خفض المحروقات في سوريا يُواجه بانتقادات شعبية -- Jul 02 , 2026 18
أعلنت الحكومة السورية خفضاً جديداً في أسعار المحروقات، في خطوة قالت إنها تستند إلى مراجعة دورية تراعي تطورات أسعار النفط العالمية والمؤشرات الاقتصادية المحلية. إلا أن القرار، الذي شمل البنزين والديزل والغاز المنزلي بنسب وصلت إلى أكثر من 20 في المئة، أثار انتقادات شعبية اعتبرت أن التخفيضات لا تتناسب مع التحسن الكبير الذي شهدته الليرة السورية خلال الأشهر الماضية، وهذا ما أعاد الجدل حول آلية تسعير المشتقات النفطية ومدى انعكاس المتغيرات الاقتصادية على حياة المواطنين.
خفض أسعار المحروقات
أقرت وزارة الطاقة السورية، ليل السبت الفائت تخفيضاً جديداً في أسعار المحروقات، بنسبة تراوحت بين أكثر من 14 و20 في المئة، بناءً على توصيات اللجنة الدائمة لتحديد أسعار المواد البترولية والثروات المعدنية، وسط انتقادات شعبية طالت القرار.
ووفق نشرة الأسعار الجديدة المعتمدة، التي دخلت حيز التنفيذ اعتباراً من تاريخ صدورها السبت، فقد خُفض سعر ليتر بنزين 95 أوكتان بنسبة 20.39 في المئة ليصبح 130 ليرة سورية جديدة؛ أي ما يعادل نحو دولار أمريكي واحد، فيما انخفض سعر ليتر بنزين 90 أوكتان بنسبة 19.97 في المئة إلى 125 ليرة سورية جديدة، بما يعادل نحو 0.97 دولار.
كما خُفض سعر ليتر الديزل بنسبة 14.37 في المئة ليبلغ 107 ليرات سورية جديدة؛ أي ما يقارب 0.83 دولار، في حين انخفض سعر أسطوانة الغاز المنزلي بنسبة 15.49 في المئة لتصبح 1500 ليرة سورية جديدة، بما يعادل نحو 11.6 دولاراً، وسعر أسطوانة الغاز الصناعي بالنسبة ذاتها إلى 2400 ليرة سورية جديدة؛ أي نحو 18.5 دولاراً، ذلكَ وفقاً لسعر الصرف المتداول البالغ نحو 12.950 ليرة سورية مقابل الدولار الأمريكي.
وقال وزير الطاقة السوري محمد البشير، في تغريدة عبر منصة "إكس"، إن اعتماد الأسعار الجديدة "جاء استناداً إلى توصيات اللجنة الدائمة المختصة، بما يضمن قرارات مدروسة تحقق التوازن بين استقرار السوق، واستدامة توافر المشتقات البترولية، ومصلحة المواطنين".
وأكد البشير أن الحكومة تعمل على ترسيخ نهج مؤسساتي يقوم على الشفافية، والمراجعة الدورية، واتخاذ القرار على أسس علمية واقتصادية، "بما يخدم الوطن والمواطن".
من جهته، أكد مدير الاتصال الحكومي في وزارة الطاقة السورية أحمد السليمان أن اللجنة الدائمة لتحديد أسعار الوقود ستواصل اجتماعاتها بشكل مستمر، "وستواكب بصورة دائمة تطورات أسعار النفط ومشتقاته في الأسواق العالمية، إضافة إلى دراسة مختلف المؤشرات الاقتصادية المحلية، بما يضمن اتخاذ قرارات مدروسة ومتوازنة تحقق استقرار السوق وتحافظ على استدامة توافر المشتقات النفطية".
ووفق سليمان، فإن آلية التسعير أصبحت تعتمد على المراجعة الدورية، "بحيث يتم تعديل الأسعار صعوداً أو هبوطاً عند وجود مبررات موضوعية تستند إلى بيانات ومعايير واضحة".
