نزفٌ للدولار في لبنان بسبب عملة رقمية.. أموال تخرج بلا قيود ولا أرقام

نزفٌ للدولار في لبنان بسبب عملة رقمية.. أموال تخرج بلا قيود ولا أرقام -- Apr 30 , 2026 27

ليس صعود استخدام عملة USDT في لبنان تفصيلاً تقنياً يخصّ هواة العملات الرقمية فقط. ما يجري أعمق من ذلك. فـ"الدولار الرقمي" الذي بدأ كحلّ سريع للأفراد والتجار بعد انهيار الثقة بالمصارف، يتحول اليوم إلى قناة مالية موازية قد تُسرّع خروج الدولارات من السوق

اللبنانية من دون أن يظهر ذلك بوضوح في الأرقام الرسمية.
 
الفكرة بسيطة. تاجر لبناني يحتاج إلى دفع ثمن بضاعة في الخارج. في السابق، كان يحتاج إلى مصرف، تحويل، مستندات، وقت، ورسوم. اليوم يستطيع أن يشتري USDT من السوق المحلية بالدولار النقدي، ثم يحوّله خلال دقائق إلى مورد في الخارج. العملية أسرع وأرخص وأقل احتكاكاً بالنظام المصرفي. تقرير لموقع Middle East Transparent أشار إلى أن ما بدأ كحلّ بديل للتجار في لبنان صار تحوّلاً بنيوياً، لأن USDT بات يُستخدم كوسيلة أسرع من المصارف في تسوية المدفوعات الخارجية، لكن هذه السرعة نفسها تجعل حركة الدولار أصعب على الرقابة النقدية.

 

 
هنا تبدأ المشكلة الاقتصادية. لبنان بلد يستورد أكثر بكثير مما يصدّر. أرقام الجمارك، وفق تُظهر أن العجز التجاري ارتفع في 2025 إلى نحو 17.44 مليار دولار، بعدما زادت الواردات إلى ما يقارب 21.08 مليار دولار مقابل صادرات بنحو 3.64 مليارات دولار فقط. هذا يعني أن الاقتصاد يحتاج باستمرار إلى دولارات لتمويل الاستيراد. وعندما تُموَّل هذه الحاجة عبر قنوات USDT، تصبح الدولة أقل قدرة على معرفة الحجم الحقيقي لخروج الدولارات، وأقل قدرة على إدارة الضغط على السيولة.

 
لا يعني ذلك أن كل استخدام لـUSDT هو تهريب أموال أو نشاط غير مشروع. في لبنان، هذه العملة تؤدي أحياناً دوراً عملياً فرضته الأزمة، وهكذا استفادت منها عدة جهات،فالمغترب يريد إرسال مبلغ بسرعة يستفيد منها، وشاب يعمل أونلاين يريد قبض أجره، ايضا يستفيد منها، كما يستفيد تاجر صغير يريد دفع فاتورة، أو اي مواطن لا يثق بالمصرف ولا يريد حمل أوراق نقدية في بيته. كل هؤلاء وجدوا في USDT بديلاً عن نظام مصرفي تعطّل منذ 2019 وترك الناس خارج ودائعهم.

 

 
لكن الفارق بين "حلّ فردي" و"تحوّل اقتصادي" كبير. فعندما تصبح USDT أداة واسعة لتسديد الاستيراد، فإن الدولار النقدي الموجود في السوق يتحول إلى قيمة رقمية قابلة للانتقال خارج الحدود فوراً، وهذا ما لا يمكن أبدا أن يظهر بأوراق الدولة ودفاترها، ففي الواقع، القدرة الشرائية الدولارية غادرت البلد، وهذا هو "النزف غير المرئي.

 
عالمياً، لم تعد العملات المستقرة هامشية."Chainalysis"قالت إن USDT سجّل بين حزيران 2024 وحزيران 2025 حجماً شهرياً بحدود 703 مليارات دولار، وبلغ ذروته عند 1.01 تريليون دولار في حزيران 2025. أما أرقام بنك التسويات الدولية فأشارت إلى أن USDT
و USDC يشكلان معاً نحو 85 في المئة من سوق العملات المستقرة البالغة قرابة 315 مليار دولار، وأن USDT وحده يقترب من 190 مليار دولار متداول عالمياً.
 
في بلد طبيعي، يمكن للنظام المصرفي أن يتعامل مع هذه الظاهرة عبر رقابة واضحة وترخيص منصات وإفصاح ضريبي وقواعد مكافحة تبييض الأموال. لكن في لبنان، الصورة مختلفة. السوق سبقت القانون. لا يوجد إطار لبناني حديث وشامل ينظم استخدام العملات الرقمية أو يحمي المتعاملين بها، فيما يبقى الوضع القانوني في منطقة رمادية.

 
هذا الفراغ يأتي في توقيت حساس. لبنان مدرج على لائحة الدول الخاضعة للمراقبة المتزايدة لدى مجموعة العمل المالي FATF، واللائحة الرمادية لا تعني قطع لبنان عن العالم، لكنها تعني أن البلد تحت نظر إضافي بسبب ثغرات في مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب.
 
بالتالي، ما هو الحل؟
الحل يبدأ من الاعتراف بأن لبنان دخل مرحلة مالية جديدة. هناك اقتصاد نقدي، واقتصاد مصرفي ضعيف، واقتصاد رقمي ينمو في الظل. المطلوب ليس مطاردة كل مستخدم لـUSDT، بل تنظيم نقاط الدخول والخروج: من يبيع؟ من يشتري؟ ما حجم العمليات؟ ما مصدر الأموال؟ هل تُستخدم للاستيراد؟ هل تُصرّح ضريبياً؟ ومن يحمي المواطن إذا انهار السعر أو اختفى الوسيط؟ الخطر الحقيقي ليس في وجود USDT بحد ذاته. الخطر في أن يصبح لبنان بلداً تتحرك فيه الدولارات من اليد إلى المحفظة الرقمية ثم إلى الخارج، بينما الدولة لا ترى إلا جزءاً صغيراً من الصورة. عندها لا يعود السؤال كم دولاراً يملك مصرف لبنان فقط، بل كم دولاراً يغادر السوق كل يوم من دون أن يمرّ بأي دفتر رسمي.

أقرأ أيضاَ

قرار من وزارة المال.. إليكم ما تغيّر بشأن مهلة "صاحب الحق الاقتصادي"

أقرأ أيضاَ

لبنان و"غلاء الحرب": التضخّم يرتفع بنسبة 17.26 بالمئة