المعلّبات الجاهزة... اقتصاد الضرورة في مراكز النزوح -- Jun 02 , 2026 188
على الرغم من دخول الحرب مرحلة وقف إطلاق نار غير ثابتة، لم يغادر كثير من النازحين مراكز الإيواء التي لجأوا إليها خلال الأشهر الماضية، مفضّلين البقاء فيها خشية انهيار الهدنة وتجدد المواجهات. في المقابل، عاد جزء آخر منهم مؤقتاً إلى بعض المناطق، ولا سيما الضاحية الجنوبية لبيروت، في محاولة لالتقاط الأنفاس واستعادة شيء من الحياة اليومية. إلا أن التهديدات المتكررة باستهداف الضاحية دفعت عدداً منهم إلى العودة مجدداً إلى مراكز النزوح، لتستمر حالة التنقل القسري وعدم الاستقرار.
في هذا الواقع المعلّق بين هدنة هشّة واحتمال عودة الحرب، تستمر معاناة النازحين مع تفاصيل الحياة اليومية، ولا سيما تأمين الطعام، حيث لم تعد المساعدات الغذائية التقليدية كافية، لتبرز المعلّبات والوجبات الجاهزة كخيار عملي يواكب ظروفاً تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الطهو.
تحوّلات في طبيعة المساعدات الغذائية
في خضمّ الحروب والنزوح، لا تتبدّل خرائط السكن فحسب، بل تتغيّر أيضاً عادات الطعام وأشكال التضامن. ومع تزايد أعداد النازحين المقيمين في خيم ومراكز إيواء تفتقر إلى الحدّ الأدنى من التجهيزات، برزت تحوّلات لافتة في طبيعة المساعدات الغذائية. لم تعد المواد الأولية كافية، ولا الوجبات الجاهزة متوفرّة، بل باتت الحاجة ملحّة إلى مواد جاهزة للأكل، تراعي واقع العيش القاسي، حيث لا مطابخ، ولا غاز، ولا وقت أو قدرة على الطهو ولا أموال وفيرة للمساعدات الغذائية.
تحديات تأمين الطعام
في نقاط التجمّع الممتدة من وسط بيروت إلى أطرافها، تتكرّر مشاهد العائلات التي تفترش الأرض أو تقيم في خيم مؤقتة، مع ما يرافق ذلك من غياب شبه كامل للبنية التحتية اللازمة للحياة اليومية. هنا، يصبح الطعام تحدياً يومياً، لا يقلّ قسوة عن فقدان المأوى. فحتى حين تتوفر المواد الغذائية، يبقى السؤال الأهم: كيف يمكن طهوها؟
يقول مصمّم الأزياء حميد قليط، وهو من بين المبادرين الذين ينزلون يومياً إلى نقاط تجمع النازحين، إن الأولوية باتت للفئات التي لا تملك أي وسيلة للطهو: "نركّز على الأشخاص الموجودين في الخيم أو المدارس، الذين لا يملكون غازاً ولا برادات. هؤلاء يعتمدون كلياً على المبادرات لتأمين وجباتهم اليومية".
في البداية، اقتصرت المساعدات على المعلّبات التقليدية مثل التونة والجبنة، إلى جانب الخبز والمياه. غير أن هذا النمط، على بساطته، سرعان ما كشف محدوديته. "الناس زهقت من نفس الأكل"، يقول قليط، مضيفاً أن تكرار الوجبات نفسها يومياً، في ظل ظروف نفسية قاسية، يزيد من الإحساس بالضيق والحرمان.
معلبات لوجبات منزلية جاهزة
من هنا، جاءت فكرة الانتقال إلى نوع آخر من المساعدات: معلبات لوجبات منزلية جاهزة. بازيلاء، ملوخية، ملفوف، كوسا، ورق عنب، مسقعة… أطباق تحمل طابع "البيت" وتستعيد شيئاً من الذاكرة اليومية التي فقدها النازحون. هذه الوجبات، وإن كانت معلبة، لا تحتاج سوى إلى تسخين بسيط، ما يجعلها خياراً عملياً في بيئة تفتقر لأبسط مقومات الطهو.
ويشير قليط إلى أن هذه الخطوة لم تكن مجرد تبديل في نوع الطعام، بل محاولة لكسر رتابة الحياة داخل الخيم. "في ناس نفسهم بهالأكلات، بس ما فيهم يطبخوها. لما نعطيهم شي بيشبه أكل البيت، هيدا بيفرق نفسياً"، يقول. ويضيف أن ردود الفعل كانت لافتة، إذ عبّر كثير من المستفيدين عن سعادتهم بهذه المبادرة، حتى أن بعضهم اعتبرها "أول وجبة حقيقية" منذ أيام.
