كبير اقتصاديي الفاو: صدمة غذائية تضرب لبنان

كبير اقتصاديي الفاو: صدمة غذائية تضرب لبنان -- Mar 31 , 2026 5

في خضمّ التصعيد الإقليميّ، يعود الأمن الغذائيّ إلى واجهة المخاطر الكبرى التي تهدّد الاقتصادات الهشّة، خصوصًا في لبنان، حيث تتشابك هشاشة الأسواق مع أزمة الدخل، والاعتماد الكبير على الاستيراد، وارتفاع كلفة الطاقة ومدخلات الإنتاج. وفي وقتٍ تتزايد فيه الضغوط على سلاسل الإمداد العالميّة، تبدو فاتورة الغذاء مرشّحة لمزيد من الارتفاع، فيما يزداد العبء على المزارعين والمستهلكين معًا.

يشرح كبير الاقتصاديين في منظمة الأغذية والزراعة "الفاو" ماكسيمو توريرو في حديثه إلى "المدن"، كيف ينعكس استمرار النزاع الإقليميّ على الأمن الغذائيّ في لبنان، ولماذا يتمثل الخطر الأكثر إلحاحًا في تراجع القدرة الشرائية وارتفاع الكلفة، قبل أن يتحوّل لاحقًا إلى أزمة توافر إذا طال أمد الاضطراب.

في ضوء مذكرة "الفاو" الأخيرة حول التداعيات الزراعية والغذائية للنزاع في الشرق الأوسط، كيف يمكن أن ينعكس استمرار الحرب الإقليمية على الأمن الغذائي في لبنان؟

يشير موجز "الفاو" إلى أن لبنان يشهد بالفعل مستويات مرتفعة ومستمرة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، نتيجة تداخل النزاع والهشاشة الاقتصادية والصدمات المناخية التي سبقت الأزمة الإقليمية الراهنة. ويُظهر أحدث تحليل للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي "IPC" أن نحو 874 ألف شخص، أي ما يقارب 17 في المئة من السكان الذين شملهم التحليل، يواجهون مستويات "أزمة" "المرحلة الثالثة" أو "طوارئ" "المرحلة الرابعة" من انعدام الأمن الغذائي الحاد، خلال الفترة الممتدة بين تشرين الثاني 2025 وآذار 2026. وتشير التوقعات إلى أن هذا العدد قد يرتفع إلى نحو 961 ألف شخص خلال الفترة من نيسان/ أبريل إلى تموز/ يوليو 2026 إذا استمرت الظروف الحالية.

وفي حال استمرار النزاع الإقليمي، سيواجه لبنان صدماتٍ مركّبة. فالضغوط الاقتصادية المستمرة، وبطء تعافي سبل العيش، واستمرار النزوح، وارتفاع تكاليف المدخلات، وتأثر الإنتاج بالجفاف، كلها عوامل تحدّ من الوصول إلى الغذاء وتُضعف أداء الأسواق. كذلك، يبقى لبنان معرّضًا لتداعيات غير مباشرة للنزاع. فعلى سبيل المثال، يؤدّي حظر جمهورية إيران الإسلامية لصادرات الأغذية والمنتجات الزراعية إلى قطع مصدرٍ من السلع الأساسية عن دول الجوار، وقد يواجه لبنان، الذي استفاد تاريخيًا من التجارة الإقليمية، ارتفاعًا في تكاليف الاستيراد وحالةً من عدم اليقين في الإمدادات. وتحذّر "الفاو" من أن أي ضغوط إضافية على الأسواق الغذائية الإقليمية، مثل مزيد من الاضطرابات في طرق التجارة، أو ارتفاع تكاليف النقل، أو زيادة أسعار السلع الأساسية، قد تؤدي إلى دوّامة من تضخم أسعار الغذاء واتساع رقعة الجوع.

إلى أي حدّ يمكن أن تؤدي اضطرابات الطاقة وارتفاع أسعار النفط إلى زيادة كلفة إنتاج الغذاء، وخصوصًا عبر قطاع الأسمدة؟

العلاقة بين اضطرابات الطاقة وارتفاع أسعار النفط من جهة، وارتفاع تكاليف الغذاء من جهة أخرى، علاقة مباشرة وعميقة. فبحسب موجز "الفاو"، تراجعت حركة ناقلات النفط في مضيق هرمز بأكثر من 90 في المئة خلال أيام من اندلاع النزاع، وبلغ سعر خام برنت مؤقتًا ما بين 115 و120 دولارًا للبرميل، فيما ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا بنسبة تراوحت بين 50 و75 في المئة.

