رغم الحرب: المزيد من الارتفاع في الإيرادات الجمركيّة -- Jun 01 , 2026 10
طوال أشهر العام الماضي، سجّل لبنان قفزات متتالية في حجم الإيرادات الجمركيّة، مقارنة بأرقام السنة السابقة. وعُزي هذا التطوّر إلى جملة من العوامل، ومن بينها التشدّد في ضبط المعابر البحريّة والبريّة والجويّة، وزيادة الاستهلاك في ظل الانتعاشة الخجولة التي شهدها لبنان وقتها.
وخلال الربع الأوّل من العام الحالي، ورغم بدء الحرب في بدايات شهر آذار الماضي، سجّل لبنان نمطًا مشابهًا. إذ استمرّت الإيرادات الجمركيّة بالارتفاع مقارنة بأرقام العام الماضي، وبنسب تعكس الزيادة الحاصلة في قيمة الاستيراد والاستهلاك المحلّي، فضلًا عن استمرار الإجراءات المفروضة للضبط الجمركي. وبذلك، وفي مقابل الانخفاض الحاصل في أبواب الإيرادات الضريبيّة الأخرى، لم تتأثّر الإيرادات الجمركيّة بشكلٍ سلبيّ بالحرب الدائرة اليوم.
الزيادة في حجم الإيرادات الجمركيّة
تشير الأرقام إلى أنّ الدولة اللبنانيّة حصّلت خلال الربع الأوّل من العام الحالي ما يقترب من 19.32 ترليون ليرة لبنانيّة من الإيرادات الجمركيّة؛ أي ما توازي قيمته 216 مليون دولار أميركي بسعر الصرف الرائج حاليًا. مع الإشارة إلى أنّ حجم هذه الإيرادات الجمركيّة كان قد بلغ، خلال الفترة المماثلة من العام الماضي، نحو 17.57 ترليون ليرة لبنانيّة، أو 196 مليون دولار أميركي. وبهذا الشكل، تكون الدولة اللبنانيّة قد سجّلت هذا العام زيادة سنويّة بنسبة 10 بالمئة، في الإيرادات الجمركيّة، مقارنة بالعام السابق 2025.
وتجدر الإشارة إلى أنّ حجم الإيردات الجمركيّة في الفترة المماثلة من العام 2024 كان قد بلغ 10.01 ترليون ليرة لبنانيّة، أو 112 مليون دولار أميركي. وهذا ما يعني أنّ حجم الإيرادات الجمركيّة سجّل على مدى العامين الماضيين ارتفاعًا بنسبة 93 بالمئة، عند مقارنة الأرقام الحاليّة بأرقام عام 2024، وبالنسبة للربع الأوّل من كل عام. وإذا استمرّ لبنان بتحصيل الواردات الجمركيّة خلال العام الحالي بنفس وتيرة الربع الأوّل من السنة، فمن المرتقب أن تتجاوز قيمة الواردات الجمركيّة -على أساس سنوي- 865 مليون دولار أميركي.
ومن المهم التنويه هنا إلى أنَّ ارتفاع قيمة الواردات الجمركيّة بين عامي 2024 و2026 لم يرتبط بمسألة تصحيح سعر الصرف الجمركي، حيث جرى تصحيح سعر الصرف هذا على مراحل قبل العام 2024. فمن الناحية العمليّة، تم رفع سعر الصرف المعمول به لتحصيل الواردات الجمركيّة في كانون الأول 2022، من 1,507.5 ليرة لبنانية للدولار إلى 15,000 ليرة للدولار، قبل أن يُرفع إلى 45,000 ليرة للدولار في آذار 2023، ثم إلى 60,000 ليرة للدولار في نيسان 2023. ولاحقاً، ابتداءً من أيار 2023، تم ربط سعر الصرف الجمركي بمنصة صيرفة، والذي كان يبلغ حينها 86,300 ليرة للدولار، قبل أن يصل لاحقاً إلى 89,500 ليرة للدولار ابتداءً من 18 كانون الأول 2023.
وتجدر الإشارة إلى أنّ موازنة العام الحالي 2026 كانت قد قدّرت حجم الإيرادات الجمركيّة المتوقّعة بنحو 73.91 ترليون ليرة لبنانيّة، وهذا ما يعني أنّ وتيرة التحصيل الحاليّة جاءت أعلى بنسبة 5 بالمئة، قياسًا بالأرقام المقدّرة مسبقًا في قانون موازنة العام الراهن.
الزيادة في التجارة الخارجيّة
من الواضح وفق الأرقام أنّ جانبًا كبيرًا من زيادات الإيردات الجمركيّة هذا العام يتّصل بارتفاع قيمة السلع والخدمات المستوردة، ولأسباب تتصل بارتفاع الطلب والاستهلاك المحلّي، أو التضخّم العالمي وزيادة أسعار الواردات.
بحسب أرقام الجمارك اللبنانيّة، ارتفعت قيمة السلع والخدمات المستوردة في الربع الأوّل من العام الحالي إلى 5.38 مليار دولار أميركي، مقارنة بنحو 4.38 مليار دولار أميركي خلال الفترة المماثلة من العام الماضي؛ أي بزيادة كبيرة نسبتها 22.89 بالمئة. وبطبيعة الحال، ساهم التضخّم الحاصل عالميًا، وارتفاع كلفة الشحن والتأمين البحري خلال شهر آذار، في زيادة هذه القيمة خلال العام الراهن.
غير أنّ التضخّم العالمي وحده لا يفسّر هذه الزيادة، حيث يبدو أن حجم الواردات نفسه قد ارتفع أيضًا. في هذا السياق، تشير أرقام مرفأ بيروت إلى أنّ نشاط الشحن ارتفع خلال أوّل شهرين من السنة الحاليّة إلى 977 ألف طن، في مقابل 880 ألف طن خلال الفترة المماثلة من العام الماضي، بزيادة تقترب من 11 بالمئة بين الفترتين. مع العلم أنّ هذا الرقم لم يتجاوز حدود 807 ألف طن، خلال نفس الفترة من العام 2024.
في الخلاصة، من المتوقّع أن تساهم الزيادات المُحقّقة في الإيردات الجمركيّة في تعويض جزء من الانخفاض الحاصل في حجم الإيرادات الضريبيّة الأخرى، مثل ضريبة الدخل والضريبة على القيمة المضافة. فالحرب الدائرة حاليًا، وتوقّف النشاط الاقتصادي في العديد من المناطق اللبنانيّة، أسهما في الحد من حجم الإيرادات العامّة، وهذا ما فرض على وزارة الماليّة اتخاذ إجراءات تقشفيّة طارئة. أمّا أرقام الأشهر المقبلة من العام الحالي، فيفترض أن تُظهر زيادة إضافيّة في الإيرادات الجمركيّة، بفعل التدفقات الناتجة عن الرسوم المفروض على استيراد مادّة البنزين.
علي نور الدين - المدن