الشلل يضرب قطاع السيارات المستعملة -- May 12 , 2026 16
يشهد قطاع السيارات المستعملة في لبنان أزمة خانقة تتفاقم منذ عام 2019، بفعل الانهيار الاقتصادي المتواصل، لتأتي التطورات الأمنية الأخيرة وتضيف مزيدًا من التعقيد إلى واقع هذا القطاع. وبين تراجع القدرة الشرائية وغياب الاستقرار، دخل السوق في حالة شبه شلل انعكست مباشرة على حركة البيع والاستيراد.
يمرّ قطاع السيارات المستعملة بمرحلة تُعدّ الأصعب منذ سنوات، حيث توقفت العمليات التجارية بشكل شبه كامل، وتكدست السيارات في المعارض والمرافئ، فيما تتآكل قيمتها السوقية تدريجيًا في ظل غياب الطلب واستمرار التكاليف، كما يقول نقيب المستوردين إيلي قزي. ولا يقتصر تأثير الأزمة على تجارة السيارات فقط، بل يمتد ليطال قطاعات مرتبطة بها بشكل مباشر، أبرزها التأجير والخدمات اللوجستية، بما يعكس عمق التراجع الاقتصادي واتساع دائرة الخسائر، في وقت تبدو فيه آفاق الحل مرهونة بأي تحسن في الاستقرارين الأمني والسياسي.
يضيف قزي: "القطاع يتلقى الضربات المتتالية منذ عام 2019، ويعاني أزمات متراكمة، لتأتي الحرب الإسرائيلية عام 2024 وتفاقم الوضع بشكل كبير".
ويلفت إلى أن "قطاع السيارات يُصنّف لدى البعض ضمن الكماليات، إلا أن شريحة واسعة من المواطنين تعتبر السيارة من الأساسيات التي لا يمكن الاستغناء عنها في الحياة اليومية. لكن في ظل الأوضاع الاقتصادية والأمنية الصعبة، يفضّل المواطن التريث في شراء سيارة إلى حين اتضاح المشهد، خصوصًا أن الأولوية تصبح لتأمين الحاجات الأساسية للعائلة والأولاد. ومع كل أزمة، يكون قطاع السيارات من أول القطاعات المتضررة، ما يدفع الناس إلى تجميد قرارات الشراء وانتظار ما ستؤول إليه الأمور".
ويشير إلى أن "الوضع الحالي هو وضع حرب بكل ما للكلمة من معنى، وعملنا اليوم متوقف بالكامل، إذ يمكن القول إن نسبة الحركة باتت صفرًا في المئة. السيارات مكدّسة في المعارض، والشمس والعوامل الطبيعية تؤثر فيها بشكل مباشر، فيما تتراجع أسعارها وقيمتها السوقية يومًا بعد يوم، ما يعني أننا نتكبد خسائر متواصلة. هناك عدد كبير من المعارض يعيش أزمة حادة جدًا، ووضع القطاع بات في غاية الصعوبة".
ويؤكد أن "الأزمة لا تقتصر على قطاع السيارات وحده، بل تمتد إلى عشرات القطاعات المرتبطة به بشكل مباشر وغير مباشر، والتي تشهد بدورها حالة شلل وتراجع حاد في الأعمال".
النقطة الأخطر
أما النقطة الأخطر، فتتمثل في أن "القطاع كان يعوّل بشكل أساسي على موسم الصيف، وقد بدأ التجار التحضير له منذ أشهر، كما جرت العادة سنويًا. وعند التحضير للموسم، يتم طلب البضائع مسبقًا، علمًا أن وصول السيارات من الولايات المتحدة الأميركية يحتاج إلى ما بين ثلاثة وأربعة أشهر. واليوم بدأت هذه السيارات تصل تباعًا إلى مرفأ بيروت، لكن المشكلة تكمن في غياب حركة البيع والتصريف".
