بين "الكاش" والمصارف: لماذا تعثّر استبدال الليرة السورية؟ -- May 08 , 2026 4
يجد مصرف سوريا المركزي نفسه أمام استحقاق معقد دفع به نحو إعلان التمديد الثاني لفترة استبدال العملة القديمة بالجديدة حتى 30 حزيران المقبل. هذا القرار، الذي جاء لتكريس ما وصفه الحاكم عبد القادر حصرية بـِ "التعايش" بين الليرتين، يفتح الباب واسعاً أمام تساؤلات جوهرية حول مدى نجاح هذه الجراحة النقدية في بلد ينهكه التضخم. فبينما تتحدث الأرقام الرسمية عن استرداد 56% من الكتلة النقدية القديمة بوتيرة متسارعة وتدفقات يومية تصل إلى 13 مليار ليرة، تعكس الوقائع الميدانية في أسواق حلب وحمص واللاذقية صورة مغايرة؛ إذ لا تزال العملة القديمة هي "السيد" في التداولات اليومية، وسط شح ملموس في الفئات الجديدة لدى شركات الصرافة والحوالات.
فجوة الأرقام والميدان
تثير بيانات المصرف المركزي ارتباكاً لدى المراقبين؛ فبين حديث الحصرية عن استبدال 4 مليارات قطعة نقدية من أصل 14 ملياراً (أي نحو 28.5%)، وبين البيانات اللاحقة التي قفزت بالنسب إلى ما فوق النصف، تبرز فجوة بين "التصميم النظري" والواقع الفعلي. هذا التباين يشي بأن العملية تواجه مقاومة من "ثقافة الكاش" المتجذرة، إذ اعتاد السوريون الاحتفاظ بمدخراتهم بعيداً عن أقنية المصارف التي فقدت دورها كوسيط مالي وتحولت إلى مجرد "صناديق حفظ" أو "ناقل ميكانيكي" للكتلة النقدية. ويرى خبراء أن حصر الاستبدال بالمصارف يهدف بالدرجة الأولى إلى "تحويل طبيعة الرصيد" من نقد مخبأ في البيوت إلى أرقام مرئية تحت سلطة المركزي، مما يسمح بمراقبتها وتجميدها عند الضرورة.
أزمة اقتصاد الكاش
في حديثه مع "المدن"، يرى الخبير المالي والمصرفي الدكتور علي محمد أن تمديد فترة الاستبدال هو إجراء طبيعي يجيزه قانون النقد الأساسي رقم 23 لعام 2002، والذي لا يحدد سقفاً أقصى للمهلة بل يشترط ألا تقل عن ثلاثة أشهر. ويرجع محمد بطء عملية الاستبدال لمجموعة من الظروف، أولها أسباب هيكلية تعود لطبيعة الاقتصاد السوري المتراجع القائم على الاقتصاد النقدي وثقافة "الكاش"، والسبب الثاني هو سياسة المركزي فيما يتعلق بحجم المعروض النقدي المستهدف، إضافة إلى عدم معرفة ما إذا كان هناك توريد مستمر للمصرف المركزي من المطابع المتفق معها أو وجود تعثرات واختناقات في التوريد. ويشير محمد إلى العوامل السلوكية في المجتمع، إذ يرى البعض أن تغيير السلوك النقدي بسرعة أمر غير محبذ، ما يدفعهم لانتظار نهاية الفترة المسموحة للقيام بالاستبدال، لافتاً إلى أن وتيرة الاستبدال شهدت تباطؤاً واضحاً بين شهري آذار ونيسان، كما أن البنية المصرفية في بعض المحافظات كالحسكة والرقة تحتاج لمنافذ أكبر، ويضيف محمد: "إن عملية الاستبدال في هذه المرحلة كانت أحد العوامل التي أثرت سلباً على سعر صرف الليرة السورية".
