عوائد الخزينة تضغط على واشنطن: لماذا تخشى أميركا عتبة الـ5%؟

عوائد الخزينة تضغط على واشنطن: لماذا تخشى أميركا عتبة الـ5%؟ -- Jun 01 , 2026 13

في لحظة يتركّز فيها الحديث عن أسعار النفط والأزمة العالمية التي تدور حوله في خضمّ إغلاق مضيق هرمز، هناك تحوّل يحدث في «عوائد» سندات الحزينة الأميركية. وقد تكون هذه العوائد مفتاحاً لفهم أحد أخطر التحديات التي تواجه المالية العامة في الولايات المتحدة اليوم، خلال هذه الحرب. إذ ارتفعت هذه العوائد إلى نحو 4.97% لسندات الـ30 سنة، وهو رقم قريب إلى نسبة 5% التي تعتبر في الأوساط الأميركية بمثابة إنذار. أما بالنسبة إلى سندات الـ10 سنوات فقد بلغ العائد عليها 4.44%.

العائد على سندات الخزينة ليس الفائدة الاسمية التي تدفعها الحكومة عند إصدار السند، بل هو العائد الفعلي الذي يحققه المستثمر بناءً على السعر الذي يتداول به السند في السوق. فالسند يدفع فائدة ثابتة تُعرف بـ«الكوبون»، لكن سعر السند يرتفع وينخفض مع الوقت.

وعندما ينخفض سعر السند يرتفع عائده، والعكس صحيح. في الواقع، تعتمد الأسواق عادة على «العائد حتى الاستحقاق» (Yield to Maturity)، وهو مقياس يأخذ في الحسبان ليس فقط الفائدة السنوية التي يدفعها السند، بل أيضاً الأرباح أو الخسائر الناتجة من الفرق بين سعر شرائه الحالي والقيمة التي سيستردها المستثمر عند الاستحقاق.

إلا أن المبدأ الأساسي يبقى أن انخفاض سعر السند يعني أن المستثمر يحصل على تدفقات مالية أكبر نسبةً إلى المبلغ الذي دفعه، وبالتالي يرتفع العائد. لذلك يُنظر إلى العائد باعتباره مؤشراً على كلفة الاقتراض التي تفرضها الأسواق على الحكومة الأميركية في لحظة معينة، وعلى مستوى الثقة والمخاطر والتوقعات الاقتصادية السائدة.

غير أن ما يبدو مفهوماً بسيطاً، يخفي وراءه دينامية معقّدة. فالعائد لا يتحرّك بشكل مستقل، إذ إنه يرتبط بسعر السند. وهذا يعني أن ارتفاع العوائد يعكس أيضاً مزاج المستثمرين وتوقعاتهم بشأن المخاطر والتضخم والسياسة النقدية.
تكمن أهمية هذه العوائد في أنها تمثّل «كلفة الاقتراض» الأساسية ليس فقط للحكومة الأميركية، بل للاقتصاد العالمي ككل. فأسعار الفائدة على القروض العقارية، وتمويل الشركات، وحتى تقييمات الأسهم، ترتبط بشكل أو بآخر بعوائد سندات الخزينة الأميركية، التي تُعدّ المرجع المالي الأول عالمياً.

لكن الإشكالية تبدأ عندما ترتفع هذه العوائد إلى مستويات مرتفعة، كـ5% أو أكثر، في ظل حجم الدين الأميركي الهائل الذي يتجاوز 34 تريليون دولار. في هذه الحالة، تتحوّل الفائدة إلى عبء ثقيل على الموازنة. فكل ارتفاع في العوائد يعني أن الحكومة ستدفع فوائد أعلى على الديون الجديدة، كما ستضطر إلى إعادة تمويل ديونها القديمة بأسعار أعلى مع مرور الوقت.

الفكرة هي أن الدين الأميركي ليس قرضاً واحداً طويل الأجل، بل مجموعة ضخمة من السندات التي تستحق في مواعيد مختلفة. وعندما يحين موعد استحقاق هذه السندات، لا تسدّد الحكومة الدين من مواردها الخاصة في معظم الأحيان، بل تصدر سندات جديدة لتحل محل السندات القديمة. لذلك، عندما تكون العوائد مرتفعة، تضطر الخزانة الأميركية إلى استبدال ديون قديمة منخفضة الكلفة بأخرى جديدة ذات فوائد أعلى. ومع مرور الوقت، ومع إعادة تمويل المزيد من السندات المستحقة، تنتقل آثار ارتفاع العوائد تدريجياً إلى جزء أكبر من الدين العام، ما يؤدي إلى ارتفاع فاتورة الفوائد التي تتحملها الحكومة.