يتابع: "عندما تتوقف عمليات البيع، تنعدم السيولة اللازمة لتخليص السيارات جمركيًا وإخراجها من المرفأ إلى المعارض، ما يعني أننا أمام خسارة مزدوجة: في المرفأ ترتفع الغرامات والتكاليف، وفي المعارض لا توجد أي حركة بيع، فيما تستمر السيارات بخسارة قيمتها تدريجيًا".
ويختصر قزي المشهد بالقول: "وضعنا مزرٍ جدًا"، معربًا عن أمله في "أن تهدأ الأوضاع الأمنية والسياسية"، ومشيرًا إلى أن العاملين في القطاع "لا يعوّلون على الدولة أو على أي جهة أخرى، بل كل ما يحتاجون إليه هو الاستقرار الأمني والسياسي، لأن القطاع يمتلك القدرة على النهوض مجددًا إذا توفرت الظروف المناسبة. ونحن ندرك منذ سنوات أن الدولة نفسها تعاني أزمات مالية كبيرة، وبالتالي لا نتوقع منها أي دعم فعلي".
وفي ما يتعلق بالمصارف، يلفت إلى أن "التسهيلات المصرفية شبه متوقفة بالكامل، ما يزيد من حجم الضغوط التي نعيشها ويضعنا في موقف بالغ الصعوبة والإحراج".
أما بالنسبة إلى اليد العاملة في القطاع، فيوضح أن "الموظفين موجودون معنا منذ سنوات طويلة، ولا يمكن التخلي عنهم أو اقتطاع رواتبهم بمجرد توقف العمل لشهر أو شهرين. وحتى الآن لم يتم حسم أي جزء من الرواتب، لكن إذا استمرت الأزمة لفترة أطول فقد نضطر إلى خفض المعاشات، وإذا طال الوضع أكثر، فلن يقتصر الضرر على الموظفين فقط، بل إن العديد من المؤسسات قد تضطر إلى الإقفال وإعلان الإفلاس".
قطاع التأجير
في ما يتعلق بقطاع تأجير السيارات، يشير قزي إلى أن "الأزمة هنا أيضًا كبيرة، وحتى في الظروف الطبيعية لا يمكن لهذا القطاع أن يعتمد فقط على موسم الصيف. فالشركات التي تمتلك ما بين 200 و300 سيارة تحتاج إلى العمل على مدار السنة لتغطية مصاريفها وتحقيق الحد الأدنى من الاستمرارية".
يضيف: "أما في زمن الحرب، فحركة التأجير تكاد تكون معدومة، ومن يلجأ إلى استئجار سيارة يكتفي غالبًا بالاستخدام المحلي وبأسعار متدنية جدًا. فإذا كان سعر إيجار السيارة يبلغ 30 دولارًا، يتم تأجيرها اليوم مقابل 15 دولارًا فقط. وبالتالي فإن قطاعي استيراد السيارات وتأجيرها يعيشان المعاناة نفسها، شأنهما شأن مختلف القطاعات الاقتصادية في البلد، فيما لم يعد الوضع قابلاً للتحمّل، والجميع بات بحاجة إلى حلول فعلية بعدما بلغ التعب مداه".
في ظل هذا الواقع، يبدو قطاع السيارات المستعملة في لبنان أمام مرحلة دقيقة وغير مسبوقة من الضغوط المتراكمة، حيث تتداخل الأزمة الاقتصادية مع التوترات الأمنية لتعمّق حالة الشلل في السوق. وبين تراجع الطلب وغياب السيولة وارتفاع الأكلاف، تتوسّع دائرة الخسائر لتطال مختلف العاملين في هذا القطاع والقطاعات المرتبطة به.
ورغم الصورة القاتمة، يبقى الأمل معقودًا على أي انفراج في المشهدين الأمني والسياسي، باعتباره الشرط الأساسي لعودة الحركة تدريجيًا إلى السوق وإعادة تفعيل الدورة الاقتصادية. من دون الاستقرار، تبقى كل محاولات النهوض محدودة ومؤقتة.
رماح هاشم - نداء الوطن