معركة إعادة الإعمار: بأيّ تمويل وبأيّ شروط؟

معركة إعادة الإعمار: بأيّ تمويل وبأيّ شروط؟ -- Jun 04 , 2026 165

لم تنته الحرب بعد، ولم تُحسم الكلفة النهائية للأضرار والخسائر، إلا أنّ النقاش حول مرحلة ما بعد الحرب بدأ فعلياً. وهذا النقاش لا ينطلق من السؤال المتعلّق بحجم الدمار أو عدد المباني التي تحتاج إلى إعادة بناء فحسب، بل يتعلّق أيضاً بسؤال أكثر تعقيداً: من سيموّل مرحلة التعافي وإعادة الإعمار؟ وبأيّ شروط؟

هذا ما نوقش في الندوة التي نظّمها معهد باسل فليحان المالي والاقتصادي عن بعد، بعنوان «الحرب والموازنة: التداعيات والتحدّيات المقبلة»، بمشاركة الممثّل المقيم لصندوق النقد الدولي في لبنان فريدريكو ليما، مديرة قسم السياسات العامة في منظّمة «كلنا إرادة» سيبيل رزق والأمين العام للمجلس الوطني للبحوث العلمية الدكتور شادي عبدالله.

خلاصة النقاش بدت واضحة: إعادة الإعمار لن تكون مجرّد ورشة بناء، بل معركة تمويل وخيارات سياسية واقتصادية ستحدّد شكل المرحلة المقبلة.
في مداخلته، انطلق ليما من الواقع المالي القائم، معتبراً أنّ أي نقاش حول إعادة الإعمار يجب أن يبدأ من فهم قدرة الدولة الفعلية على الإنفاق.

وأشار إلى أن الإيرادات العامة للدولة تدور حول 6 مليارات دولار سنوياً، فيما يذهب الجزء الأكبر منها إلى بندين أساسيين: نحو 3.5 مليارات دولار للرواتب والتقديمات والتعويضات والمعاشات التقاعدية في القطاع العام، ونحو 2.5 مليار دولار للمدفوعات المرتبطة بالأزمة المالية والمودعين.

وبذلك، فإنّ غالبية الموارد المُتاحة مُستهلكة مُسبقاً، ما يحدّ من قدرة الدولة على تمويل مشاريع كبرى أو تحمّل فاتورة إعادة إعمار واسعة النطاق من مواردها الذاتية. ومن هنا، طرح ليما مسألة الأولويات، متسائلاً عمّا إذا كان توزيع الإنفاق الحالي يعكس فعلاً أولويات البلاد في مرحلة ما بعد الحرب، أو ما إذا كانت هناك حاجة إلى إعادة النظر في كيفية توجيه الموارد المحدودة المُتاحة.

خلف كلام ليما تكمن المعضلة الأعمق. فإذا اعتبرنا أنّ لبنان قادر على تمويل جزء من مرحلة التعافي أو إعادة الإعمار من موارده الذاتية، فإنّ ذلك لن يكون مجرّد قرار مالي أو تقني.

فخلق مساحة مالية جديدة داخل الموازنة يعني عملياً إعادة توزيع الموارد وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام، في بلد تعيش فيه الملفات المالية والاقتصادية في قلب التجاذبات السياسية. وهنا تبدأ الكلفة السياسية للتمويل الداخلي. فالمشكلة ليست إيجاد المال فقط، بل الاتفاق سياسياً على من يدفع الكلفة، ومن يستفيد من الموارد المُتاحة، وأي أولويات ستُقدّم على غيرها في مرحلة التعافي وإعادة الإعمار.

وبالتالي، فإنّ النقاش حول التمويل المحلي لا يتعلّق فقط بالأرقام، بل أيضاً بإنتاج توافق سياسي جديد حول إدارة الموارد المحدودة في واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ لبنان الحديث.

