إيرادات قياسية تكشف الوجه الآخر لانكماش اقتصاد السعودية وسط الحرب

إيرادات قياسية تكشف الوجه الآخر لانكماش اقتصاد السعودية وسط الحرب -- Aug 03 , 2026 205

للوهلة الأولى، ترسم بيانات الربع الثاني صورة قاتمة للاقتصاد السعودي. 

انكمش القطاع النفطي بما يقارب 25% على أساس سنوي تحت ضغط حرب إيران، والتي أدت إلى تراجع إنتاج المملكة إلى أدنى مستوياته منذ عقود. حتى القطاع غير النفطي، الذي قاد النمو خلال السنوات الماضية، لم يسجل سوى نمو طفيف عند 0.6%، فيما تراجع الناتج المحلي الإجمالي 4.8%، بحسب بيانات الهيئة العامة للإحصاء التي نُشرت صباح يوم الخميس الماضي.

غير أن بيانات الميزانية التي صدرت في اليوم نفسه كشفت جانباً آخر لا يقل أهمية: صلابة في الإيرادات الحكومية مدفوعة بتنوع موارد الدخل وارتفاع أسعار النفط مع قدرة المملكة على التصدير خلال الصراع.

حيث أظهر الأرقام رتفاع الإيرادات النفطية بنسبة 22% على أساس سنوي إلى نحو 185 مليار ريال، وهو أحد أعلى المستويات الفصلية منذ 2017، رغم الانخفاض الكبير في معدلات الإنتاج. كما بلغت الإيرادات غير النفطية مستوى قياسياً، مدفوعة بزيادة الحصيلة الضريبية، في مؤشر على أن جهود تنويع مصادر الدخل خلال العقد الماضي بدأت تمنح المالية العامة ركيزة أكثر أهمية في أوقات اضطراب أسواق النفط. 

تراجع عجز الموازنة
ساهمت الإيرادات في مساعدة الحكومة على تحقيق أدنى مستوى لعجز الموازنة منذ سبعة فصول، بعد القفزة الكبيرة التي شهدها العجز في الأشهر الثلاثة الأولى من العام.


لا تعني هذه الأرقام أن الاقتصاد قد تجاوز الأشهر الأولى من الصراع بلا أضرار: فالانكماش الكبير في الناتج المحلي الإجمالي خلال الربع الثاني يؤكد حجم الصدمة، كما دفع محللي BMI التابعة لمؤسسة "فيتش سولوشنز" إلى توقع انكماش الاقتصاد خلال 2026 بـ1.3%. بالإضافة إلى ذلك، يقترب عجز الموازنة في النصف الأول بالفعل من مستهدف موازنة 2026 التي أعدت قبل اندلاع الحرب.

إقرأ أيضا: "BMI" تتوقع انكماش اقتصاد السعودية في 2026 قبل قفزة قوية للنمو العام المقبل

لكن تحليل أرقام الموازنة والأداء الاقتصادي في سياق أخطر أزمة جيوسياسية تهز المنطقة منذ عقود يكشف أيضاً مدى صلابة أكبر اقتصاد عربي وقدرة الحكومة على امتصاص الصدمة بأقل خسائر ممكنة حتى الآن.

كما كشفت بيانات الميزانية أولويات الإنفاق، حيث أظهرت ارتفاع النفقات الرأسمالية إلى ما يقارب الـ 90 مليار ريال في الأشهر الستة الأولى من 2026، وهو أعلى مستوى في النصف الأول منذ أن بدأت وزارة المالية نشر التقارير الدورية. 

في المقابل، تشير الأرقام ذاتها إلى قدرة الحكومة على ضبط النفقات، إذا تباطأ نمو الإنفاق الرأسمالي إلى 16% في الربع الثاني على أساس سنوي، مقارنة بـ 56% في الثلاثة أشهر الأولى، التي شهدت تسريع وتيرة الاستثمار في القطاع اللوجستي لتحويل مسارات التجارة إلى موانئ البحر الأحمر بدلاً من المنطقة الشرقية.

مساحة للمناورة 
كل ما تقدم يمنح المملكة مساحة أكبر للمناورة، لا سيما مع دخول الصراع شهره السادس، واستمرار تعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز وتهديد مسار التصدير عبر مضيق باب المندب.

 

ويرى محمد أبو باشا، رئيس تحليل الاقتصاد الكلي في بنك "إي إف جي هيرميس"، في تقديرات نقلتها "بلومبرغ" أن المملكة قد تسجل عجزاً في الموازنة يقدر لـ 5% من الناتج المحلي الإجمالي مقارنة بـ 5.8% في 2025 عند متوسط سعر 90 دولاراً للبرميل.

يبدو هذا السيناريو أكثر تحفظاً من تقديرات صندوق النقد الدولي، لكنه يتفق معها في الاتجاه العام: قدرة السعودية على خفض العجز هذا العام رغم التراجع الحاد في إنتاج النفط.

وكان صندوق النقد قد توقع في تقرير الأسبوع الماضي أن يتراجع عجز الموازنة إلى 3.7% خلال العام الجاري و 3.1% خلال 2027. 

النفط كأداة لاحتواء الصدمة
غير أن تقديرات الصندوق تظل مرتبطة بعودة تدريجية وقريبة للملاحة عبر مضيق هرمز تسمح بتعافي الصادرات والتجارة في المنطقة، في حين حذر التقرير من أن استمرار تعطل الشحن أو امتداد الصراع قد يؤدي إلى مزيد من التداعيات السلبية على الاقتصاد. 

ومع ذلك، نوّه الصندوق بقدرة الاقتصاد السعودي حتى الآن على الصمود في مواجهة الحرب، وهو ما يعكس "قوة أساسيات الاقتصاد الكلي، بما في ذلك وفرة الاحتياطيات الوقائية المالية والخارجية، وتنوع البنية التحتية للطاقة والخدمات اللوجستية ... وفعالية إدارة الأزمات." 

وهنا تكمن المفارقة الأساسية في بيانات الربع الثاني: فقد كان النفط السبب الرئيسي وراء الانكماش الحاد في الناتج المحلي الإجمالي، لكنه كان أيضاً أهم أدوات احتواء الصدمة. إذ سمح ارتفاع الأسعار واستمرار التصدير عبر البحر الأحمر بتحويل عدد أقل من البراميل إلى إيرادات أكبر، ومنح الحكومة الموارد اللازمة للحفاظ على الإنفاق ودعم الاقتصاد غير النفطي.

المصدر:
الشرق بلومبرغ

 

أقرأ أيضاَ

مصر تستثمر 128 مليون دولار لتنفيذ 6 خطوط أنابيب لنقل منتجات النفط

أقرأ أيضاَ

رغم تراجع طلب المستهلكين.. ارتفاع مبيعات التجزئة في ألمانيا