ونظرًا إلى أن الغاز الطبيعي يُعدّ المادة الأولية الأساسية لإنتاج الأسمدة النيتروجينية، فإن الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة أدّى مباشرة إلى زيادة تكاليف إنتاج الأسمدة. ففي الأسبوع الأول من آذار، ارتفعت أسعار اليوريا الحبيبية في الشرق الأوسط بنسبة 19 في المئة لتتجاوز 590 دولارًا للطن، كما قفزت أسعار اليوريا المصرية بنسبة 28 في المئة خلال أيام قليلة.

وتتوقع "الفاو" أنه في حال استمرار الأزمة، قد يرتفع متوسط أسعار الأسمدة عالميًا بنسبة تراوح بين 15 و20 في المئة خلال النصف الأول من عام 2026. وعلى عكس النفط، لا يمتلك قطاع الأسمدة احتياطيات استراتيجية منسّقة دوليًا، ما يجعل إدارة اضطرابات الإمدادات أكثر صعوبة. ومن ثمّ، فإن ارتفاع تكاليف الطاقة والأسمدة يرفع كلفة الإنتاج على المزارعين، وقد يدفعهم إلى خفض استخدام الأسمدة، بما ينعكس تراجعًا في الإنتاج وارتفاعًا في أسعار الغذاء للمستهلكين.

كيف تقرأون موقع لبنان ضمن هذه المخاطر، في ظل اعتماده الكبير على الاستيراد الغذائي ومدخلات الإنتاج الزراعي؟

يُعدّ لبنان شديد التأثر بهذه المخاطر، نظرًا إلى اعتماده الكبير على استيراد الغذاء والمدخلات الزراعية. وعلى الرغم من أن موجز "الفاو" لا يقدّم نسبًا محددة لاعتماد لبنان على الاستيراد، فإنه يضعه ضمن فئة البلدان التي تعاني أصلًا مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد نتيجة صدمات سابقة. كما يشير الموجز إلى أن الضغوط الاقتصادية المستمرة، وبطء تعافي سبل العيش، واستمرار النزوح، وارتفاع تكاليف المدخلات، وتأثر الإنتاج بالجفاف، كلها عوامل لا تزال تحدّ من الوصول إلى الغذاء وتؤثر في عمل الأسواق.

وتزداد هشاشة لبنان بسبب موقعه في منطقة تشهد اضطرابات في طرق التجارة. فإغلاق مضيق هرمز يؤثر في الأسعار العالمية للأسمدة والطاقة، ولبنان، كغيره من البلدان المعتمدة على الاستيراد، يدفع كلفة هذه الأسعار العالمية. وعندما تتأثر منطقة تستحوذ على حصة كبيرة من تجارة اليوريا والأمونيا عالميًا، ترتفع الأسعار على الجميع.

إضافة إلى ذلك، يواجه لبنان تداعيات غير مباشرة على المستوى الإقليمي. فحظر جمهورية إيران الإسلامية لصادرات الغذاء والمنتجات الزراعية يؤثر في دول الجوار، وأي تشدّد في سلاسل الإمداد الإقليمية سيؤدي إلى زيادة التكاليف على لبنان. كما تلفت "الفاو" إلى أنَّ تراجع تحويلات العاملين في دول الخليج قد ينعكس ضغوطًا إضافية، بالرغم من عدم توفر تقديرات رقمية محددة للبنان في الوثائق المعتمدة.

في الحالة اللبنانية، هل يبدو الخطر الأكبر مرتبطًا بتوافر الغذاء، أم بارتفاع كلفته وتراجع القدرة على تحمّل الأسعار؟

استنادًا إلى تحليل "الفاو"، يتمثل الخطر الرئيسي بالنسبة إلى لبنان في ارتفاع تكاليف الغذاء وتراجع القدرة الشرائية، بالرغم من أنَّ توافر الغذاء قد يصبح مصدر قلق إذا استمرت الاضطرابات.

ويؤكد موجز "الفاو" أن لبنان يواجه بالفعل مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، مدفوعة بالضغوط الاقتصادية. كما يشير تحليل التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي إلى أن الضغوط الاقتصادية المستمرة، وبطء تعافي سبل العيش، وارتفاع تكاليف المدخلات، كلها عوامل تحدّ من القدرة على الوصول إلى الغذاء. وهذا يعني أن المشكلة الأساسية لمعظم الأسر تكمن في القدرة على تحمّل الأسعار، لا في توافر الغذاء فعليًا في الوقت الراهن.

