الإقامة الذهبيّة... قراءة في النص لا في الشائعات

الإقامة الذهبيّة... قراءة في النص لا في الشائعات -- Jun 24 , 2026 16

في كل مرة يطرح فيها لبنان مشروعاً اقتصادياً أو إصلاحياً، تخرج أصوات لا لمناقشة المشروع أو اقتراح تعديلات عليه، انما لإصدار حكم مسبق عليه بالفشل. وكأن المطلوب من الدولة اللبنانية أن تتوقف عن التشريع، وأن تمتنع عن أي محاولة للنهوض، إلى أن تتحقق المدينة الفاضلة.

هذه ليست معارضة إصلاحية، بل فلسفة قائمة على نفي إمكان الإصلاح أصلاً.


آخر الأمثلة كان مشروع “الإقامة الذهبية”، الذي قُدِّم للرأي العام على أنه مشروع لبيع الإقامة وتشجيع التهرب الضريبي، فيما الحقيقة مختلفة تماماً.

فالمشروع، كما ورد من الحكومة وكما عدّلته لجنة المال والموازنة، لا علاقة له بمنح الجنسية، ولا يمنح أي امتيازات سياسية أو مدنية، ولا يعدّل قانون تملك الأجانب، بل هو تعديل محصور بقانون ضريبة الدخل ورسم الانتقال، هدفه استقطاب رؤوس الأموال اللبنانية غير المقيمة والأجنبية، من خلال نظام ضريبي خاص معمول به في عدد كبير من الدول.

والأهم أن لجنة المال والموازنة لم تترك المشروع على حاله، بل شددت شروطه بصورة واضحة. فقد أخضعته بالكامل لأحكام قانون تملك الأجانب، وألزمت أن تكون الأموال المحوّلة مصدرها الخارج، وربطت تطبيقه بأحكام القانون الرقم 44 الخاص بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، وحددت سقفاً أدنى للاستثمار لا يقل عن خمسمئة ألف دولار، وأوجبت رسماً مقطوعاً لا يقل عن خمسين ألف دولار، إضافة إلى رسوم على أفراد العائلة الراغبين بالاستفادة من النظام الضريبي الخاص.

أي أن المشروع لم يفتح باباً للفوضى كما يحاول البعض تصويره، بل أقام سلسلة من الضوابط القانونية والمالية والرقابية، التي تجعل أي استثمار خاضعاً للقوانين اللبنانية النافذة.


لكن الأخطر من الانتقاد غير الدقيق هو المنهج الذي يقف خلفه.

فإذا كان لبنان يعاني أزمة مالية، هل يكون الحل بإقفال كل باب يمكن أن يجلب استثمارات جديدة؟ وإذا كانت الدولة بحاجة إلى استعادة الثقة، فهل تستعيدها بالجمود أم بالتشريع والإصلاح؟

واللافت أن أصحاب هذا الخطاب لا يقدمون بديلاً حقيقياً، فهم يعارضون كل مشروع جديد، لكنهم لا يطرحون مشروعاً مقابلاً، ولا يحددون آلية لجذب الرساميل، ولا يقدمون تصوراً لزيادة إيرادات الدولة أو إعادة تحريك الاقتصاد.

أما في المقابل، فإن لجنة المال والموازنة برئاسة النائب إبراهيم كنعان تسير في أكثر من مسار إصلاحي في الوقت نفسه. فمن إقرار دعم صندوق المخاتير، إلى تعديل مشروع الإقامة الذهبية وتشديد ضوابطه، إلى متابعة قانون إعادة هيكلة المصارف، والعمل على الانتظام المالي، واستكمال التشريعات المرتبطة بخطة التعافي، يتضح أن هناك ورشة تشريعية فعلية، قد يختلف البعض مع بعض تفاصيلها، لكن لا يمكن إنكار أنها تحاول إخراج لبنان من حالة الشلل التي عاشها لسنوات.

والمفارقة أن اللجنة نفسها، لا تدّعي أن قانون الإقامة الذهبية هو الحل السحري، بل تؤكد في خلاصتها أن نجاحه يبقى مرتبطاً باستعادة الثقة، وإصلاح القطاعين العام والخاص، واسترداد الودائع، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي والمالية العامة.

هذا هو منطق الدولة: إصلاح متدرج وقوانين متكاملة ومسار طويل يحتاج إلى عمل. أما منطق الهدم، فيبدأ دائماً بجملة واحدة: “لا فائدة من أي شيء”.

ولعل السؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم ليس: هل تكفي الإقامة الذهبية لإنقاذ الاقتصاد؟ انما سؤال آخر أكثر أهمية: إذا كنا سنحارب كل مشروع قبل أن يولد، فمتى سيبدأ لبنان رحلة النهوض؟ وكيف يمكن بناء دولة إذا كان كل حجر يوضع في أساسها يقابَل بحملة تشكيك وهدم قبل أن يُختبر؟

الديار

أقرأ أيضاَ

تحوّل نوعي في وزارة الشؤون: تمويل "أمان" من الموازنة العامة

أقرأ أيضاَ

200 مليار دولار في 30 شهرا.. فاتورة حروب الاحتلال تدخل مرحلة الاستنزاف