هنا يظهر ما يمكن تسميته «تأثير الكتلة». عندما يكون حجم الدين بهذا الحجم، فإن أي زيادة صغيرة في سعر الفائدة تؤدي إلى قفزة كبيرة في كلفة خدمة الدين. ومع اقتراب مدفوعات الفائدة السنوية من حدود تريليون دولار، تبدأ هذه الكلفة بمنافسة أكبر بنود الإنفاق الحكومي، مثل الدفاع أو الرعاية الصحية.

والمشكلة هي في الدينامية التراكمية التي قد تنشأ. فارتفاع العوائد يؤدي إلى زيادة مدفوعات الفائدة، ما يوسّع العجز في الموازنة، ويجبر الحكومة على الاقتراض أكثر. هذا الاقتراض الإضافي قد يدفع المستثمرين للمطالبة بعوائد أعلى لتعويض المخاطر، ما يعيد رفع الكلفة مرة أخرى. بهذه الطريقة، يمكن أن تتشكّل حلقة مفرغة تُعرف بـ«دوامة الدين».

تتفاقم هذه المشكلة بسبب طبيعة الدين الأميركي نفسه، إذ إن جزءاً كبيراً منه قصير إلى متوسط الأجل، ما يعني أن على الحكومة إعادة تمويل تريليونات الدولارات بشكل دوري. وفي بيئة ذات عوائد مرتفعة، يتم استبدال الدين القديم المنخفض الكلفة بدين جديد أكثر كلفة، ما يسرّع انتقال أثر ارتفاع الفوائد إلى كامل هيكل الدين.

لكن ذلك لا يعني أن الولايات المتحدة عاجزة عن تحمّل عوائد مرتفعة بمعنى العجز عن السداد. فهي تقترض بعملتها الخاصة، وتتمتع بدعم نظام نقدي تقف في قلبه المؤسسة القادرة على إصدار الدولار، أي الاحتياطي الفيدرالي. صحيح أن الفيدرالي مستقل نظرياً عن وزارة الخزانة والإدارة السياسية، ولا يمول الحكومة مباشرة في الظروف العادية، لكن في لحظات الضغط الشديد على سوق الدين الأميركي، يصعب تخيّل أن يبقى متفرجاً إذا أصبح استقرار سندات الخزانة، وهي الأصل المالي الذي تُبنى عليه فكرة «الخلو من المخاطر»، مهدداً.

لكن هذه القدرة لا تأتي بلا ثمن. فالحفاظ على استقرار النظام في ظل عوائد مرتفعة قد يفرض خيارات صعبة. وهي إما القبول بمعدلات تضخم أعلى في حال تم اللجوء إلى التيسير النقدي، أو اعتماد سياسات تقشفية، أو الدخول في مرحلة من النمو الاقتصادي الأبطأ.
في المحصلة، لا تكمن المشكلة في أن الولايات المتحدة «لا تستطيع» تحمّل عوائد تفوق 5%، بل في أن استمرار هذه المستويات لفترة طويلة يجعل مسار الدين أكثر هشاشة، ويضع المالية العامة أمام مفترق طرق صعب بين الاستقرار النقدي والنمو الاقتصادي والاستدامة المالية.

بهذا المعنى، لا يعود الحديث الأميركي الإيجابي عن المفاوضات مع إيران منفصلاً عن حركة سوق السندات. فاقتراب عوائد الخزينة، وخصوصاً السندات الطويلة الأجل، من مستوى 5% يخلق ضغطاً مالياً وسياسياً على الإدارة الأميركية. وكلما طال أمد التوتر في الخليج وارتفعت أسعار النفط، ازدادت مخاوف التضخم، وارتفعت معها العوائد المطلوبة من المستثمرين. لذلك تبدو إدارة ترامب معنية، في هذه اللحظة، بإنتاج إشارات تهدئة حول المسار التفاوضي مع إيران، بما يساعد على خفض التوتر في أسواق النفط والسندات معاً.

ماهر سلامة - الاخبار

أقرأ أيضاَ

"أوبر" تواصل توسعها بسوق التوصيل باستثمار 100 مليون دولار في "كريم تكنولوجيز"

أقرأ أيضاَ

روسيا تحظر صادرات وقود الطائرات مع تصاعد الهجمات على المصافي