في المقابل، بدا واضحاً خلال الندوة أنّ حجم الأضرار المتوقّعة يفوق قدرة الدولة اللبنانية على التمويل الذاتي، ما يجعل اللجوء إلى التمويل الخارجي أمراً شبه حتمي، إن كان عبر المنح أو الاقتراض. إلا أنّ ليما شدّد على أنّ هذا التمويل لن يكون مُتاحاً بصورة تلقائية، بل سيكون مرتبطاً بحزمة من الإصلاحات التي تطالب بها المؤسسات الدولية والجهات المانحة منذ سنوات.

وفي مقدّمة هذه الإصلاحات تأتي إعادة هيكلة القطاع المصرفي، إعادة هيكلة الدين العام، تعزيز الحوكمة والشفافية واستكمال متطلّبات الامتثال للمعايير المالية الدولية.غير أنّه إذا أردنا أن نسمّي الأمور بمسمّياتها، فالتجارب السابقة في لبنان تؤكّد أنّ التمويل الدولي لا ينفصل عادة عن المناخين السياسي والأمني، ولا عن رؤية الجهات المانحة لمستقبل المرحلة المقبلة. وفي ظل الانقسامات الداخلية الحادّة والتجاذبات السياسية القائمة، تبدو إعادة الإعمار مُرشّحة للتحوّل إلى ملف يتجاوز البعد المالي البحت، ليدخل في حسابات التوازنات الداخلية والعلاقات الخارجية في آن معاً.

هكذا، فإنّ الرهان على التمويل الخارجي لا يطرح فقط سؤال الإصلاحات المطلوبة، بل يفتح أيضاً باب التساؤل حول الشروط السياسية غير المُعلنة التي قد ترافق أي عملية تمويل خارجية، وحول قدرة السلطة اللبنانية على التوفيق بين حاجتها الملحّة إلى الأموال وتعقيدات المشهد السياسي الداخلي والخارجي. وبذلك، فإن الأموال الخارجية التي يحتاج إليها لبنان لن تأتي على الأرجح من دون أثمان سياسية.

من جهتها، لفتت رزق إلى جانب غالباً ما يغيب عن النقاش العام، وهو المرحلة الفاصلة بين الإغاثة الطارئة وإعادة الإعمار الشاملة. ورأت أن النقاش لا يمكن أن يقفز مباشرة إلى إعادة الإعمار من دون التوقّف عند احتياجات التعليم والصحة والخدمات الأساسية وفرص العمل، وهي ملفات ستفرض نفسها على أي موازنة مقبلة، ولا سيما في النقاشات المرتبطة بموازنة عام 2027.

أمّا عبدالله، فوضع صورة أولية لحجم الفاتورة التي يدور حولها النقاش اليوم، مشيراً إلى أن الأرقام المعروضة لا تعكس سوى كلفة شهر واحد فقط من الحرب، ما يعني أن حجم الخسائر الفعلي مرشّح لأن يكون أعلى بكثير من التقديرات المعروضة.

وبحسب التقديرات التي يعمل عليها المجلس بالتعاون مع البنك الدولي ومنظّمة الأغذية والزراعة وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، بلغت الأضرار المباشرة في الأصول الزراعية نحو 41 مليون دولار خلال شهر واحد فقط، فيما قاربت خسائر الإنتاج الزراعي نصف مليار دولار.

كما تجاوزت الأضرار في قطاع الإسكان 1.5 مليار دولار، فيما بلغت نحو 100 مليون دولار في القطاع الصحي، 30 مليون دولار في التعليم، نحو 100 مليون دولار في النقل و43 مليون دولار في قطاع المياه، إضافة إلى ما يقارب 100 مليون دولار في قطاع الطاقة. وأشار عبدالله أيضاً إلى احتراق نحو ألفي هكتار من الغابات، فضلاً عن أضرار بيئية واسعة وبؤر تلوّث وملايين الأمتار المكعّبة من الركام والأنقاض، وهي أرقام تعود بدورها إلى فترة التقييم الأولى ولا تشمل كامل تداعيات الحرب المستمرة.

زينب بزي - الاخبار

أقرأ أيضاَ

أزمة سلامة أم معركة نقابية؟ كواليس خلاف الطيارين مع "MEA"

أقرأ أيضاَ

موازنة 2026 تحت وطأة الحرب والانكماش: أيّ أسس مالية يبنى عليها عام 2027؟