البنوك: من وسيط تمويل إلى حصالة ورق
من جانبه، يحلل الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي قرار التمديد بوصفه تجسيداً للتشوهات الهيكلية للاقتصاد السوري وفقدان أدوات السياسة النقدية التقليدية، إذ تحول دور الجهاز المصرفي لمجرد ناقل ميكانيكي للكتلة النقدية بعيداً عن وظيفته الجوهرية في الوساطة المالية. ويوضح قوشجي لـِ "المدن"، أن القرار الذي يبدو استكمالاً تقنياً لإحلال 42 تريليون ليرة، ينطوي على مأزق أعمق يتجاوز البعد اللوجستي ليُجسد فقدان أدوات السياسة النقدية التقليدية، وتحوّل دور الجهاز المصرفي إلى مجرد ناقل ميكانيكي للكتلة النقدية، بعيداً عن وظيفته الجوهرية في الوساطة المالية وتغذية النشاط الإنتاجي. مبيناً أن العملية لم تستوعب سوى 50-55% من الكتلة النقدية خارج المصارف نتيجة ظاهرة "الكمون" ووجود أوراق نقدية غير راغبة أو قادرة على العودة للنظام الرسمي، مما يعكس هشاشة الثقة وأزمة في قنوات ضخ السيولة.
ويشير قوشجي إلى أن الرهان على طباعة 14 مليار قطعة ورقية لا يكفي لإعادة تعريف وظيفة النقود بل يقتصر على تغيير هيئتها المادية دون المساس بفائض الكتلة النقدية الإجمالية في ظل غياب استراتيجية لامتصاص الفائض أو توجيهه للادخار والاستثمار، ويضيف: " في الاقتصادات التي تواجه تضخماً جامحاً، يُفترض أن يكون البنك المركزي هو الضابط الأوحد لإدارة السيولة عبر أدوات غير مباشرة كسعر الفائدة الرئيسي ونسبة الاحتياطي الإلزامي. أما في الحالة السورية، فإن عملية الإحلال تجري بمعزل تام عن أي توجه انكماشي أو توسعي، ما يُبقي إدارة النقد ضمن نطاق عدّ الأوراق النقدية لا إدارة فاعلة للسيولة، ويُبقي المصرف المركزي في موقع من يدير مخزوناً ورقياً، وليس مؤسسة تحكم السياسة النقدية".
ويحذر الخبير الاقتصادي والمصرفي من تفريغ الدور التنموي للمصارف وتحويلها إلى مجرد "صناديق حفظ" غارقة في أزمة سيولة تحد من قدرتها على تلبية السحوبات، مبيناً أن الوديعة التي لا تُعبأ لمنح الائتمان تتحول إلى قيد محاسبي جامد، ما يُعطل آلية تكوين رأس المال ويُبقي العملة الجديدة مجرد أوراق تختزل إخفاقات الماضي ما لم تُستعد وظائفها كمخزن للقيمة، ويصف قوشجي الاستبدال بأنه "أحد أبرز المناورات في سياسة الاقتصاد السياسي والنقدي في تاريخ سوريا الحديث؛ فهو ظاهرياً إجراء تقني لمعالجة التضخم وتسهيل المعاملات الحسابية عبر حذف الأصفار، لكنه في الجوهر جراحة عميقة في جسد الثقة المنهكة واعتراف بتعقيدات المشهد النقدي".
مصيدة السيولة المفقودة
ووفق رؤية أكاديمية، يعتقد أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة الدكتور عبد الرحمن محمد أن التمديد هو إجراء طبيعي في ظل اقتصاد غير طبيعي، لكنه يكشف عن فشل في تصميم الخطة التي صُممت بمنطق هندسي معزول عن الواقع الميداني وتجاهلت سرعة تداول النقود وعمق الاختراق المصرفي، خاصة في ظل تآكل الثقة وتعطل البنية التحتية. ويضيف: " يكشف التمديد أن الهدف غير المعلن - وهو إجبار الكتلة النقدية على الدخول إلى الجهاز المصرفي لرسم خريطة واضحة للسيولة وكشف الاقتصاد غير الرسمي - واجه مقاومة شرسة من ثقافة تخبئة النقد السائدة والمتجذرة لعقود، والتي عززتها سنوات الحرب وانعدام الثقة".
