كيف غيرت حرب إيران حسابات النفط والغاز في الخليج؟ -- Jun 19 , 2026 29
في أغسطس 1973 وبينما كان الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات يزور السعودية أمال رأسه نحو صديقه الملك فيصل بن عبد العزيز لطلب اجتماع سري، وبالفعل حصل على مبتغاه، وفي الاجتماع طلب السادات طلباً لم ينجح فيه أحد من قبل: قطع البترول العربي عن الغرب.
لم يكن هذا الاجتماع سرياً للغاية حسبما ظن السادات، أو ربما أراد هو نفسه وصول أخباره للغرب لأغراض جس النبض (*)، فما كان من وزير الخارجية الأميركي حينها ويليام روجرز إلا أن استخف بالأمر وقال مقولته الشهيرة: "العرب لا يستطيعون شرب نفطهم، هم مُجبرون على بيعه لنا لنيل المال.. كفى كلاماً فارغاً"، لكن ما لم يضعه روجرز في الحسبان أن التهديد "كان في المليان" وتحول بعدها بشهرين فقط إلى حقيقة اقتصادية وعسكرية مؤلمة.
ما أشبه اليوم بالأمس، فجميع التحليلات العسكرية والسياسية والاجتماعية قبل اندلاع حرب إيران في 28 فبراير الماضي قالت إن "إغلاق طهران لمضيق هرمز سيكون مؤلماً مالياً للغاية أيضاً لطهران" وإنه سيكون "انتحاراً وتدميراً اقتصادياً ذاتياً لها، خاصة لو طال الإغلاق أكثر من شهر"، حسب وصف صحيفة "الغارديان" البريطانية.. فما بالك بـ111 يوماً كاملة؟.
ما حدث بعد ذلك أصبح جزءاً من الماضي.. لكن أثره سيظل حاضراً لسنوات طويلة في أذهان دول الخليج، التي أزاحت الحرب غشاوة واطمئناناً لاستدامة حسابات سوق الطاقة عن عيونها.
وربما تكون الخدمة الأعظم التي قدمتها الحرب لدول الخليج -ورغم الألم الاقتصادي والعسكري الذي حل بها- هي أنها علمت المنطقة 6 دروس قد تغير حسابات قطاع النفط والغاز:
1) إيران تعلمت قواعد اللعبة في هرمز:
تستطيع إيران إغلاق مضيق هرمز من أول يوم في أي حرب، ودون تردد، وهكذا بكل بساطة، حتى لو أذت اقتصادها، وتحملت ما لا يُحتمل في سبيل تحقيق أهدافها العسكرية على الأرض. نعم، ربما سيتخذ العالم إجراءات أكثر لتأمين المضيق مستقبلاً، أو يستثمر أكثر في كاسحات الألغام والمسيرات الرخيصة التي استطاعت استهداف السفن من الجو دون تكلفة تذكر.. لكن كل هذا لا يمنع أن من أغلق المضيق الذي يمر عبره خُمس طاقة العالم مرة بوسعه إغلاقه عشرات المرات.. لأنه ببساطة "عرف قواعد اللعبة".
هذه الحرب ستعلم دول الخليج والعراق أيضاً أهمية تخزين النفط في مناطق بعيدة عن الخليج تحسباً لاشتعال جولة جديدة من الصراع، سواء كان ذلك في مخازن عائمة على متن الناقلات القديمة، أو في دول آسيوية لا تطالها ألسنة الصراعات العسكرية المتكررة مثل الهند واليابان، وكوريا الجنوبية التي عززت فيها السعودية مخازنها خلال الحرب، بحيث تُرسل منها الشحنات سريعاً للمتعاقدين إذا حُبست إمدادات الطاقة مجدداً داخل الخليج، وبالتالي يستمر تدفق أموال النفط دون انقطاع. وهو الأمر الذي تنبهت له شركة "أرامكو" ودفعها للإعلان بعد ساعات من توقيع اتفاق السلام المؤقت أنها تنوي إنشاء مرافق تخزين جديدة حول العالم.
على الجانب الآخر، كشفت الحرب أن إيران نفسها سبقت إلى هذا المسار منذ سنوات، عبر تخزين كميات ضخمة من النفط عائماً خارج هرمز، ليس فقط تحسباً للحروب وإنما أيضاً للالتفاف على العقوبات الغربية، وهو ما منحها هامشاً أكبر للمناورة مُقارنةً بما كان يُعتَقد.
