زيادة الرواتب في سوريا... المتقاعدون خارج الحسابات -- Mar 23 , 2026 9
بقيت نصف فرحة السوريين مؤجلة مع استثناء المتقاعدين من زيادة 50% على الرواتب الصادرة بمرسوم رئيس الجمهورية مؤخراً.
476 ألف متقاعد لم تشملهم الزيادة، وهم الشريحة الأولى بالرعاية، وهذا ما طرح بالفعل تساؤلات ملحّة، على اعتبار أنها المرة الأولى التي يستثنى فيها المتقاعدون من مراسيم الزيادات على الرواتب والأجور، وكان آخرها الزيادة 200% التي شملت المتقاعدين وقفزت بمعاشاتهم إلى عتبة لم يعودوا يخجلون من البوح بها لشدة تواضعها وهُزالها كما كان في السابق.
حافز لمعالجة البطالة المقنعة
الواقع أن الزيادة ما قبل الأخيرة التي شملت المتقاعدين، طمأنت المقبلين على التقاعد إلى أن حقوقهم محفوظة فيما لو تقاعدوا، وحفزت حالات التقاعد المبكر لمن استوفوا شروط التقاعد بحدودها الدنيا، وشهدت المؤسسات العامة كثافة غير مسبوقة لطلبات الاستقالة، وباتت مؤسسة التأمينات الاجتماعية أمام خطر عدم قدرتها على الإيفاء بالتزاماتها تجاه الأعداد الكبيرة من "زبائنها الجدد". فكما درجت العادة كانت الاقتطاعات من كل خمسة موظفين على رأس عملهم تموّل راتب متقاعد واحد، لكن اليوم مع تناقص أعداد الموظفين وزيادة أعداد المتقاعدين، بات كل عشرة موظفين بالكاد يمولون راتب متقاعد واحد. وهذا يعني أن رواتب المتقاعدين و"معاشاتهم" لم تعد في وضع آمن.
منبع هواجس جديد
الواقع أن الأحاديث المضطردة والتحليلات عن احتمالات عجز المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية عن الإيفاء بالتزاماتها تجاه "جمهورها الآخذ بالازدياد، كانت طيلة الفترة الماضية الشغل الشاغل والهاجس الذي يقلق متقاعدي سوريا".
واليوم مع عدم شمولهم بالزيادة الممنوحة للعاملين في الدولة، تعززت المخاوف لدى المتقاعدين من مصير مجهول، وبعضهم ندم على استقالته وإحالة استحقاقاته المالية من مؤسسته إلى مؤسسة التأمينات الاجتماعية. وهذا سيعني أن ظاهرة الاستقالات ستأخذ بعداً أخر؛ أي لن يكون ثمة استقالات مبكرة، وسيقتصر الأمر على من بلغوا الستين من العمر، وهو سن التقاعد القانوني وفق مقتضيات القانون رقم 50 الصادر عام 2004؛ أي أن المسألة ستنعكس على المعالجات الجارية على مشكلة فائض الموظفين الذي تحدثت عنه الجهات المعنية: "البطالة المقنعة" في الإدارة الجديدة للبلاد.
طمأنة قصيرة الأمد
قد تكون بادرة طيبة من وزير المالية الدكتور يسر برنية أنه خرج ليكتب على صفحته الشخصية في فايسبوك بياناً كاملاً بخصوص مرسومي الزيادة رقم 67 و68 المتعلقين بزيادة رواتب كافة العاملين في الدولة بنسبة 50% وزيادات نوعية على العاملين في بعض الوزارات كالتعليم العالي والتربية والأجهزة الرقابية وغيرها.
وتضمن منشور الوزير فقرة خاصة بمن سماهم "أصحاب القدر" أي المتقاعدين، وطمأنهم إلى أن هناك معالجة قادمة لن تتأخر لأوضاعهم في سياق معالجة عامة للنظام التأميني على نحوٍ عام في سوريا.
وللدقة نعرض ما كتبه الوزير خطياً: "لم نهمل كبار القدر من أهلنا المتقاعدين، وهناك زيادة لهم في الفترة القادمة، حيث العمل جارٍ الآن لإصلاح منظومة التقاعد والمعاشات برمتها، لضمان الاستدامة المالية لهذه النظم (المؤسسات التأمينية) من جهة، وتحسين الخدمة للمتقاعدين من جهة اخرى. ولا يطول الوقت بعون الله".
ملامسة جديدة لخط الفقر
لكن بصراحة، ووفقاً لما استنتجناه من الحديث مع عدد غير قليل من المتقاعدين، أنهم فاقدو الثقة بالوعود الحكومية منذ زمن النظام البائد، بالتالي لم تكن طمأنة الوزير قاطعة ونافذة في عقولهم.
