طرابلس: من نهاية الأنابيب إلى عقدة الطاقة في شرق المتوسط

طرابلس: من نهاية الأنابيب إلى عقدة الطاقة في شرق المتوسط -- May 11 , 2026 13

في الشرق الأوسط، لم تعد تُرسم الخرائط بالحبر، بل بتدفّق الطاقة. وكل خط أنابيب يُعاد التفكير به اليوم ليس مجرّد بنية تحتية، بل إعادة توزيع للأدوار بين الدول. من يملك الممرّات، يملك القدرة على التأثير؛ ومن يوفّر البدائل، يكتسب وزنًا يتجاوز حجمه الجغرافي.

في هذا السياق، يعود خط كركوك–طرابلس إلى الواجهة، لا كذكرى من زمن التكامل المشرقي، وإعادة صياغة علاقات الخليج العربي مع هذا المشرق، بل كخيار يتقدّم مع كل اهتزاز هناك. فحين يختنق مضيق هرمز، لا تبحث الدول عن حلول نظرية، بل عن مسارات جاهزة، أو قابلة للإحياء بسرعة.

هرمز يضيق… والبدائل تُفرض

الاختناق الذي يطال هرمز لا يُقاس فقط بحجم التدفّقات، بل بدرجة الاعتماد عليه. بالنسبة للعراق، حيث تمرّ الغالبية الساحقة من صادراته عبر الجنوب، فإن أي تعطّل يتحوّل إلى أزمة سيادية. البدائل القائمة -ولا سيما عبر تركيا- تبقى محدودة القدرة ومقيّدة بالتوازنات السياسية والكلفة المادية التي باتت تزداد على العراق بشكل دائم.

هنا تحديدًا، يبرز المسار المتوسطي عبر طرابلس كـ"رئة طوارئ" قادرة على امتصاص جزء من الصدمة. ومع كل تعثّر في طرق الإمداد التقليدية، تتقدّم الخطوط القديمة من الهامش إلى صلب الحسابات.

تقرير باسل فليحان: من إعادة البناء إلى إعادة التشغيل

ما تقترحه المذكرة الصادرة عن معهد باسل فليحان المالي والاقتصادي -والتي أعدّتها الدكتورة لمياء المبيض بساط بالتعاون مع الخبيرة ديانا القيسي- هو تغيير في منطق التفكير، لا في تفاصيل المشروع. فهي تنقل النقاش من "هل نبني؟" إلى "كيف نشغّل فورًا؟".

تنطلق المذكرة من ميزة حاسمة: البنية القائمة (Brownfield). فبدل الانشغال بإعادة إنشاء مصفاة أو إطلاق استثمارات ضخمة طويلة الأمد، تركّز على تشغيل منشآت طرابلس وخطوطها التاريخية المصمّمة أساسًا لاستقبال نفط كركوك. هذه المقاربة تختصر الزمن والكلفة، وتفتح الباب أمام مرحلة أولى سريعة ترتكز على العبور والتخزين والتصدير.

لكن المسألة لا تقف عند البعد التقني. فالمذكرة تعيد تعريف موقع لبنان ضمن سلسلة القيمة: من دولة هامشية في سوق الطاقة إلى شريك يحقّق إيرادات من رسوم العبور، والمناولة، والتخزين، والشحن. وهي عائدات قد تبدو محدودة في بدايتها، لكنها تعيد تثبيت موقع لبنان في معادلة أمن الطاقة الإقليمي.

وتذهب المقاربة أبعد، عبر ما يمكن تسميته "المسار الواقعي": أي حصر المشروع بوظيفته الأساسية -نقل النفط الخام إلى المتوسط-وتأجيل التعقيدات المرتبطة بالتكرير أو تقاسم المشتقات. فكلما اتّسع النقاش، ارتفعت احتمالات التعطيل؛ وكلما ضاق إلى جوهره، زادت فرص التنفيذ.

وفي هذا الإطار، تطرح المذكرة فكرة "مبادرة التسعين يومًا": مسار تقني-دبلوماسي متزامن بين العراق وسوريا ولبنان، يهدف إلى بلوغ جاهزية أولية للتشغيل. قد تبدو المهلة طموحة، لكنها تعكس إدراكًا بأن عامل الزمن بات جزءًا من المعادلة، وأن نافذة الفرصة ليست مفتوحة إلى ما لا نهاية.

عندما تتحوّل التقارير إلى سياسة

ما تقوله الدراسات بدأ يجد طريقه إلى الواقع. في لقاء جمعني منذ أشهر قليلة بسفير العراق في لبنان، السيد محمد الحسيني، كان واضحًا أن إعادة تفعيل خط كركوك-طرابلس لم تعد مجرّد فكرة قيد التداول، بل بندًا أساسيًا في جدول أعمال بغداد.