انتقادات شعبية
في المقابل، قوبل القرار بانتقادات عديدة من المواطنين، الذين اعتبروا أن التخفيضات لا تعكس انخفاض تكلفة الاستيراد بعد التحسن الكبير الذي شهدته الليرة السورية أمام الدولار خلال الأشهر الماضية.
وقال محمد ميري، وهو عامل في ورشة خياطة بمدينة حلب، لـِ "المدن"، إن الحكومة "تتحدث عن تخفيضات، لكن الواقع أنها أبقت الأسعار عند مستويات مرتفعة مقارنة بسعر الصرف الحالي"، معتبراً أن أسعار المحروقات كان يفترض أن تنخفض بصورة أكبر، بما ينعكس على تكاليف النقل وأسعار السلع والخدمات.
من جهته، اعتبر محمد الأحمد، وهو عامل بالأجرة الأسبوعية، خلال حديثه لـِ "المدن"، أن التخفيض ليس حقيقياً، لأنه جاء بعد ارتفاع قيمة الليرة السورية على نحو ملحوظ، مضيفاً أن المواطن كان ينتظر مراجعة شاملة للأسعار تتناسب مع المتغيرات الاقتصادية الأخيرة، لا مجرد خفض محدود لا يلمسه في حياته اليومية.
بدوره، تحدث سعيد حزوري، وهو موظف حكومي، عن أن انعكاس تحسن سعر الصرف على أسعار المحروقات جاء متأخراً، مشيراً إلى أن التجار رفعوا أسعار معظم السلع عندما تراجع سعر الليرة، بينما لم تشهد الأسواق انخفاضاً مماثلاً بعد تحسنها، الأمر الذي يزيد الأعباء على المواطنين ويضعف قدرتهم الشرائية.
ورأى المحلل الاقتصادي عبد السلام العمر أن تخفيض أسعار المحروقات في سوريا جاء منسجماً مع التطورات التي شهدتها الأسواق العالمية خلال الأسابيع الماضية، ولاسيما انخفاض أسعار النفط الخام، إلى جانب التحسن الذي سجلته الليرة السورية أمام الدولار، إلا أنه يعتقد أن هذا التخفيض لا يزال أقل من التوقعات التي كانت تنتظرها الأسواق والمواطنون.
وقال العمر، خلال حديثه لـِ "المدن"، إن أهمية القرار لا تكمن في نسبة التخفيض بحد ذاتها، وإنما في مدى انعكاسه على الاقتصاد المحلي، موضحاً أن أسعار المحروقات تعد من أهم عناصر التكلفة في مختلف القطاعات الاقتصادية، بدءاً من النقل والصناعة والزراعة، وصولاً إلى تجارة الجملة والمفرق.
وأوضح العمر أن نسب التخفيض الجديدة في سوريا تبدو متقاربة مع تراجع أسعار النفط العالمية إذا نظر إلى النفط وحده، وهي قريبة من تراجع خام برنت عالمياً بنحو 21 في المئة خلال الفترة الأخيرة.
ووفق العمر، فإن الانتقادات الشعبية تستند إلى نقطة مختلفة، وهي أن الانخفاض لم يأت نتيجة هبوط النفط فقط، بل تزامن أيضاً مع تحسن سعر صرف الليرة السورية، وهو ما كان يفترض وفق هذا الرأي أن يسمح بتخفيضات أكبر.
وبينما تؤكد الحكومة أن آلية التسعير الجديدة ستقوم على مراجعات دورية مرتبطة بالمتغيرات الاقتصادية وأسعار الطاقة العالمية، يبقى المعيار الأهم بالنسبة إلى المواطنين هو مدى انعكاس أي تخفيضات على تكاليف المعيشة وأسعار السلع والخدمات، في ظل استمرار الضغوط الاقتصادية وتراجع القدرة الشرائية.
عمار محمد الدروبي - المدن