أضاحي العيد في لبنان... الحرب ترفع الأسعار وتُضعف الطلب

أضاحي العيد في لبنان... الحرب ترفع الأسعار وتُضعف الطلب -- May 25 , 2026 218

يحل عيد الأضحى هذا العام على اللبنانيين وسط أجواء من القلق والحذر، مع استمرار المخاوف من توسّع نطاق الحرب على الجبهة اللبنانية أو حتى إقليمياً. ففي وقت اعتاد فيه كثير من اللبنانيين على إحياء شعائر العيد من خلال شراء الأضاحي وذبحها وتوزيعها على الأقارب والمحتاجين، تبدو هذه الطقوس شبه غائبة اليوم بفعل الظروف الاقتصادية الصعبة ونزوح أعداد كبيرة من السكان من مناطق مختلفة في لبنان. ويشكل أيضاً ارتفاع أسعار المواشي المستوردة عبئاً على العائلات، خصوصاً مع زيادة كلفة الشحن والتأمين المرتبطة بالحرب وارتفاع أسعار النقل عالمياً، وهو ما يجعل شراء الأضحية أكثر صعوبة مقارنة بالسنوات السابقة.

حركة الأسواق

تبدو حركة أسواق المواشي في لبنان خجولة جداً هذا العام، ولا تعكس أجواء اقتراب عيد الأضحى كما في السنوات الماضية، فيما يشير عدد من الباعة إلى أن الحركة تكاد تكون معدومة في بعض المناطق بفعل الحرب وتراجع القدرة الشرائية لدى اللبنانيين.

يقول ربيع هاشم من سكان منطقة الضاحية الجنوبية إنه اعتاد كل عام على شراء أضحية العيد وتوزيعها على سكان الحي حيث يسكن، إلا أنه هذا العام لن يتمكن من شراء اللحوم وتوزيعها بسبب ظروف الحرب.

ويشير إلى أن الأولويات تبدّلت لدى كثير من العائلات، بسبب تأثيرات الحرب على كافة النواحي الاقتصادية والإنسانية، ما جعل شراء الأضحية أو توزيع اللحوم أمراً يفوق قدرة الكثيرين.

من جهته يقول أحد باعة اللحوم منير الحاج في العاصمة بيروت إنّ "حركة شراء الأضاحي تكاد تكون معدومة هذا العام مقارنة بالسنوات السابقة"، مشيراً إلى أنه لم يبع سوى خروفين فقط للتضحية حتى الآن، وقد جاء ذلك بناءً على طلب شخصين مغتربين أرادا تقديم الأضحية لعائلتيهما في لبنان. اللافت هذا العام بحسب الحاج غياب الطلبات المحلية بشكل شبه كامل، إذ لم يتلقّ أي توصية أو طلب من سكان المنطقة كما جرت العادة في الأعياد السابقة.

لائحة الأسعار

يعدّ سعر الأضحية في لبنان مرتفعاً نسبياً مقارنة مع القدرة المعيشية ومستوى الرواتب المعمول به. إذ يبدأ سعر الخروف الصغير من 300 دولار. أما المتوسط، وهو الأكثر طلباً، فيبدأ من 450 دولار ويرتفع بحسب الحجم والنوعية ليصل إلى 550 دولاراً، اما بالنسبة إلى سعر العجول فيبدأ من 1300 دولار ويصل إلى 2500 دولار.

ولا ينفي ماجد عيد أمين سر نقابة القصابين ومستوردي المواشي في لبنان ارتفاع أسعار المواشي هذا العام مقارنة بالعام الماضي.

ويقول في حديث إلى "المدن": منذ العام 2020 بدأت أسعار المواشي ترتفع سنوياً بمعدلات تتراوح ما بين 5 و10 في المئة. إلا أن الأسعار شهدت ارتفاعاً لافتاً هذا العام مقارنة بالعام الماضي، إذ ارتفع سعر اللحم البرازيلي الضعفين، فيما سعر اللحم الأوروبي زاد ثلاثة أضعاف"، لافتاً إلى أنه منذ بداية العام بدأت الأسعار ترتفع بمعدلات أعلى من السابق.