ومع ذلك، يلفت الموجز إلى أن أي ضغوط إضافية على الأسواق الغذائية الإقليمية، مثل اضطرابات إضافية في طرق التجارة، أو ارتفاع تكاليف النقل، أو زيادة أسعار السلع الأساسية، قد تؤدي إلى تضخم أوسع في أسعار الغذاء وتفاقم الجوع. وفي حال استمرار النزاع وبقاء طرق التجارة مضطربة، قد يصبح توافر الغذاء بدوره مصدر قلق متزايد، مع تشدد سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الاستيراد.

وتُظهر نماذج "الفاو" أنه في حال استمرار الاضطرابات لفترة طويلة، سترتفع أسعار الغذاء عالميًا وتتراجع القدرة الشرائية للأسر. وفي لبنان، حيث تعاني الأسر أصلًا من ضغوط اقتصادية على دخلها، فإن اجتماع ارتفاع أسعار الغذاء مع تراجع القدرة الشرائية يشكّل الأثر الأكثر فورية وحدّة.

ما مدى تأثير ارتفاع أسعار المحروقات والأسمدة على السلسلة الغذائية والإنتاج الزراعي المحلي في لبنان؟

يؤثر ارتفاع أسعار النفط بصورة كبيرة في سلسلة إنتاج وإمداد الغذاء في لبنان عبر قنوات عدة.

أولًا، على مستوى تكاليف الأسمدة، يؤدّي ارتفاع أسعار النفط والغاز مباشرة إلى زيادة تكلفة الأسمدة النيتروجينية. ولبنان، مثل غيره من البلدان المعتمدة على الاستيراد، يواجه أسعارًا عالمية أعلى للأسمدة. وتتوقع "الفاو" أن ترتفع أسعار الأسمدة عالميًا بمعدل يتراوح بين 15 و20 في المئة خلال النصف الأول من عام 2026 إذا استمرت الأزمة. وارتفاع تكاليف الأسمدة يقلّص هوامش ربح المزارعين، وقد يدفعهم إلى تقليل معدلات التسميد، ما يؤدي إلى انخفاض الغلال.

ثانيًا، على مستوى النقل واللوجستيات، يزيد ارتفاع أسعار الطاقة من تكاليف جميع مراحل سلسلة الإمداد الزراعي، بما في ذلك العمليات الزراعية، والري، والنقل، والتخزين، وتجهيز الأغذية. وبالنسبة إلى بلد يعتمد بدرجة كبيرة على استيراد الغذاء، فإن ارتفاع تكاليف الشحن نتيجة زيادة أسعار الوقود، إلى جانب أقساط التأمين على المخاطر المرتبطة بالحرب، التي ارتفعت من 0.25 في المئة إلى ما يصل إلى 10 في المئة من قيمة السفينة، يرفع مباشرة كلفة الغذاء المستورد.

ثالثًا، على مستوى الإنتاج المحلي، يواجه المزارعون اللبنانيون تكاليف أعلى للوقود اللازم لتشغيل الجرارات، ومضخات الري، ومركبات النقل. وهذه الزيادة تضغط على هوامش الربح، وقد تؤدي إلى تراجع الإنتاج.

رابعًا، تشير "الفاو" إلى أن ارتفاع أسعار النفط يزيد من ربحية إنتاج الإيثانول والديزل الحيوي، ما يرفع الطلب على مواد أولية مثل الذرة، وزيت فول الصويا، وزيت النخيل. وهذا يحوّل جزءًا من المحاصيل بعيدًا من الإنتاج الغذائي، ويضيف ضغوطًا صعودية على أسعار الغذاء عالميًا، بما ينعكس على البلدان المعتمدة على الاستيراد مثل لبنان.

وتشير نماذج "الفاو" إلى أن المزارعين يواجهون ضغوطًا كبيرة على هوامش أرباحهم. فعلى المستوى العالمي، قد ينخفض دخل منتجي الحبوب بنسبة 4.8 في المئة في أسوأ السيناريوهات، وقد يشهد منتجو الحبوب في أميركا اللاتينية، الذين يواجهون اعتمادًا مماثلًا على الاستيراد، انخفاضًا يتجاوز 7 في المئة. وعلى الرغم من عدم توفر أرقام محددة للبنان، فإن الهشاشة الهيكلية تبدو متقاربة.

ما الإجراءات الأكثر إلحاحًا التي ينبغي اتخاذها للتخفيف من أثر هذه الضغوط على المزارعين والمستهلكين؟

استنادًا إلى توصيات "الفاو"، تندرج الأولويات الأكثر إلحاحًا ضمن إجراءات قصيرة الأمد تستهدف استقرار الأسواق وحماية الفئات الأكثر ضعفًا.