2) فائض سوق النفط ليس أمراً سيئاً خاصة في الأزمات:
حتى 26 يناير 2026، أي قبل الحرب بشهر ويومين كانت وكالة الطاقة الدولية تُحذر من أن سوق النفط "متخمة بالإمدادات"، وتقدر أنه سيكون هناك فائض يفوق 4 ملايين يومياً في السوق خلال النصف الأول من 2026، وبمتوسط يزيد عن 3.7 مليون براميل على مدار العام بأكمله.
ولم تبتعد إدارة معلومات الطاقة الأميركية كثيراً عن هذا التقدير، إذ توقعت حينها أن يتجاوز العرض الطلب بأكثر من 2.8 مليون برميل يومياً هذا العام، مع بلوغ الفائض ذروته فوق 3.5 ملايين برميل يومياً خلال الربع الحالي.
الوحيدة التي سبحت عكس التيار كانت منظمة "أوبك" التي رأت سوقاً أقرب بكثير إلى التوازن في 2026، مع تجاوز العرض للطلب بنحو 600 ألف برميل يومياً في المتوسط هذا العام.
لكن المفارقة أن فائض المعروض نفسه، الذي كان يُنظر إليه قبل الحرب باعتباره عبئاً على الأسعار، تحول إلى صمام أمان للأسواق. فالدول المستوردة، وعلى رأسها الصين، كانت قد استغلت التخمة لبناء مخزونات ضخمة قبل اندلاع الحرب، وهو ما ساعد لاحقاً في منع الأسعار من الانفجار نحو مستويات 200 دولار للبرميل كما كانت تتوقع بعض السيناريوهات المتشائمة، بعدما هبط إنتاج دول "أوبك" إلى أدنى مستوى في 4 عقود وسط الحرب.
3) مخزونات الطاقة يمكن أن تنفد أسرع مما نتخيل:
كانت حرب 1973 أول من نبهت العالم إلى أهمية مخزونات النفط، وأدت إلى إنشاء الولايات المتحدة للاحتياطي النفطي الاستراتيجي (Strategic Petroleum Reserve - SPR) في 22 ديسمبر 1975 وتبعتها عدة دول بداية من الصين التي خزنت هي الأخرى ما يزيد عن 1.4 مليار برميل نفط، واليابان التي بلغت مخزوناتها قبل الحرب 470 مليون برميل، كما اتخذت الدول الغربية وحتى العربية خطوات مشابهة لكن بأحجام أقل كثيراً من ذلك.
لكن مع كل هذا لم تصمد هذه البراميل بالقدر الذي نتخيله أمام حبس خُمس طاقة العالم في الخليج لأكثر من 100 يوم، واضطرت وكالة الطاقة الدولية في 11 مارس الماضي بالتنسيق مع دولها الـ32 إلى القيام بأكبر إفراج مشترك عن المخزونات في التاريخ بحجم 400 مليون برميل على مدار 3 أشهر، وتحمل العبء الأكبر من هذا الإفراج الولايات المتحدة (172 مليون برميل)، واليابان (80 مليون برميل)، وكندا (23.6 مليون برميل) وأسهمت أستراليا والدول الأوروبية بالباقي.
إلى جانب خطة الـ400 مليون برميل المنسقة، تحركت بعض الدول الكبرى بشكل منفرد وضخت كميات إضافية لحماية أسواقها المحلية، حيث أطلقت الولايات المتحدة 10 ملايين برميل إضافية ضمن عملية "تبادل طوارئ منفردة"، ونظراً لأن الصين ليست عضواً كاملاً في الوكالة فقد تحركت هي الأخرى بشكل أحادي وأصبحت تمد المصافي الحكومية والمستقلة على حد سواء بالإمدادات وطلبت منها "العمل بأي ثمن" تحت ظروف الحرب، حتى الدول النامية والجزيرية مثل فيجي استنفدت هي الأخرى الجزء الأكبر من مخزوناتها للتصدي للأزمة.
هذا الاستنزاف التاريخي غير المسبوق جعل المخزونات الاستراتيجية العالمية -خاصة الأميركية- تهبط لأدنى مستوياتها منذ عام 2003. وظهرت علامات الضعف على الحكومات -خاصة الآسيوية- وأدت لإغلاق بعضها على ما تملك من إمدادات أمام طلب جيرانها بإرسالها للمزيد لهم مثلما حدث في حالة اليابان، وحتى الصين نفسها اضطرت للسحب من مخزوناتها النفطية التجارية لمواجهة صدمة الخليج.