فقد ارتفع سعر كيلو اللحم الحي، بحسب رصد الأسعار في عدد من الأسواق، بما يقارب 8 إلى 10 دولارات بين العام الماضي والحالي، وبات سعر الكيلو يقارب 14 دولاراً مقابل 7 دولارات سابقاً، وبالتالي فإن سعر الأضحية يتراوح اليوم ما بين 450 و500 دولار.

بحسب عيد، فإن ارتفاع الأسعار منذ بداية العام وحتى الأن أثّر بشكل واضح على المبيعات، وهو ما يمكن ملاحظته على مستويين: الأول يتعلق بالقصابين، إذ انخفضت نسبة الشراء إلى أكثر من 50 في المئة، والمستوى الثاني مناطقياً، إذ انخفضت نسبة المبيعات من مناطق الضاحية الجنوبية لبيروت، والبقاع وانعدمت إلى حد كبير في جنوب لبنان.

يتفق نقيب مستوردي اللحوم غابي دكرمجيان مع عيد بشأن ارتفاع أسعار وانخفاض نسبة المبيعات. ويقول لـ"المدن": ارتفع سعر اللحم المستورد منذ بداية العام نحو 35 في المئة بسبب ارتفاع أسعار الشحن والتأمين والأوضاع الجيوسياسية الحالية، الأمر الذي أدى إلى تراجع نسبة المبيعات إلى أكثر من 35 في المئة، فيما وصلت إلى 40 و50 في المئة في العديد من المناطق التي تشهد حرباً في الجنوب اللبناني".

التضامن والمشاركة

ارتفاع الأسعار هذا لم يشكل عائقاً امام بعض العائلات التي فضّلت الحفاظ على ممارسة هذه الشعائر رغم التحديات، ولكن بأشكال مختلفة عن السابق. ولفتت باسمة عيسى،وهي معلمة نزحت من جنوب لبنان في حديثها إلى "المدن"، إلى أنها وشقيقاتها سيتقاسمن سعر الأضحية هذا العام ويوزّعنها على العائلات النازحة.

وتقول: اعتدنا منذ سنوات على ممارسة هذه الشعائر خلال عيد الأضحى، وهذا العام بسبب ضغوط الحرب قررنا مقاسمة سعرها بالتساوي. تشير إلى أنها فضلت توجيه الأضحية نحو العائلات الأكثر حاجة والتضامن مع النازحين الذين يعيشون ظروفاً معيشية صعبة، معتبرة أن الحفاظ على روح العيد لا يرتبط بحجم الأضحية بقدر ما يرتبط بمعاني التكافل والمساندة الاجتماعية.

في ظلّ الحرب والأزمة الاقتصادية، تتراجع طقوس عيد الأضحى في لبنان هذا العام، ليس فقط بسبب ارتفاع أسعار الأضاحي وتراجع القدرة الشرائية، بل أيضاً نتيجة تبدّل أولويات الناس تحت ضغط النزوح والخوف وعدم الاستقرار.

وبين أسواق خافتة الحركة وعائلات عاجزة عن الحفاظ على عاداتها كما في السابق، تبقى محاولات التضامن وتقاسم الأضحية بين الأهالي دليلاً إلى تمسّك اللبنانيين بروح العيد ومعانيه الإنسانية. فحتى وإن غابت مظاهر الاحتفال التقليدية، لا تزال قيم التكافل والمساندة حاضرة كوسيلة لمواجهة قسوة الظروف والحفاظ على ما تبقى من الأمل.

بلقيس عبد الرضا - المدن

أقرأ أيضاَ

الحرب تعمّق الانكماش إلى 10%… و"الحبل على الجرّار"

أقرأ أيضاَ

حبيب: تأمين خطوط ائتمان إضافيّة تسمح بتوسيع القدرة على منح قروض