هل تنهي الحرب سعر صرف الدولار عند 89500 لليرة؟ -- Mar 30 , 2026 16
لم تعد عوامل استقرار سعر صرف الليرة اللبنانية مسألة داخلية بحتة، بل باتت متشابكة في واقع حربين متزامنتين: الحرب الإسرائيلية على لبنان، وحرب إسرائيل والولايات المتحدة على إيران التي تحوّلت إلى حرب إقليمية طالت اقتصادات دول الخليج العربي.
فالثبات الحالي في سعر صرف العملة الوطنية مقابل الدولار عند حدود 89500 ليرة للدولار لم يعكس يوماً توازناً اقتصادياً فعلياً، بل استقراراً هشّاً تديره السياسات النقدية، في وقت تتزايد فيه عوامل الضغط من الخارج والداخل. أما كم سيصمد ثبات سعر الصرف في لبنان في ظل الحرب المحلية والإقليمية، فهي مسألة شديدة التعقيد وترتبط بكيفية إدارة مصرف لبنان لسياسة ضبط النقد، في ظل تداعيات متعارضة لحربين قائمتين غير منظورتي الأفق.
إقليمياً، تعرّضت عملات دول مثل تركيا ومصر لهزّات واضحة. أما في لبنان، وعلى الرغم من أنَّ الليرة فقدت أساساً نحو 98% من قيمتها، والدولرة تجاوزت 95% وهو ما يخفّف نظرياً من وقع أي تراجع إضافي بالعملة، إلا أن هذا الواقع لا يلغي المخاطر العالية ولا يجنّب البلد انفجاراً نقدياً، ما لم تنحسر تداعيات الحرب قريباً.
مخاوف من تدهور الليرة!
تزداد التحذيرات والمخاوف من تداعيات استمرار الحرب على سعر صرف الليرة اللبنانية المنهارة أصلاً والمستقرة مؤخراً بفعل إجراءات مصرف لبنان القائمة بشكل أساسي على تجفيف السوق من الليرات وخفض الإنفاق الحكومي وإدارة الكتلة النقدية بناء على تدفقات الدولارات إلى لبنان من قطاعات تحويلات المغتربين والسياحة.
التوازن الذي استمر من آب 2023 كان يمكن له أن يستمر بانتظار إصلاحات نقدية جذرية، ما لم تطرأ متغيرات جوهرية قد تطيح به في أي لحظة. وتتلخّص المتغيّرات بلغة مبسّطة بتراجع الدولارات الواردة من الخارج وارتفاع الحاجة الى إنفاق الليرات في الداخل. بمعنى آخر ما يحصل اليوم هو نقيض ما حرص مصرف لبنان على توازنه في السنوات القليلة الماضية.
وفي ظل الواقع الجديد الناتج عن حرب إيران من جهة ولبنان من جهة أخرى، لم يعد مستبعداً وقوع خلل في سعر صرف الدولار مقابل الليرة في المرحلة المقبلة، وهو ما يتوقّع حصوله أكثر من مصدر مصرفي واقتصادي.
تراجع التحويلات الخارجية
بعد شهر على بدء الحرب المزدوجة، والمقصود هنا حرب الولايات المتحدة واسرائيل على ايران والحرب الاسرائيلية على لبنان، تراجعت التدفقات المالية إلى لبنان بنسبة تقارب 5 في المئة وفق تقديرات أولية، استناداً إلى مصدر مصرفي. ومن المتوقع أن تتراجع التحويلات أكثر في حال استمرار الحرب الاقليمية. إذ لا يمكن الفصل هنا بين الحربين، لاسيما أن الثقل الأكبر من تحويلات المغتربين اللبنانيين يأتي من دول الخليج، وهي التي تتعرض اقتصاداتها لضغوط هائلة نتيجة استهداف قطاعها النفطي.
وبحسب المعلومات، باتت عمليات التحويل المالي من دول الخليج معقدة وشديدة الحساسية لأسباب عديدة، أولها الحذر من الإنفاق في مجتمعات الخليج بسبب عدم وضوح الرؤية حيال انتهاء الحرب، إضافة إلى ارتفاع تكلفة المعيشة بما يقارب 30 في المئة، والسبب الإضافي هو التشدد في عمليات السحوبات المصرفية والتحويلات المالية إلى خارج دول الخليج، وهو ما دفع بالمغتربين اللبنانيين إلى تقليص عمليات التحويلات إلى ذويهم باستثناء الأيام الأولى للحرب حين تكثّفت عمليات التحويل لتغطية نفقات النزوح وتكاليف المعيشة.