4) استبدال هرمز ممكن وضروري:
هذا أهم ما أعادت الحرب تذكير المنطقة به، فبرغم الأهمية الهائلة لهرمز، لم يكن المضيق يوماً المسار الوحيد للطاقة عالمياً، إذ ظل العالم يعتمد لعقود على منتجين خارج الخليج من روسيا إلى أميركا والقوقاز، كما كانت هناك مسارات بديلة منذ الثمانينيات مع إنشاء خط "إيبسا" العراقي عبر السعودية إلى البحر الأحمر أثناء الحرب العراقية الإيرانية. لكن ما فعلته حرب 2026 هو أنها أعادت هذه البدائل إلى الواجهة دفعة واحدة، وأثبتت أن الخليج نفسه لم يعد يستطيع التفكير في هرمز باعتباره الخيار الأوحد.
كشفت الحرب أيضاً عن مسارات وطرق بديلة للطاقة من أول خط أنابيب شرق غرب السعودي، الذي استوعب حتى 5 ملايين برميل من صادرات الخام السعودي (أي ثلاثة أرباع الصادرات السعودية النفطية المعتادة التي بلغت نحو 7 ملايين برميل يومياً في فبراير) وتخطط المملكة الآن لتوسعته، وخط "حبشان- الفجيرة" الإماراتي، الذي تتراوح الطاقة الاستيعابية له بين 1.5 و1.8 مليون برميل يومياً، وهو ما غطى جزءاً من صادرات أبوظبي التي بلغت مستويات مرتفعة عند نحو 3.5 مليون برميل يومياً قبل الحرب، وحتى الخطوط الواقعة خارج الخليج لعبت دوراً أيضاً في استبدال هرمز على مدار ثلاثة أشهر ونصف تقريباً من عمر الصراع، ومنها خط سوميد المصري وقناة السويس، وخط جيهان كركوك الواصل بين كردستان العراق وميناء جيهان التركي.
لكن ورغم أن هذه البدائل استوعبت جزءاً لا بأس به إلا أنها لم تمتص صدمة هرمز بالكامل. فمعظم هذه البدائل صُممت أساساً لنقل النفط الخام، بينما بقيت صادرات الغاز الطبيعي المسال والوقود المكرر والبتروكيماويات والأسمدة بلا مسارات التفافية حقيقية، وهو ما جعل الاختناق في أسواق الطاقة أوسع من مجرد أزمة ناقلات نفط.
ظل هناك فراغ كبير بين ما كان يخرج من الخليج قبل الحرب وبعدها، وهو ما نبه دول الخليج إلى أهمية توسعة هذه البدائل وخلق حلول أخرى خارج الصندوق حتى يصبح لديها بدائل لهرمز وبدائل لبدائل هرمز وبدائل لبدائل البدائل.. وكلما أُغلق منفذ يفتح آخر، ما يجعل تكرار سيناريو حبس النفط في الخليج مستحيلاً في أي أزمة أخرى، وهو ما يسلط الضوء أيضاً على أهمية تعزيز استثمارات الطاقة ويأخذنا للنقطة التالية.
5) استثمارات النفط والغاز لا تزال مهمة:
كانت الرواية السائدة في مؤتمرات المستثمرين وشركات النفط الخاصة الكبرى قبل الحرب أن الاستثمار في الطاقة لم يعد مجدياً، وأن الطاقة النظيفة ستنفرد بالمستقبل خاصة مع تقادم بعض الحقول في منطقة حوض برميان بتكساس وتشجيع الدول الغربية على السياسات الخضراء، وبدأت هذه الرواية في الانتشار حتى بدت في وقت ما وكأنها حقيقة مسلم بها.
لدرجة أن شركة "بي بي" البريطانية تحت رئاسة الرئيس التنفيذي السابق برنارد لوني أعلنت في 2020 أنها ستركز على استثمارات الطاقة الخضراء، وتريد توليد زهاء 50 غيغاواط من مصادر الطاقة النظيفة، وعلى مدار 5 سنوات من اتباع هذه الاستراتيجية تسببت في تراكم الديون على "بي بي" حتى وصلت إلى 25.3 مليار دولار بنهاية مارس الماضي ونتج عنها خلافات مريرة في الإدارة التي تنازعت حول الاتجاه الذي يجب أن تتبعه الشركة مع تغيير 4 مديرين تنفيذيين خلال 6 سنوات، لكن الشركة بدأت منذ 2023 في تخفيف أهدافها للطاقة المتجددة قبل أن تعلن رسمياً في فبراير 2025 العودة للتركيز على النفط والغاز. وجاءت حرب إيران لتمنح هذا التحول شرعية أكبر داخل الأسواق، بعدما أعادت الاعتبار لأمن الإمدادات التقليدية.
