خمسة عوامل دعمت اقتصاد الخليج خلال حرب إيران.. وقد تحمل بذور التعافي -- Jun 29 , 2026 17
نجحت اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي في امتصاص الصدمة الأولى لحرب إيران التي تعد أخطر أزمة جيوسياسية مرت بها المنطقة منذ عقود طويلة.
ورغم تراجع معدلات النمو الاقتصادي، إلا أن دول المنطقة وظّفت ثرواتها المتراكمة لاحتواء أثر الحرب في النصف الأول من العام، كما شرع بعضها في تشكيل ملامح اقتصاد ما بعد الحرب.
رصدنا في هذا التحليل خمسة دروس أو عوامل رئيسية ساهمت في مرونة الاقتصاد الخليجي، يحمل بعضها في طياته بذور رحلة التعافي، التي تعتمد في الأساس على إنهاء الحرب وعودة حركة الملاحة في مضيق هرمز لما كانت عليه قبل بداية الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران يوم 28 فبراير.
النفط مفتاح الصمود .. والتعافي أيضاً
أول دروس الحرب أن النفط لم يفقد دوره المركزي في اقتصادات الخليج رغم الجهود المتفاوتة التي قامت بها دول المنطقة لتنويع موارد الدخل خلال العقدين الماضيين.
رأينا ذلك في قدرة السعودية على تصدير قسم كبير من نفطها يومياً من دون المرور عبر مضيق هرمز، وذلك من خلال خط أنابيب "شرق - غرب" إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر. منح ذلك المملكة قدرة على تحقيق مكاسب مالية مع ارتفاع أسعار النفط ساعدتها على دعم الاقتصاد خلال ذروة الأزمة.
كما لعبت الصناديق السيادية والمقدرة بترليونات الدولارات دوراً محورياً في دعم اقتصادات دول مثل الإمارات وقطر والكويت.
الكويت شكلت مثالاً صارخاً على ذلك، فرغم عدم قدرتها على التصدير بسبب تعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز، استطاعت الحكومة تمويل الاقتصاد والحفاظ على تصنيفها الائتماني بسبب ضخامة الأصول الاحتياطية لدى الصندوق السيادي.
ويشكل النفط محور تعافي النمو أيضاً، بحسب علياء مبيض، كبيرة اقتصاديي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لدى بنك الاستثمار "جيفريز".
وقالت مبيض في حديث مع نور عماشة على "الشرق بلومبرغ" يوم الأحد، إن توقعات البنك تشير إلى "طفرة" في نمو القطاع النفطي على المدى القصير، مع استعادة دول الخليج لقدراتها التصديرية تدريجياً بعد الاتفاق المؤقت الذي توصلت إليه الولايات المتحدة وإيران.
مخاطر الاعتماد على النفط فقط
مع ذلك، أظهرت الأزمة أن التأخر في تنويع موارد الدخل وتطبيق الإصلاحات الضريبية قد يكون مشكلة في حد ذاته، خاصة في حال أي تراجع عميق في أسعار النفط بعد انتهاء الحرب.
وترى مبيض تفاوتاً في القدرة على مواصلة الإنفاق إذا ظلت أسعار النفط في نطاق 60 إلى 70 دولاراً للبرميل، مشيرة إلى أن البحرين، والعراق (خارج مجلس التعاون) يملكان هوامش أضيق، بينما تتمتع السعودية وقطر والإمارات والكويت بقدرة أكبر على دعم النمو بفضل مواردها وثرواتها المالية.
لكن أزمة التصدير عبر هرمز جددت دعوات تنويع الاقتصاد في الكويت لتفادي هكذا مأزق في المستقبل، خصوصاً في ظل قدرة الحكومة على تمرير تشريعات من دون معارضة برلمانية في الوقت الحالي نظراً لتعليق البرلمان، بحسب صحيفة "القبس".
