الفحم يساعد الصين على تجاوز أزمة هرمز.. والهند تريد استنساخ التجربة -- May 25 , 2026 22
أدى إغلاق مضيق هرمز إلى دخول صناعة الكيماويات الآسيوية الضخمة في حالة اضطراب شديد. فبعد تقلص إمدادات مثل الغاز الطبيعي القطري والنفط السعودي، بدأت مصانع الأسمدة والبلاستيك في آسيا تخفض إنتاجها، أو حتى تغلق أبوابها. ويحدث ذلك في كل مكان، باستثناء الصين.
في قطاع البتروكيماويات، تُعدّ الصين حالة فريدة. فإلى جانب الصناعة التقليدية التي تستخدم النفط والغاز كمادةً أولية، لديها إنتاج مواز يعتمد على الفحم المحلي الوفير. وليس مفاجئاً أن ترغب الهند وقوى إقليمية أخرى في نسخ الطريقة الصينية وتطبيقها. لكن ذلك لن يكون سهلاً، ولن يكون صديقاً للمناخ.
العواقب ستكون عالمية. فالصين والهند معاً تستهلكان 70% من فحم العالم، لذلك فإن أي استخدام إضافي سيُبقي أكثر أنواع الوقود الأحفوري تلويثاً مطلوباً لمدة أطول. المزيد من الاستهلاك يعني مزيداً من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون ومزيداً من الاحترار المناخي.
الفحم والكيماويات في آسيا
تُعدّ صناعة تحويل الفحم إلى كيماويات في الصين مساهماً ضخماً في ذلك. لنأخذ اليوريا مثلاً، وهي سماد نيتروجيني مهم يُستخدم في زراعة الأرز والذرة. تنتج الصين نحو 80% من هذه المادة من الفحم، بينما تصنع الهند تقريباً كل اليوريا الخاصة بها من النفط والغاز.
ورغم حجمها الهائل، بقيت الصناعة الصينية بعيدة إلى حد كبير عن دائرة الاهتمام. ومع ذلك، فهي تستهلك نحو 380 مليون طن متري من الفحم كمادةً أولية. ولو كانت دولة، لاحتلت المرتبة الثالثة بين أكبر مستهلكي الفحم، بعد الصين والهند، وقبل الولايات المتحدة واليابان وغيرها من كبار مستخدمي الفحم.
تعهّدت الهند بتخصيص ما يقرب من 4 مليارات دولار لإطلاق نشاط تحويل الفحم إلى كيماويات بسرعة، مستهدفةً معالجة ما يصل إلى 75 مليون طن من الوقود الأحفوري وتحويله إلى أسمدة وبلاستيك ومنتجات صناعية أخرى بحلول عام 2030.
وستغطي حكومة نيودلهي 20% من تكلفة بناء المصانع الجديدة، كما ستساعد في تخصيص احتياطيات الفحم للمشروعات المقبلة، بما يضمن إمدادات طويلة الأجل.
لماذا تراهن الهند على الفحم؟
هذه الصناعة الناشئة تمنح الهند المزايا نفسها التي جذبت الصين قبل عقود.
أولاً، تعزز أمن الطاقة. فالهند غنية بالفحم، لذلك فإن كل ما تنتجه من البتروكيماويات بهذه الطريقة لا يحتاج إلى نفط وغاز أجنبيين. ثانياً، استخدام الفحم في صناعة الأسمدة يحسن الأمن الغذائي للبلاد، وهو أولوية حكومية أخرى.
ثم تأتي الفوائد الاقتصادية، من خلال خفض فاتورة استيراد النفط والغاز، وبالتالي تخفيف الضغط على النقد الأجنبي في البلاد.
وأخيراً، توفر هذه الصناعة طريقة جديدة لاستخدام الإمدادات المحلية، ما يدعم المستهلكين التقليديين لصناعة الفحم، وهم محطات الكهرباء وأفران الصلب وشركات الأسمنت، ومن ثم يطيل عمرها. ويوظف تعدين الوقود الأحفوري نحو 750 ألف شخص في الهند، ويمثل مصدراً حيوياً للوظائف في عدة ولايات.
مع ذلك، لن يكون تكرار النموذج الصيني سهلاً. المشكلة الأولى التي تواجه نيودلهي هي المادة الأولية نفسها. فالفحم الهندي المحلي يحتوي على نسبة عالية جداً من الرماد، ما يجعل تحويله بسهولة إلى كيماويات أمراً صعباً.
وهناك عائق آخر يتمثل في التكنولوجيا. أمضت الصين العقدين الماضيين في إعادة ابتكار عملية الاستخلاص الأصلية، المعروفة باسم تخليق "فيشر-تروبش"، نسبةً إلى الكيميائيين الألمانيين اللذين حصلا على براءة اختراع التقنية قبل قرن.
لا تملك الهند الخبرة نفسها، خصوصاً في المجالات الأكثر تقدماً، حيث يُحوّل الفحم إلى ميثانول لإنتاج سلع مثل الأوليفينات، التي تُستخدم في صناعة البلاستيك.
تحديات التكنولوجيا والتمويل
المال عقبة أيضاً. فمن دون مزيد من الدعم الحكومي، ستجد الشركات صعوبة في إنتاج الأسمدة وغيرها من المنتجات بأسعار تظل قادرة على المنافسة عندما تنخفض أسعار الغاز الطبيعي والنفط، أو في حال انخفاضها.
أطلقت الهند مخططها الأصلي لتحويل الفحم إلى كيماويات في عام 2020، لكنها لم تبنِ الكثير. وفي عام 2024، بعد ارتفاع أسعار الغاز، عرضت أموالاً لتحفيز المشروعات، لكن عدداً قليلاً من الشركات قبل الدعم. والآن ضاعفت الدعم المالي 4 مرات، وللمرة الأولى يبدو القطاع الخاص مستعداً.
إذا نجحت نيودلهي، ستطول فترة الاعتماد على الفحم، في تطور غير متوقع. والوضع الحالي قاتم بالفعل، إذ ارتفع الطلب العالمي على الوقود الأحفوري إلى مستوى تاريخي في العام الماضي، وكل المؤشرات توحي بأنه سيسجل رقماً قياسياً آخر في عام 2026، وسيظل قريباً من مستوياته المرتفعة لعدة سنوات أخرى.
ووفرت أزمتا النفط في عامي 1973 و1979 دفعةً ضخمة للفحم، خصوصاً بين الدول الأكثر تصنيعاً، إذ استُخدم كبديل للنفط في توليد الكهرباء. هذه المرة يتعلق الأمر بالكيماويات، لكن تأثير صدمة مضيق هرمز يهدد بأن يكون مشابهاً.
المصدر:
بلومبرغ