أما الإيرادات السياحية التي كانت تشكّل "الرئة" الثانية للاقتصاد اللبناني، فقد انعدمت على نحوٍ تام منذ بدء الحرب، لا سيما أن الإيرادات السياحية اقتصرت مؤخراً على الوافدين من المغتربين اللبنانيين، وهؤلاء غابواً تماماً خلال الحرب الحالية ليس بسبب الحرب على لبنان فحسب إنما أيضاً بفعل الحرب في المنطقة والقلق العالمي من تعاظم الأزمة الاقتصادية التي أطلّت برأسها نتيجة ارتفاع سعر النفط.
ارتفاع كلفة الاستيراد والنزوح
في مقابل تراجع التحويلات المالية من الخارج، ارتفعت الحاجات للإنفاق الداخلي وتعاظمت الضغوط الاجتماعية، وهو ما دفع بالحكومة إلى زيادة حجم الانفاق المقوّم بالليرة حكماً على تأمين مراكز إيواء وتغطية احتياجات أساسية للنازحين وتوسيع التغطية الصحية للنازحين والجرحى وغير ذلك من الحاجات الطارئة في ظل الحرب، وهو ما سيخلق اختلالاً بين الكتلتين النقديّتين ويضغط على سعر صرف العملة، وفق ما هو مرجّح في حال طول أمد الحرب.
عامل آخر يساهم في الخلل النقدي المتوقع مع استمرار الحرب، هو ارتفاع تكلفة الاستيراد، إذ ارتفعت أسعار النفط عالمياً وتكلفة الشحن وعموم المستوردات، وهو ما يدفع لبنان إلى تكبد فاتورة استيراد أكبر بكثير مما كان يتكبّده سابقاً، وهذا ما يعني ببساطة إخراج المزيد من الدولارات من السوق اللبنانية إلى الخارج، وهو ما يعزز بالتالي مسألة الخلل النقدي الحاصل في البلد.
إجراءات مصرف لبنان
بالتوازي، يمتلك مصرف لبنان أدوات محدودة لضبط استقرار سعر الصرف، من خلال المحافظة على التوازن بين تمويل الإنفاق الداخلي وارتفاع كلفة الاستيراد، وتراجع التحويلات.
ويستبعد مصدر مصرفي تمكن مصرف لبنان من الحفاظ على استقرار سعر الصرف فيما لو طال أمد الحرب، فقدراته محدودة والخيارات باتت ضيقة أمامه. وبين حماية سعر الصرف أو استخدام احتياطات العملات الأجنبية لديه يبقى الخيار صعباً للغاية.
أما في المرحلة الحالية فيؤكد مصدر من مصرف لبنان أن المركزي لا يزال بإمكانه حتى اللحظة، الموازنة بين الكتلتين للحفاظ على سعر الصرف. لكن من المستبعد أن يتمكن من الحفاظ على ذلك فيما لو استمر الواقع الحالي لأشهر.
من جهته مستشار وزير المالية والرئيس السابق للجنة الرقابة على المصارف سمير حمود يرى أن السوق لا تزال اليوم ضمن تحكم مصرف لبنان، لأن حجم الليرة قيد التداول لا يشكل ضغطاً حقيقياً.
لكن الغد ينذر بمخاطر، بحسب حمّود، فالحال التي يعيشها لبنان في إطار التهجير والنزوح وجمود الاقتصاد وتراجع الجباية يؤدي إلى مضاعفة الإنفاق الحكومي. وفي حال ازداد حجم الكتلة النقدية بالليرة سيكون الوضع أمام خيار الحفاظ على سعر الصرف او الحفاظ على مخزون العملات الأجنبية لدى مصرف لبنان. ويجزم حمود بصعوبة الحفاظ على الاثنين، ويقول: "أعتقد أن خيار الحفاظ على سعر الصرف على حساب مخزون أو احتياطي العملة الاجنبية لن يكون صائباً".
لا مخرج سوى وقف الحرب
تتوقف جرعة الحياة في لبنان على وقف الحرب سريعاً وحصول لبنان على دعم خارجي، وهما أمران مستبعدان في الوقت الحاضر. ودون ذلك يقف اللبنانيون أمام حرب من نوع آخر هي استقرار سعر الليرة، وإن شكلياً، وحربها الخاسرة في وجه الدولار.
وقد بات واضحاً أن حاجة البلد إلى العملة الأجنبية ستفوق تدفقات المغتربين، وهذا هو الضغط الحقيقي على الليرة في الفترة القادمة. كما يصعب إيجاد مخرج لهذة الأزمة إلا في حال وقف الحرب والإسراع إلى اتفاق نهائي لتأمين تضامن الدول العربية والدول الصديقة لإنقاذ لبنان.
عزة الحاج حسن - المدن