بدوره، يلفت خبير التجميل فؤاد حيدر، الذي يشارك أيضاً في مبادرات الإغاثة، إلى أن التحوّل نحو الوجبات الجاهزة جاء نتيجة تجربة ميدانية مباشرة. فالمساعدات التقليدية التي تشمل الحمص والفول والعدس، اصطدمت بواقع غياب الغاز وأدوات الطهو في مراكز الإيواء. "الناس ما عندها كيف تطبخ، حتى لو عندها الأكل"، يقول حيدر.
ويضيف أن هذا الواقع دفعه إلى اعتماد فكرة الوجبات الجاهزة، من خلال تجهيز أكياس تحتوي على أطعمة مطبوخة ومعلبة، يمكن استهلاكها مباشرة أو بعد تسخين بسيط. "صرنا نحط بكل كيس وجبات شبه كاملة، مع رز أو خبز، بحيث تكون جاهزة للأكل بأقل مجهود ممكن"، يوضح. هذا النموذج، وفق حيدر، ساهم في تسهيل عملية التوزيع والاستهلاك، وقلّل من الهدر، خصوصاً في ظل الظروف غير المستقرة.
معاناة يومية يعيشها النازحون
لكن خلف هذه المبادرات، تختبئ معاناة يومية يعيشها النازحون، وتكشفها شهاداتهم. تروي أم علي قطيش، النازحة من بلدة حولا، والمقيمة مع عائلتها في أحد مراكز الإيواء في شارع الحمرا، أن ظروف الغذاء تغيّرت جذرياً منذ بداية النزوح. في الأيام الأولى، التي تزامنت مع شهر رمضان الفائت، كانت وجبة واحدة يومياً كافية نسبياً، لا سيما في ظل غياب مبادرات منظمة.
"كنا نكتفي بوجبة إفطار، وكان الوضع مقبولاً نوعاً ما"، تقول قطيش. لكن مع انتهاء الشهر، وعودة الحاجة إلى ثلاث وجبات يومياً، بدأت الأزمة تتفاقم. فمعظم مراكز الإيواء، بحسب قولها، غير مجهّزة حتى بمطابخ بسيطة، ما يجعل إعداد الطعام مهمة شاقة.
طبخ جماعي
تضيف قطيش أنهم اضطروا، بمبادرة فردية، إلى تحويل إحدى الغرف الصفية إلى مطبخ جماعي، حيث تتعاون نساء المركز لإعداد الطعام لنحو خمسين عائلة. هذا الحل، رغم أهميته، لا يغطي جميع الاحتياجات، خاصة في ظل محدودية الموارد. "ما فينا نطبخ كل الوقت، ولا في غاز كافي"، على ما تقول.
في هذا السياق، تبرز أهمية الوجبات الجاهزة أو "شبه الجاهزة"، التي يمكن الاعتماد عليها كخيار سريع وفعّال. "في كل غرفة في غاز صغير، فينا نسخّن عليه الأكل. هيدا بيساعدنا كتير، خصوصاً للعشاء أو بين الوجبات"، تضيف قطيش، مشيرة إلى أن هذه الأطعمة توفّر عليهم وقتاً وجهداً، وتمنحهم هامشاً من الاستقرار وسط الفوضى.
ولا يقتصر أثر هذا التحوّل على الجانب العملي فحسب، بل يمتد إلى البعد النفسي. فالغذاء، في مثل هذه الظروف، لا يكون مجرد وسيلة للبقاء، بل يحمل أيضاً دلالات مرتبطة بالكرامة والذاكرة والانتماء. حين يتمكّن النازح من تناول وجبة "تشبه" ما كان يأكله في منزله، حتى وإن كانت معلبة، فإن ذلك يعيد إليه جزءاً من إحساسه بالحياة الطبيعية.
هشاشة البنية الإغاثية
في المقابل، يطرح هذا الواقع أسئلة جدية حول غياب الاستجابة المنظمة للأزمة. فاعتماد آلاف النازحين على مبادرات فردية لتأمين وجباتهم اليومية، يعكس هشاشة البنية الإغاثية، ويضع عبئاً كبيراً على الأفراد والجمعيات الصغيرة. كما أن استمرار هذا النمط، دون تدخل مؤسساتي فعّال، قد يفاقم من التحديات الصحية والغذائية على المدى الطويل.
وبالرغم من الجهود الكبيرة التي يبذلها المتطوعون، يبقى الحل المؤقت غير كافٍ أمام أزمة مفتوحة. فالمعلّبات الجاهزة، على أهميتها، ليست بديلاً دائماً عن نظام غذائي متكامل، ولا عن حق النازحين في العيش بكرامة، ضمن بيئة تتيح لهم إعداد طعامهم بأنفسهم.
بين الحاجة والابتكار، تفرض الحرب إيقاعها على تفاصيل الحياة اليومية، حتى أبسطها: الطعام. ومع كل علبة تُفتح على عجل فوق موقد صغير، تتكشّف حكاية نزوح جديدة، تختصرها وجبة ساخنة بالكاد، لكنها كافية لتُبقي الحياة مستمرة.
فاطمة البسام - المدن