لا تزال مغلقة.

إيران جزء من قصة الصعود
لفهم أداء بتكوين خلال هذه الحرب، لا يكفي النظر إلى شاشات الأسعار في نيويورك أو بيانات الصناديق الأميركية، ذلك لأن إيران نفسها أصبحت جزءاً أساسياً من القصة.

فحرب إيران أعادت تسليط الضوء على سوق العملات المشفرة الإيرانية البالغة قيمتها 7.8 مليار دولار، والتي بات المواطنون والسلطات يستخدمونها بشكل متزايد لتخزين الأموال وتحويلها في فترات الاضطراب، وفق "بلومبرغ".

وبحسب "تشيناليسيس" (Chainalysis)، خرج نحو 2.3 مليون دولار من منصات التداول الإيرانية خلال ساعة الذروة بعد بدء الضربات الجوية، أي بزيادة 873% عن متوسط التدفقات الخارجة المعتاد في الساعة. وجرى تحويل الأموال إلى منصات أجنبية ومنصات محلية أخرى، إضافة إلى نسبة كبيرة إلى "محافظ أخرى" غير محددة.

ورصدت "إليبتيك" (Elliptic) بدورها ارتفاعاً بنحو 700% في التدفقات الخارجة من أكبر منصة تداول للعملات المشفرة في إيران، "نوبيتكس" (Nobitex)، مباشرة بعد الهجمات الأولى. وبلغت التدفقات الخارجة في ساعة الذروة يوم 28 فبراير نحو 2.89 مليون دولار، مقارنة بـ 358 ألف دولار في اليوم السابق، بحسب الشركة. 

لماذا يستخدم الإيرانيون العملات المشفرة بشكل متزايد؟ 
الجواب يبدأ من الاقتصاد الإيراني نفسه: عملة محلية ضعيفة، تضخم من خانتين، عقوبات ممتدة، وعزلة جزئية عن النظام المالي القائم على الدولار. 

وشهدت سوق العملات المشفرة في إيران توسعاً كبيراً، إذ تُقدّر شركتا "تي آر إم لابس" (TRM Labs) و"تشيناليسيس" حجم النشاط المشفر في البلاد بما بين 8 و10 مليارات دولار خلال العام الماضي. كما أظهرت بيانات "تشيناليسيس" أن المحافظ الإيرانية تلقت نحو 7.8 مليار دولار في 2025، ارتفاعاً من 7.4 مليار دولار في 2024 و3.17 مليار دولار في 2023. 

ولا يقتصر هذا النشاط على الأفراد، إذ أوضح آري ريدبورد، رئيس السياسات والشؤون الحكومية العالمية في "تي آر إم لابس"، أن "ما يحدث في إيران يجمع بين استخدام مشروع للعملات المشفرة كوسيلة إنقاذ للمواطنين، واستخدامها على نطاق أوسع للالتفاف على العقوبات".

فيما أظهر تقرير لـ"إليبتيك" أن البنك المركزي الإيراني اشترى أكثر من 500 مليون دولار من الأصول الرقمية المرتبطة بالدولار خلال عام واحد، قبل أن تشير تقديرات أخرى للشركة إلى حصوله على ما لا يقل عن 507 ملايين دولار من العملة المستقرة "USDT" في 2025، فيما وصفته باستراتيجية متطورة لتجاوز النظام المصرفي العالمي.

فيما يتعلق بطبيعة هذا النشاط، تكشف البيانات عن تداخل واضح بين الاستخدام الفردي والرسمي. فقد أشارت "تشيناليسيس" إلى أن الحرس الثوري الإيراني استحوذ على أكثر من 50% من نشاط العملات المشفرة في البلاد خلال الربع الرابع من العام الماضي، بينما تقدر تقديرات أخرى أن نحو 50% من أحجام التداول كانت مرتبطة به.

في المقابل، ترى "تي آر إم لابس" أن نحو 95% من التدفقات المرتبطة بإيران تأتي من مستثمرين أفراد، رغم أنها حددت أكثر من 5 آلاف عنوان مرتبط بالحرس الثوري الإيراني، وقدرت أن هذه الجهات نقلت عملات مشفرة بقيمة تصل إلى 3 مليارات دولار منذ 2023. 

