راتب الجندي لا يشتري لحوماً وبيضاً: التضخم يلتهم إيران -- Jul 29 , 2026 376
شهد الاقتصاد الإيراني خلال العقد الأخير موجات تضخمية حادة، تأرجحت بين الصعود والهبوط بتأثير عوامل خارجية وداخلية متداخلة، كان في مقدمتها الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي وإعادة فرض العقوبات في 2018، ثم اندلاع الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران في 28 شباط/ فبراير 2026. تعكس المؤشرات مساراً تصاعدياً غير مسبوق في المستوى العام للأسعار، تزامن مع تدهور قياسي في قيمة الريال. إذ يُتداول الدولار الأميركي حالياً في السوق المفتوحة عند مستويات تتراوح بين 1.900.000 و1.910.000 ريال (ما يعادل 190 إلى 191 ألف تومان)، مفجراً بذلك أزمة طالت مختلف الشرائح الاجتماعية.
مسار التضخم في إيران
قبل العام 2018، كان معدّل التضخم في إيران مكبوحاً إلى حدٍ كبير، حيث تراجع من 16.6% في العام 2014 إلى 7.2% في العام 2016، قبل أن يعاود الصعود بشكل طفيف إلى 8% في 2017 وفقاً للبنك الدولي. لكن مع إعادة العقوبات، قفز التضخم إلى 31.2% في 2018، واستمر في المنحى التصاعدي ليبلغ ذروته عند 53.1% في 2022، ثم تراجع نسبياً إلى 35.8% في 2024 قبل أن يعود إلى 48.3% في 2025، وفقاً للبنك المركزي الإيراني.
أما العام 2026 فقد شهد قفزة نوعية. فقبل الحرب، سجل التضخم السنوي 68% في شباط/ فبراير، وفقاً لمركز الإحصاء الإيراني. وبعد بدء حملات القصف، تسارع المعدل شهرياً ليبلغ 50.6% في آذار، و77.2% في نيسان/ أبريل، و83.1% في أيار/ مايو، مسجلاً 88.6% في حزيران/ يونيو - وهو أعلى مستوى منذ الحرب العالمية الثانية. وبناءً على وتيرة النصف الأول من العام (بمتوسط نحو 75%)، ومع افتراض استمرار المنحى التصاعدي في النصف الثاني، يُتوقع أن يسجل متوسط التضخم السنوي الإجمالي نحو 82.5%، علماً بأن تقدير صندوق النقد الدولي كان 68.9%، لكن الوقائع الميدانية تجاوزت هذا التقدير بكثير.
السلع الأساسية: انهيار في القدرة الشرائية
لم يقتصر التضخم على الأرقام الكلية، بل تجسد في أسعار السلة اليومية للمواطن، حيث سجل متوسط تضخم الأغذية 110% في العام 2026، مع ارتفاعات قياسية: زيوت الطهي بنسبة 207%، والخبز والحبوب 142%، واللحوم الحمراء 117%، ومنتجات الألبان والبيض 90.2%. ولم تقتصر الزيادات على الغذاء، إذ ارتفعت خدمات النقل العام 82.5%، والملابس والأحذية 82.2%، والقطاع الصحي 81.4%، وهذا ما يعني أن جميع مفاصل الإنفاق اليومي للأسرة الإيرانية تضاعفت أسعارها خلال عام واحد.
فجوة مأساوية بين الدخل وتكاليف المعيشة
في مواجهة هذه الأسعار المتصاعدة، يُظهر هيكل الأجور الرسمي المعتمد من "المجلس الأعلى للعمل" للعام 2026 عجزاً واضحاً. فوفق التفاصيل الرسمية للعاملين الخاضعين لقانون العمل، وبتحويل القيم بالدولار على سعر الصرف الحالي في السوق الحرة (1.9 مليون ريال)، فإن الأجر الأساسي اليومي يبلغ نحو 2.9 دولار، والأجر الأساسي الشهري يبلغ نحو 88 دولاراً. وتُضاف إليه بدلات ثابتة: بدل طعام بقيمة 11.6 دولاراً، وبدل سكن بـ 15.8 دولاراً، وبدل زواج بـ 2.6 دولار، ليصبح إجمالي الدخل الشهري للعامل المتزوج حوالي 118 دولاراً فقط.
وبالمقارنة مع تكلفة سلة الحاجات الأساسية لأسرة مكونة من ثلاثة أفراد في العاصمة طهران، والبالغة نحو 400 دولار شهرياً، فإن هذا الدخل لا يغطي سوى 29.5% (أقل من الثلث) من المتطلبات الأساسية. أما متوسط الرواتب العامة فيتراوح بين 300 و500 دولار شهرياً، وقد يصل في طهران إلى 900 دولار في القطاعات النخبوية، بينما يتقاضى المدراء التنفيذيون والأطباء في القطاع الخاص أكثر من 30 ألف دولار سنوياً، في تناقض كبير مع رواتب الأطباء المقيمين التي لا تتجاوز بضع مئات من الدولارات. وتتفاوت الرواتب بشكل ملحوظ بين القطاعين العام والخاص، وبين العاصمة طهران وباقي المناطق.
الجيش والحرس الثوري والميليشيات
تتراوح رواتب الجنود الإلزاميين الشهرية بين 60 و100 دولار، وتختلف القيمة بناءً على مكان الخدمة والحالة الاجتماعية وعدد الأطفال. أما الضباط والجنود المحترفون فتبلغ رواتبهم نحو 185 دولاراً شهرياً، وهو ما يقارب أو يقل قليلاً عن متوسط الأجور. بينما تختلف رواتب أفراد الحرس الثوري أو الميليشيات المدعومة في الخارج بشكل كبير، إذ قد تتلقى بعض هذه الميليشيات رواتب تصل إلى 1000 دولار شهرياً، نظراً لطبيعة المهام القتالية، كما هو الحال مع "حزب الله" في لبنان، في حين يتلقّى العنصر المسلّح في جماعة الحوثي في اليمن نحو 200 دولار فقط.
دوامة فقر لا متناهية
يشير المرصد الإيراني لحقوق الإنسان إلى أن معدل الفقر الوطني بلغ 36%، ويرتفع إلى 50% في المناطق المحرومة والمهمّشة، مع بروز ظاهرة "الفقراء العاملين" (أي من يملكون وظائف لكنهم ما زالوا تحت خط الفقر). وقد دفع ذلك ملايين العمال إلى اللجوء إلى الوظائف الإضافية، أو الاستدانة وبيع الأصول لتغطية الحد الأدنى من متطلبات العيش.
وعلى الرغم من الحرب والعقوبات والتوترات الإقليمية، إلا أن الأزمة الاقتصادية في إيران بدأت قبل سنوات، وهي متجذرة في بنية النظام. ويقول المرصد: "قد تُفاقم الحرب والتوترات الخارجية الأزمة، لكنها ليست هي جذورها. تكمن الجذور في الفساد المتراكم، والاختلالات المصرفية، وعجز الموازنة، والسعي وراء الريع، وقمع الاحتجاجات، وانعدام المساءلة المؤسسية". ويضيف: "وصلت الفجوة بين الدخل وتكاليف المعيشة إلى حدٍّ لم يعد فيه العمل يضمن الخروج من دائرة الفقر. يعيش ملايين العمال والموظفين والمتقاعدين تحت خط الفقر رغم امتلاكهم وظائف أو تاريخ عمل".
هاني عضاضة - المدن