إقرأ أيضاً: صندوق الكويت أنقذها من "صفر" الصادرات النفطية.. لا من استحقاق الإصلاح
للطلب المحلي مميزات أيضاً
لطالما نظر بعض محللو الاقتصاد إلى حجم السكان في السعودية باعتباره عبئاً مالياً نسبياً مقارنة بدول خليجية أصغر وتتمتع بدخل أعلى للفرد مثل قطر والإمارات والكويت. لكن الحرب أظهرت الوجه الآخر لهذه المعادلة، فالسوق المحلية الكبيرة قد تكون مصدراً للصمود وقت انكماش الطلب الخارجي.
في السعودية، ساعد حجم الاقتصاد المحلي، والإنفاق الاستهلاكي، والسياحة الداخلية والدينية، على تخفيف أثر تراجع شهية الزوار الأجانب خلال ذروة الأزمة.
كما لم تظهر مؤشرات ضغط واضحة على الودائع المصرفية أو التحويلات، بحسب مصرفيين تحدثوا لـ"الشرق بلومبرغ"، ما عزز الانطباع بأن الطلب المحلي ظل قادراً على حمل جزء مهم من النشاط غير النفطي.
اقرأ أيضاً: السعودية ترفع تقديرات نمو الاقتصاد إلى 3% في الربع الأول
في المقابل، بدت دبي أكثر انكشافاً على المزاج العالمي بسبب اعتمادها الكبير على السياحة الدولية، والتجارة العابرة، وحركة الطيران، والاستثمار الأجنبي في العقار. هذه القطاعات لا تتأثر فقط بحركة الدخل المحلي، بل بثقة العالم في أن دبي ستبقى مركزاً آمناً ومفتوحاً وسريع الحركة.
وكالة "إس آند بي غلوبال" الائتمانية توقعت في تقرير هذا الشهر انكماش اقتصاد الإمارة بنحو 2.5% خلال عام 2026، مع بقاء تعافي قطاعي السياحة والضيافة رهناً بالتوصل إلى تسوية دائمة للصراع. كما حذرت من احتمال فقدان جزء من التدفقات السياحية على المدى الطويل، خصوصاً إذا استمرت المخاطر الأمنية.
الجميع بحاجة إلى التهدئة
ترى مبيض أن مسار التعافي سيظل مرتبطاً بمسار التهدئة، وأن السيناريو الأساسي الآن يقوم على استمرار التذبذب في علاوة المخاطر الجيوسياسية خلال فترة التفاوض وصولاً إلى اتفاق نهائي.
يأتي ذلك بعد تجدد الهجمات المتبادلة بين إيران والولايات المتحدة خلال اليومين الماضيين. كما تضيف المواجهة بين إسرائيل وجماعة "حزب الله" اللبنانية الموالية لطهران، طبقة تزيد من هشاشة الاتفاق الأميركي-الإيراني.
لكن التخطيط لما بعد الحرب بدأ بالفعل
لا يعني غياب اليقين أن دول المنطقة ستنتظر لحين انتهاء الصراع للبدء في تشكيل أولويات اقتصاد ما بعد الحرب. بل يمكن القول إن ملامح الأولويات الاقتصادية بدأت في الظهور منذ الأسابع الأولى للصراع.
كان ذلك جلياً في الاستثمارات التي وظفتها السعودية في القطاع اللوجستي عبر إطلاق مسارات بديلة للصدارت والورادات انطلاقاً من موانئ البحر الأحمر عبر المملكة وإلى بقية دول الخليج. حيث ارتفعت قيمة السلع المعاد تصديرها 20% على أساس سنوي في أبريل، لتسجل أعلى قيمة شهرية منذ بدء نشر البيانات عام 2017.
كما وسعّت المملكة تخزين نفطها داخل الاحتياطي البترولي الاستراتيجي الكوري الجنوبي، في حين تدرس شركة "أرامكو" إنشاء مرافق تخزين كبرى حول العالم، لتضاف إلى ما تمتلكه الشركة حالياً.
أما الإمارات، فشرعت هي الأخرى في بناء خط أنابيب يغنيها عملياً عن مضيق هرمز بالكامل، في حين بدأت بعض الشركات الإماراتية في تجهيز خطط توسعية دولية بحثاً عن فرص جديدة للنمو، بحسب شخص مطلع تحدث لـ"الشرق بلومبرغ" طالباً عدم الكشف عن هويته.
المصدر:
الشرق