أشار السفير إلى أن من بين مهامه الرئيسية العمل على إعادة تشغيل هذا الخط، نظرًا لحاجة العراق إلى منافذ تصدير إضافية خارج الخليج. والأهم، أن نقاشًا معمّقًا قد بدأ بالفعل مع الجانب السوري، فيما يشبه الإعداد لمسار ثلاثي ينتظر تبلور الموقف اللبناني.

في تلك اللحظة، لم يعد الخط احتمالًا تقنيًا، بل مشروعًا سياسيًا قيد التشكّل. والأهم: مشروع ينتظر قرارًا لبنانيًا، لا فكرة عراقية.

بين الحاجة والمخاطر: لماذا يعود المسار اللبناني؟

هذا الاندفاع العراقي نحو البحث عن منافذ بديلة لا يجري في فراغ. فبحسب تقرير حديث لموقع أمواج ميديا Amwaj Media، يواجه العراق ما يمكن وصفه بـ"جدار أخطار" في محاولته تطوير مسارات تصدير جديدة نحو الغرب، سواء عبر الأردن أو غيره. فهذه المشاريع، رغم ضرورتها، تصطدم بتحديات أمنية وسياسية وكلفة عالية، فضلًا عن الزمن الطويل اللازم لإنجازها.

ويزداد الضغط مع حقيقة أن نحو 90% من الموازنة العراقية تعتمد على عائدات النفط، ما يجعل أي تعطّل في التصدير أزمة مالية مباشرة لا تحتمل التأجيل.

في هذا السياق، تتغيّر معادلة الخيارات. فبدل الاستثمار في مسارات جديدة بالكامل، يكتسب إحياء الخطوط القائمة، مثل كركوك–طرابلس، أفضلية واضحة: كلفة أقل، زمن أقصر، وبنية يمكن إعادة تشغيلها بدل بنائها من الصفر. ففي لحظة تضيق فيها الخيارات، لا تُختار أفضل المشاريع… بل أكثرها قابلية للتنفيذ.

طرابلس: تقاطع النفط والغاز

إذا كان خط كركوك–طرابلس يعيد للبنان موقعه في خريطة النفط، فإن خط الغاز العربي يفتح أمامه بعدًا مكمّلًا لا يقل أهمية. يمتد هذا الخط من مصر عبر الأردن وسوريا وصولًا إلى شمال لبنان، وهو اليوم في طور إعادة التفعيل لتغذية معامل الكهرباء.

عند هذه النقطة، يتقاطع المساران:

- نفط عراقي يتجه نحو المتوسط عبر طرابلس

- غاز إقليمي يصل إلى الشمال لتغذية الداخل

- بنية لوجستية بحرية تربط الاثنين بالأسواق

هنا تحديدًا، تتحوّل طرابلس من نهاية جغرافية إلى عقدة وظيفية: ما يدخلها طاقة، وما يخرج منها نفوذ.

سوريا… الممر الإلزامي

في كلا المشروعين، تبقى سوريا العامل الحاسم. فهي الممر الجغرافي الذي لا يمكن تجاوزه، والشريك الأمني، والطرف القادر على التأثير في شروط التشغيل.

وهذا ما يضع لبنان أمام معادلة دقيقة: الاستفادة من الفرصة تمرّ حتمًا عبر التنسيق مع دمشق، لكن من دون أن يتحوّل هذا التنسيق إلى ارتهان. بين الجغرافيا والسياسة، تصبح إدارة العلاقة جزءًا من إدارة المشروع نفسه.

ما يجب ان يتشكّل اليوم ليس مشروعًا واحدًا، بل نواة نظام طاقة إقليمي. النفط يعيد الدور الخارجي، والغاز يعيد الوظيفة الداخلية، وطرابلس تقف عند نقطة التقاطع.

كل العناصر متوافرة: بنية قائمة، حاجة عراقية، مسار قيد التفاوض، وفرصة إقليمية واضحة.

ما ينقص هو عنصر واحد: القرار.

في الختام …طرابلس ليست نهاية خط. هي اختبار لبلدٍ يعرف موقعه… ولا يعرف كيف يستخدمه. بين أن تكون ممرًا للطاقة أو ممرًا للأزمات، القرار ليس في الجغرافيا، بل في السياسة.

خلدون الشريف - اساس ميديا

أقرأ أيضاَ

شحنة غاز قطرية جديدة تقترب من هرمز في طريقها إلى باكستان

أقرأ أيضاَ

رئيس جمعية تجار جونية وكسروان الفتوح: مستمرون ولو بالحد الأدنى