ولا يعني هذا أن هناك تعارضاً بين استثمارات الطاقة المتجددة والوقود الأحفوري، فالعالم يحتاج لكليهما في الوقت الحالي، وهناك شركات طاقة أخرى قررت أيضاً توسيع محفظتها في الطاقة المتجددة مثل "إيني" الإيطالية، ومعظم دول الخليج التي توجه استراتيجياتها الوطنية بزيادة الاستثمار في الطاقة المتجددة، لكنها لم تقلص استثمارات الوقود الأحفوري واختارت التقدم في المسارين معاً، ليقينها بأن العالم سيحتاج كل ذرة طاقة على الكوكب لتشغيل طفرة الذكاء الاصطناعي التي تلتهم طاقة هائلة لتشغيلها.
6) عودة إمدادات الخليج تحتاج لوقت أطول:
شركات الطاقة الخليجية وبعد حرمان العالم تقريباً من إمداداتها طوال فترة الصراع لن تخلو رحلة عودتها لما كانت عليه قبل الحرب من المطبات رغم فتح مضيق هرمز، بل إن مسؤولي الطاقة الخليجيين أنفسهم كانوا أقل تفاؤلاً بكثير مما توقعته بعض الأسواق، إذ تحدثوا عن شهور وربما سنوات قبل استعادة التدفقات الطبيعية بالكامل، خاصة مع الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للغاز والنفط وتعقيدات إعادة تشغيل الحقول وخطوط الشحن.
ولا تزال هذه الشركات بحاجة لإصلاح البنية التحتية المتضررة وإعادة ترتيب شحن الناقلات، والتعامل مع مشكلات مثل التضخم الكبير في سعر الشحن وأقساط التأمين، والمشكلات الفنية المرتبطة بتوقف الإنتاج وإعلان القوة القاهرة لفترة في بعض الحقول، إضافة إلى ضرورة تنظيف مضيق هرمز من الألغام المزروعة فيه، والتي تقول بعض التحليلات إن إيران نفسها لا تعلم الآن موقعها تحديداً وسط سحب التيارات البحرية لبعضها وعدم توافر كاسحات كافية متقدمة لديها، وهو ما دفع بعض الدول الغربية مثل فرنسا وبريطانيا لوضع ترتيبات لإزالتها بمجرد فتح المضيق والتأكد من وقف العمليات العسكرية بين أطراف الصراع.
وقدرت السعودية والإمارات وقطر أن إعادة التوازن لسوق النفط سيحتاج ما بين بضعة أشهر وعام وقد يصل إلى النصف الثاني من 2027 على أقصى تقدير. فيما كانت الكويت والعراق أكثر تفاؤلاً، حيث قال الشيخ نواف الصباح، نائب رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لمؤسسة البترول الكويتية، إن الدولة تمتلك القدرة على استعادة 80% من إنتاجها النفطي المتوقف بفعل حرب إيران خلال أقل من شهر، فيما تحتاج النسبة المتبقية إلى مدة تتراوح بين ثلاثة وأربعة أشهر لضخها في الأسواق. أما نائب وزير النفط العراقي، باسم محمد، فصرح بأن العراق قادر على استعادة إنتاج النفط وصادراته إلى مستوياتها الطبيعية في غضون سبعة أيام من انتهاء الأزمة في مضيق هرمز (**)، وهو ما يبرز تباين تأثير الأزمة على دول الخليج المختلفة.
ختاماً فالمؤكد أن توقف الحرب وإعلان فتح مضيق هرمز هو الخبر الأسعد على الإطلاق لسوق الطاقة المتعطشة، مثلما عادت الإمدادات بعد حرب 73 ومعها نصر كبير لمصر والعرب، لكن بعد أن تذهب السكرة وتأتي الفكرة، على جميع اللاعبين الأساسيين في القطاع أن يقفوا للحظة ويسألوا أنفسهم: "ماذا يجب أن نفعل بعد فتح هرمز؟" ولنختر الإجابة الصحيحة هذه المرة.
المصدر:
الشرق