ويؤكد اتساع هذا الاستخدام ما نقلته "رويترز" عن تقديرات القطاع، إذ إن نحو 15 مليون إيراني يمتلكون أو يستخدمون الأصول الرقمية. وتشير التقارير إلى أن هذا النشاط يتسارع خلال فترات الاضطراب، حيث يلجأ المستخدمون إلى العملات المشفرة كوسيلة لحفظ القيمة أو نقل الأموال خارج البلاد، خاصة مع تراجع الريال وصعوبة الوصول إلى العملات الأجنبية.

كما زاد التدقيق الدولي على هذا النشاط، إذ أفادت "رويترز" بأن محققين أميركيين يدرسون ما إذا كانت بعض منصات العملات المشفرة قد سهلت تهرب جهات إيرانية من العقوبات، عبر تحويل الأموال أو الحصول على عملات صعبة أو تمويل واردات.

تفوقت على الذهب.. لكن القواعد لم تتغير بعد
ما جعل تحركات بتكوين أكثر لفتاً للنظر هذه المرة، هو أنها جاءت بعكس المسار التقليدي للأسواق في أوقات الحرب. وبينما قفزت أسعار النفط بأكثر من 40%، تراجع الذهب، الملاذ الآمن التقليدي، بنحو 5% خلال هذا الشهر، وانخفض مؤشر (MSCI World) بنحو 4%.

في المقابل، ارتفعت بتكوين بأكثر من 12%، كما تفوقت العملات المشفرة إجمالاً على الأسهم والسندات خلال مارس، في وقت تراجع فيه أداء مؤشر "إس آند بي 500" وسندات الخزانة الأميركية تحت ضغط ارتفاع أسعار الطاقة والمخاوف التضخمية.

هذا التباين أعاد طرح سؤال جوهري: هل بدأت بتكوين تنافس الذهب فعلاً؟ حتى الآن، الإجابة لا تزال حذرة. فالأداء الحالي يعكس تحركاً نسبياً أكثر منه تحولاً هيكلياً، خاصة أن الذهب لا يزال مرتفعاً منذ بداية العام ويحتفظ بدوره التقليدي كملاذ آمن في أوقات الأزمات.

 

وفي هذا السياق، أوضح صليبي في حديثه لـ"الشرق"، أن بتكوين "لا تزال تُصنّف كأصل عالي المخاطر أكثر من كونها ملاذاً آمناً تقليدياً"، مشيراً إلى أنها قد تلعب دوراً جزئياً كوسيلة تحوط في ظروف محددة، لكن الذهب يبقى الخيار الأساسي خلال فترات التوتر الجيوسياسي.

 

هل أصبحت بتكوين ملاذاً آمناً بالفعل؟
 لا يزال تصنيف بتكوين كملاذ آمن موضع نقاش. إذ أشار عزام إلى أنها ما تزال "أقرب إلى أصل عالي المخاطر منها إلى ملاذ آمن تقليدي، خاصة في المراحل الأولى من الأزمات، حين يتجه المستثمرون عادة نحو السيولة أو الأصول التقليدية". لكنه أوضح أن دورها قد يتغير جزئياً في ظروف محددة، لا سيما عندما تتراجع الثقة في النظام المالي.

من جهتها، قالت سيدرا فاريق، رئيسة قسم التجزئة في "ديربيت" لـ"الشرق"، إن "بتكوين مرنة وقادرة على استيعاب الصدمات، وقد تصرفت كعنصر ماص للصدمات" خلال الفترة الأخيرة. وفي الاتجاه نفسه، رأى كونورز، مؤسس أن العملة المشفرة بدأت تُظهر بعض خصائص الملاذ الآمن. 

ومع ذلك، لا تزال بتكوين تتحرك ضمن نمط غير مستقر، إذ تُظهر دورات السوق أنها غالباً ما تمر بموجات صعود يعقبها تصحيح، ما يعكس ارتباطها المستمر بشهية المخاطرة. وبين هذه الإشارات المتباينة، تبدو بتكوين في منطقة وسطى: لم تتحول بعد إلى ملاذ آمن مكتمل، لكنها لم تعد أيضاً مجرد أصل مضاربي تقليدي.

