كيف تنتج خيم بيروت اقتصادها الخاص؟ -- Jun 08 , 2026 34
في قلب بيروت، لم تعد الخيمة مجرد مكان مؤقت للنوم أو انتظار العودة. فمع مرور الوقت، بدأت بعض المساحات التي تضم نازحين تتحول إلى ما يشبه أحياء صغيرة، لها إيقاعها اليومي، وحاجاتها، ومصادر دخلها المحدودة، إذ لا يعيش الناس على المساعدات وحدها، بل يحاولون، بما تيسر، صناعة يومهم والبحث عن أي باب رزق ولو كان بسيطاً.
فالنزوح، عندما يطول، لا يبقى حالة طارئة فقط. يتحول تدريجياً إلى نمط حياة قسري، وهذا ما يحصل في لبنان مع الأسف، إذ انّ العائلات التي تواجه أطول فترة نزوح نسبيا، تحتاج إلى الطعام والمياه والدواء والملابس، والاطفال يحتاجون إلى ما يشغل وقتهم، والشباب يبحثون عن عمل، والنساء يحاولن تحويل مهاراتهن اليومية إلى مصدر دخل صغير.
ومن هنا، يبدأ ما يمكن تسميته بـ"اقتصاد الخيمة"، الذي يبدأ من طبخ منزلي، بيع قهوة وشاي، إعداد مأكولات بسيطة، تصليح أغراض، خدمات نقل محدودة، أو حتى بيع حاجات يومية بين النازحين أنفسهم.
هذا الاقتصاد لا يشبه الاقتصاد الطبيعي. هو هش، صغير، ومبني على الحاجة لا على التخطيط. لكنه يكشف جانباً مهماً من قدرة الناس على التكيّف. فالعائلة التي خسرت بيتها أو ابتعدت عنه لا تستطيع انتظار الحلول الكبرى إلى ما لا نهاية.
ولا يقتصر الأمر على النازحين وحدهم. فوجود تجمعات كبيرة داخل المدينة تؤدي إلى حركة حولها أيضاً. دكاكين قريبة تبيع أكثر، سيارات أجرة تنشط في محيطها، محال صغيرة تستفيد من الطلب اليومي، وجمعيات تتحرك لتأمين بعض الحاجات. لكن هذه الحركة لا تلغي الوجه الصعب للمشهد. فهي قائمة على أزمة، لا على نمو فعلي. بمعنى آخر، هناك دورة اقتصادية صغيرة تولد من الألم، لكنها لا تستطيع أن تكون بديلاً من العودة أو الاستقرار أو السكن اللائق.
في المقابل، يطرح هذا الواقع أسئلة حساسة على البلديات والجهات المعنية. فحين تتحول الخيم إلى إقامة طويلة، تصبح الحاجة أكبر إلى تنظيم النظافة، المياه، الصرف الصحي، السلامة، والرعاية الصحية. كما تصبح العلاقة مع سكان المناطق المحيطة أكثر دقة، خصوصاً إذا شعر الأهالي بأن الضغط على الخدمات يتزايد أو أن المشهد المؤقت يتحول إلى واقع دائم.
إلا أنّ الأخطر أن هذا النوع من الاقتصاد قد يبدو، للوهلة الأولى، دليلاً على صمود الناس، لكنه في العمق مؤشر إلى غياب الخيارات. فالنازح لا يفتتح مشروعاً لأنه وجد فرصة، بل لأنه مضطر إلى تأمين الحد الأدنى من الحياة. والمرأة التي تطبخ وتبيع، أو الشاب الذي يبحث عن عمل يومي، لا يفعلان ذلك في ظروف طبيعية، بل تحت ضغط فقدان البيت والروتين والأمان.
هكذا، تكشف خيم بيروت وجهاً آخر من الأزمة.
فهي ليست فقط شاهداً على النزوح، بل على قدرة مجتمع كامل على إنتاج يومياته من قلب الانهيار. لكن السؤال يبقى: إلى متى يمكن لاقتصاد الخيمة أن يسند الناس؟
المصدر: خاص لبنان24