ويرى محمد أن حصر الاستبدال بالمصارف يحمل هدفاً مزدوجاً، يشمل محاولة إعادة تعريف الرصيد النقدي وتحويل النقود من التزامات غير مرئية في المنازل إلى أرصدة رقمية مرئية وقابلة للمراقبة والمقاصة، ذلكَ لإخضاع الاقتصاد غير الرسمي للسلطة النقدية. ويشير بصراحة إلى وجود محاولة لتعويض شح السيولة العالية لدى المركزي عبر خلق مبرر لعدم صرف الأموال نقدًا فورًا، إذ يسمح فتح الحسابات المصرفية للمصارف باستخدام هذه الأرصدة كجزء من قاعدة ودائعها لتحسين نسب السيولة لديها شكلياً، بينما يعمل فرض سقوف السحب كحل سحري لمعالجة نقص الأوراق النقدية الجديدة ومنع الهجوم على الفروع، واصفاً العملية بأنها أسر وحبس للسيولة تحت شعار الإصلاح والثقة.
لماذا لا تنقذ المطابع قيمة العملة؟
ويشدد الدكتور عبد الرحمن محمد على أن المشكلة الجوهرية تكمن في "قيمة" الليرة وليس في أعداد أصفارها، معتبراً أن الأثر العملياتي لحذف الأصفار في تسهيل التداول وتقليل عبء العد هو أثر سطحي ومؤقت ما لم تعالج محركات التضخم الأساسية مثل العجز المالي وانهيار الإنتاج والفجوة الاستيرادية وسعر الصرف المشوه.
ويوضح أن الفجوة المستمرة بين السعر الرسمي والموازي هي الدليل القاطع على انكشاف "الوهم النقدي" وفشل الأداة النفسية سريعاً، إذ يقيّم السوق الموازي العملة بناءً على الاحتياطيات الفعلية ومعدل الطباعة والاستقرار السياسي. ويخلص إلى أن السوق الموازي أصبح هو "المركزي الحقيقي" لتسعير العملة بناءً على ندرة الدولار، بينما يظل المركزي الرسمي تابعاً يحاول اللحاق به بآليات إدارية فاشلة، مؤكداً أن مستقبل الليرة يصنع في ورش الإنتاج والميزان التجاري لا في المطابع، وأن أي إصلاح نقدي لا يبنى على أساس متين سيبقى مجرد شاهد قبر أنيق على قيمة متآكلة.
بين زيمبابوي وتركيا: أين تتجه الليرة؟
تُظهر السجلات التاريخية لصندوق النقد الدولي والتقارير الاقتصادية العالمية أن عمليات استبدال العملة وحذف الأصفار ليست حلاً بحد ذاتها، بل تعتمد نتائجها على حزمة الإصلاحات المرافقة؛ ففي التجربة التركية في العام 2005، نجحت أنقرة في حذف ستة أصفار من ليرتها بعد تبني برنامج إصلاحي شامل، وهو ما تكرر في البرازيل في العام 1994 عبر "خطة ريال" التي أنهت تضخماً مفرطاً من خلال ربط العملة بإصلاحات مالية جذرية.
في المقابل، توثق التقارير الاقتصادية إخفاقات حادة في تجارب أخرى، كما في زيمبابوي (2006-2009) وفنزويلا (2008-2021)، حيث لجأت الدولتان لحذف الأصفار مرات متتالية دون معالجة جذور الأزمة المتمثلة في عجز الإنتاج والاعتماد المفرط على الإصدار النقدي لتمويل الميزانية، مما أدى إلى تآكل القيمة الشرائية للعملات الجديدة فور صدورها وعودة التضخم بمعدلات أسرع، وهو ما يثبت علمياً أن استقرار النقد لا يُصنع في المطابع، بل في كفاءة السياسات المالية والإنتاجية الكلية.
رهام علي - المدن