لم تقتصر حالة الترقب الحذر على مئات آلاف المتقاعدين، بل للخبراء هواجسهم أيضاً. فالخبير الاقتصادي والأكاديمي الدكتور فاخر قربي، يرى في حديث مع "المدن" أن حرمان المتقاعدين من الزيادة سوف يؤدي إلى مشاكل اقتصادية كثيرة حيث يقودهم هذا الحرمان إلى تآكل القوة الشرائية، لأن حرمانهم يعني انخفاض دخلهم الحقيقي المباشر أمام ارتفاع الأسعار، ما يضعهم في دائرة الفقر الشديد.
كما يتسبب الحرمان في عدم التوازن الاجتماعي، حيث يؤدي إلى فجوة كبيرة بين الموظفين على رأس عملهم والمتقاعدين الذين يعتمدون على دخول ثابتة. كما يضعف القدرة على المواجهة. فالمتقاعدون يميلون للاستهلاك من مدخرات ثابتة، والزيادة السنوية المحدودة غالباً لا تواكب التضخم،مما يجعلهم أكثر الفئات تضرراً.
تفادي السلبية
لتجنب الآثار السلبية لهذه الزيادة يقترح د. قربي زيادة الإنتاج المحلي لتلبية الطلب المتزايد وتجنب التضخم، وضبط السيولة عبر سياسات نقدية مثل رفع الفائدة على الودائع.
إضافة إلى دعم المتقاعدين، من الواجب شمولهم بأي زيادات لضمان العدالة الاجتماعية وتلبية احتياجاتهم. كما يتطلب العمل بشكل حقيقي لخلق إصلاحات إدارية تضمن تحسن أداء المؤسسات مع زيادة الرواتب.
لكن على المقلب الآخر لم يقلل د. قربي من أهمية مرسوم الزيادة، إذ يرى أن مرسوم زيادة الرواتب خطوة جريئة لتعزيز الثقة بين الموظف والحكومة. فهي تحمل في طياتها الكثير من الدلالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وتترك آثاراً كبيرة على الاقتصاد، كما تشكل دافعاً قوياً للنمو الاقتصادي، طالما جاءت في إطار سياسة مالية متوازنة تعزز التنمية الاقتصادية.
رفع القدرة الشرائية
ستؤدي الزيادة إلى رفع القوة الشرائية للمواطنين بشكل كبير، وهذا ما يعزز الاستهلاك المحلي وينعش القطاعات الاقتصادية بأكملها. كما تُسهم في تحسين مستوى المعيشة وتقليص الفجوة بين الطبقات الاجتماعية، وهذا سينعكس على الاستقرار المجتمعي ويخفف من البطالة.
وتأتي هذه الزيادة كنقطة انطلاق لتحفيز سوق العمل عبر جذب الكفاءات وزيادة الإنتاجية وتحسين الأداء الوظيفي. كما تشجّع على الادخار والاستثمار، ما يدعم القطاع المصرفي ويزيد من حجم السيولة في الاقتصاد بشكل كامل.
كما تلعب الزيادة دوراً محورياً ورئيسياً في تعزيز الأداء الاقتصادي والاجتماعي في كل من القطاعين العام والخاص، حيث تؤدي الزيادة في الدخل إلى تحسين مستوى المعيشة وتقليل الضغوط النفسية وزيادة القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية والترفيهية، ما ينعكس إيجاباً على جودة حياة الموظف وأسرته. كما تساهم في تحفيز أداء العاملين وزيادة ولائهم الوظيفي وانتمائهم لمؤسساتهم، وهو ما يزيد من إنتاجيتهم ويقلل من معدلات التهرب من الأداء الوظيفي.
كما تسهم هذه الزيادة في تحريك عجلة الاقتصاد السوري من خلال زيادة الإنفاق الاستهلاكي، ما يدعم نمو الأسواق المحلية ويشجع المنتجين على الاستثمار والعرض نظراً لزيادة الطلب. كما أنها تلعب دوراً اجتماعياً من خلال تقليل الفوارق الاجتماعية وتعزيز الشعور بالعدالة الاقتصادية.
والأهم في هذه الزيادة أنها مدروسة ومتوازنة لتجنب التضخم أو الضغط على الميزانية العامة، حيث تأتي بعد فترة جيدة من ضبط سعر الصرف. ولا بد من الإشارة إلى أن الأجور العادلة تعدّ استثماراً في رأس المال البشري وضمانة لاستقرار اقتصادي واجتماعي مستدام.
أمل على وعد
على العموم يبقى أمل من التقتهم "المدن" من المتقاعدين معلقاً على ما يشبه "تهدئة الخواطر" التي دفع بها وزير المالية فايسبوكياً، حتى لو كان من الأفضل أن يُخرج ما كتبه على شكل بيان باسم الوزارة لا على صفحة شخصية.
لكن المتحدث يبقى وزيراً وبالتالي كلامه يؤخذ على محمل الجد. ويتمنى الجميع ألا يتأخر تنفيذ وعد الوزير لأن أوضاع المتقاعدين ليست بخير.
ناظم عيد - المدن