 

النفط والتضخم والفيدرالي.. ما الذي سيقرر الاتجاه؟
يبقى أن مصير هذا الصعود لن تحدده الحرب وحدها، بل تأثيرها على ثلاثة متغيرات رئيسية: النفط، والتضخم، والسياسة النقدية. فقد قفزت أسعار النفط الخام بنحو 70% في الأيام التي أعقبت تصاعد المواجهة، من نحو 70 دولاراً للبرميل إلى ما يصل إلى 120 دولاراً قبل أن تستقر قرب 100 دولار. 

هذا الارتفاع يعيد إحياء مخاوف التضخم عالمياً، ويزيد الضغط على الاقتصادات المستوردة للطاقة، كما يرفع احتمالات تباطؤ النمو. وفي الوقت نفسه، يضع البنوك المركزية أمام معادلة معقدة بين احتواء التضخم ودعم الاقتصاد، ما يفتح الباب أمام سيناريوهات متباينة لأسعار الفائدة.

 

في هذا السياق، تتجه الأنظار إلى اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي اليوم الأربعاء، حيث يُرتقب الإعلان عن قرار أسعار الفائدة، والذي سيشكل عاملاً حاسماً في تحديد اتجاه الأصول عالية المخاطر. فاستمرار الفائدة المرتفعة قد يضغط على العملات المشفرة، بينما قد يدعم أي توجه نحو التيسير النقدي شهية المخاطرة ويمنح هذا الصعود زخماً إضافياً.

سيناريوهات الحرب.. ماذا لو تصاعدت؟ وماذا لو هدأت؟
يبقى السؤال الأهم: ماذا بعد؟ هنا ترتبط الصورة مباشرة بمسار الحرب نفسها. فوفقاً لما أوضحه ميشيل صليبي، فإن "تصاعد الحرب قد يعني تقلبات حادة وقوية في سوق العملات المشفرة. فإذا سيطر الخوف على الأسواق العالمية، قد تتراجع بتكوين إلى جانب الأصول عالية المخاطر، لكن في المقابل، إذا ترافقت الأزمة مع اهتزاز الثقة في النظام المالي أو زيادة القيود المالية، فقد يرتفع الطلب عليها كبديل."

أما في حال تراجعت التوترات، فيرى أن شهية المخاطرة قد تتحسن عالمياً، وهو ما يدعم الأصول الرقمية ويعزز تدفق الاستثمارات إليها. ويتقاطع ذلك مع ما أشار إليه عزام، إذ أوضح أن هدوء الأوضاع قد يدفع إلى عودة التدفقات الاستثمارية إلى السوق، ما يدعم استمرار الأداء الإيجابي.

من جانبه، رأى جيف مي، الرئيس التنفيذي للعمليات في "بي تي إس إي" (BTSE) في حديثه مع "بلومبرغ"، أن انتهاء الحرب قد يدفع بتكوين سريعاً نحو 100 ألف دولار، في حين أن استمرار الصراع لفترة أطول قد يعيدها إلى حدود 60 ألف دولار. في المقابل، يشير داميان لو، كبير مسؤولي الاستثمار في "إريكسينز كابيتال" (Ericsenz Capital)، إلى أن الزخم قد يواجه مقاومة قرب مستوى 75 ألف دولار ما لم تتحسن شهية المخاطرة.

بهذا المعنى، لا تتحرك بتكوين ضمن مسار واحد، بل تتقاطع فيها عدة أدوار في وقت واحد: أصل عالي المخاطر، وأداة تحوط جزئية، ووسيلة لنقل القيمة في أوقات الاضطراب. وهذا ما يجعل اتجاهها القادم مرهوناً بتطورات الحرب أكثر من أي عامل آخر

المصدر:
الشرق

أقرأ أيضاَ

النفط يتراجع

أقرأ أيضاَ

الذهب ثابت رغم التوترات.. وهذه آخر الاسعار