بالنسبة إلى منتجي الغذاء، تبرز أولًا الحاجة إلى تسهيل الوصول إلى التمويل والدعم المالي. فالمزارعون الذين يواجهون ارتفاعًا في تكاليف الأسمدة والطاقة يحتاجون إلى تمويل فوري لتفادي اختناقات السيولة التي قد تؤثر في قرارات الزراعة والإنتاج. كما ينبغي أن تحمي السياسات العامة المزارعين من الارتفاعات الحادة في أسعار الفائدة.

كذلك، يُعدّ ضمان توافر الأسمدة أولوية أساسية. فمع توقع ارتفاع أسعار الأسمدة عالميًا بنسبة تراوح بين 15 و20 في المئة، ينبغي للحكومات أن تنظر في دعمٍ مستهدف يضمن قدرة المزارعين على الحصول على المدخلات اللازمة لموسم الزراعة المقبل، سواء عبر دعم مؤقت أو تخصيصات استراتيجية. وإلى جانب ذلك، ينبغي وضع سياسات تخفف من تقلبات تكاليف المدخلات، لأن "الفاو" تؤكد أن "جزءًا فقط من زيادة الكلفة يُمرَّر إلى المستهلكين"، وهذا ما يعني أن المزارعين يتحملون القسم الأكبر من صدمات أسعار الطاقة والأسمدة.

أما بالنسبة إلى المستهلكين، فالحاجة ملحّة إلى شبكات أمان اجتماعي ودعم مؤقت وموجّه للفئات الأكثر هشاشة، ولا سيّما في الدول ذات الدخل المحدود التي تواجه ارتفاعًا في تكاليف الاستيراد. كما أن المساعدات الغذائية الطارئة والدعم الإنساني يبدوان ضروريين في البلدان التي تعاني أصلًا انعدام الأمن الغذائي الحاد، بما في ذلك لبنان، حيث يواجه 874 ألف شخص مستويات "أزمة" أو "طوارئ" وفق تصنيف "IPC" .

كذلك، تبرز أهمية مراقبة الأسواق وأنظمة الإنذار المبكر. فالمطلوب أن تواصل الجهات المعنية، مثل "الفاو"، متابعة الأسواق الغذائية بصورة مستمرة لرصد التقلبات والفجوات المحتملة في الإمدادات، بما يسمح بتدخلات سريعة تمنع ارتفاع الأسعار الناجم عن الذعر.

وعلى مستوى نظام الأغذية والزراعة ككل، تحذّر "الفاو" من أن قيود التصدير غير المنسقة تؤدي إلى تفاقم النقص. فقد علّقت الصين صادرات الفوسفات حتى آب/أغسطس 2026، وهذا ما سحب نحو 4.5 ملايين طن من الأسواق العالمية، كما حظرت إيران جميع الصادرات الغذائية والزراعية. لذلك، ينبغي تجنّب مثل هذه الإجراءات الأحادية التي تعمّق الأزمة، والعمل بدلًا من ذلك على تطوير طرق تجارية بديلة عبر سلطنة عمان وتركيا والممر الدولي للنقل الشمالي-الجنوبي، بما يساهم في الحفاظ على تدفق الإمدادات.

وتشير "الفاو" أيضًا إلى ضرورة الحذر من الارتفاعات المفاجئة في الطلب على الوقود الحيوي. ففي ظل ارتفاع أسعار الوقود الأحفوري، ينبغي إدارة الحوافز والدعم المخصصين للوقود الحيوي بعناية، لتجنّب تحويل المحاصيل الغذائية بسرعة نحو إنتاج الطاقة، بما يزيد تقلبات أسعار الغذاء.

في المحصلة، تبدو أزمة لبنان الغذائية مرشّحة للتفاقم لا بسبب نقصٍ فوري في السلع فحسب، بل أساسًا نتيجة تضخّم الكلفة وتآكل القدرة الشرائية. وهذا يعني أن المعركة الفعلية ليست فقط في تأمين الإمدادات، بل أيضًا في حماية القدرة على الوصول إليها. ومن هنا، فإن احتواء الصدمة يتطلّب مزيجًا من الدعم الدولي، والتعاون الإقليمي، والتدخّلات المحلية السريعة، بالتوازي مع أي جهد دبلوماسي يخفّف التوتر ويعيد بعض الاستقرار إلى أسواق الطاقة والغذاء.

جاد هاني - المدن

أقرأ أيضاَ

قرار من وزارة المالية.. هذه تفاصيله

أقرأ أيضاَ

الأسمدة متوافرة حتى إشعار آخر