كتلة نيابية جديدة لصندوق النقد -- Aug 13 , 2026 13
لم يعد السؤال في لبنان يتمحور فقط حول مضمون الإصلاحات التي يطالب بها صندوق النقد الدولي، بل حول الطريقة التي بات يتعامل بها الصندوق مع الدولة ومؤسساتها الدستورية، وحول الطريقة التي تتعامل بها هذه المؤسسات مع مطالبه. فالمشكلة لا تكمن في أن يطالب الصندوق بإصلاحات، فهذا جزء طبيعي من أي برنامج تمويل، بل في أن يتحول من جهة تفاوضية واستشارية إلى طرف يتدخل مباشرة في النقاش التشريعي، فيما تبدو السلطة اللبنانية، حكومة ومجلساً نيابياً، عاجزة عن رسم حدود واضحة بين التعاون مع المؤسسة الدولية وبين الخضوع لإملاءاتها.
الوضع الشاذ في العلاقات بين الدولة اللبنانية وصندوق النقد الدولي لم ينشأ اليوم. فقد ساهم أسلوب الحكومات السابقة في التفاوض مع الصندوق في تكريس اختلال واضح في ميزان العلاقة. ففي عهد حكومة نجيب ميقاتي، عندما تولى سعادة الشامي مهمة التفاوض مع صندوق النقد، كان لافتاً أنه تم اختيار مفاوض لبناني كان سابقا موظفا في صندوق النقد. وبقي الشامي يتصرف على اساس انه موظف، يتلقى الاوامر والتوجيهات من ادارة الصندوق. وكان يتعاطى مع الصندوق بعقلية الموظف، أكثر مما يتعامل معه باعتباره طرفاً مقابلاً في مفاوضات بين دولة ذات سيادة ومؤسسة مالية دولية.
وقد يكون هذا الأسلوب أحد العوامل التي شجعت الصندوق لاحقاً على رفع سقف تدخله، إلى أن وصل الأمر إلى حدود تبدو أقرب إلى الوصاية السياسية منها إلى التفاوض المالي. وعندما يعتاد طرف دولي أن يجد أمامه سلطة مستعدة لتلقي مطالبه باعتبارها أوامر، يصبح من الطبيعي أن تتسع مطالبه وأن تتراجع الحدود التي يفترض أن تفصل بين تقديم المشورة والتدخل في صناعة القرار. وما جرى في الجلسة النيابية امس، يمثل نموذجا صارخا لاسلوب التعاطي مع الوزراء والنواب، بحيث أن وزير المالية لم يجد أي حرج بقراءة تعليمات جديدة وردته من صندوق النقد، على مسمع من النواب لاقناعهم بالتصويت لمصلحة التعديلات المطلوبة.
كتلة نيابية للصندوق
كان هناك زمنٌ يُعرّف فيه صندوق النقد الدولي عن نفسه بأنه «المُقرض الأخير»، والمستشار في السياسات الاقتصادية. يبدو أن تلك الأيام قد ولّت. في لبنان، اكتشف الصندوق لنفسه مهنةً جديدة: رئيس كتلة نيابية غير منتخب.
بينما كان البرلمان يناقش قانون إعادة هيكلة المصارف، فوجئ النواب بتداول رسائل عبر تطبيق «واتساب» صادرة عن رئيس بعثة صندوق النقد الدولي، تشرح لهم كيف ينبغي أن ينظروا إلى تعديلات محددة في القانون. إنه ابتكار دستوري لافت. ولماذا يكلّف الصندوق نفسه عناء إقناع الحكومة اللبنانية، إذا كان يستطيع ممارسة الضغط مباشرة على النواب؟ فالانتخابات، في نهاية المطاف، تبدو وسيلةً شديدة البطء.
لطالما اعتقدنا أن البرلمانات ذات السيادة تناقش القوانين، وأن الحكومات تدافع عنها، وأن المؤسسات الدولية تقدّم المشورة عندما تُطلب منها. أما في لبنان، فيبدو أننا ابتكرنا نموذجًا أكثر كفاءة: حكومة تراقب بصمت، فيما يتولى مُقرض خارجي إبلاغ النواب المنتخبين بما يجب أن يتضمنه تشريعهم.
هذا ليس دعمًا فنيًا، بل ضغط سياسي يرتدي ثوب الخبرة الاقتصادية.
تزداد المفارقة سخريةً عندما يصرّ صندوق النقد على تقديم نفسه بوصفه مستشارًا محايدًا. فالمستشار يقدّم النصح، ولا يقود الحملات. ولا يوزّع رسائل توجيهية على النواب أثناء مناقشاتهم البرلمانية. وبالتأكيد لا يسعى إلى التأثير في نتائج التصويت داخل برلمان يتمتع بالسيادة.
والأكثر إثارة للاستغراب هو هذا الحماس الانتقائي للإصلاح. فبينما جعل صندوق النقد من إعادة هيكلة المصارف معركته الكبرى، جاء أحدث تقرير لوزارة الخارجية الأميركية ليذكّر بحقيقة لا تقل وضوحًا: إن المالية العامة للدولة اللبنانية والدولة نفسها بحاجة إلى إصلاح جذري. نعم، المصارف تحتاج إلى إعادة هيكلة، لكن الدولة التي اقترضت، وأنفقت، وبدّدت الموارد، ثم أوصلت البلاد إلى الإفلاس، تحتاج إلى إعادة هيكلة قبل أي شيء آخر.
إذا كان هذا هو "الدليل التشغيلي" الجديد لصندوق النقد الدولي، ربما عليه أن يتوقف عن الادعاء بأنه مجرد مؤسسة مالية. ولِمَ لا يطلب صفة مراقب في مجلس النواب؟ أو الأفضل من ذلك، أن يُخصَّص له عدد من المقاعد النيابية. فهذا من شأنه أن يوفر على الجميع عناء التظاهر بأن النواب اللبنانيين يشرّعون باستقلالية.
قد تكون السيادة سلعة نادرة هذه الأيام، لكن ينبغي ألا تتحول إلى بند جديد في الميزانية العمومية لصندوق النقد الدولي.
استعادة السيادة
المفارقة، في النهاية، أن المسؤولية لا تقع على الصندوق وحده. فالمؤسسات الدولية تختبر دائماً حدود القوة التي يمنحها لها الطرف المقابل. وإذا كان لبنان قد سمح، على مدى سنوات، بأن تتحول المفاوضات إلى عملية تلقٍّ للشروط، فلا يستطيع اليوم أن يلوم الطرف الآخر على تماديه.
المطلوب ليس رفض صندوق النقد الدولي، ولا رفض الإصلاحات، بل استعادة معنى التفاوض. فلبنان يحتاج فعلاً إلى إصلاح مالي ومصرفي عميق، وإلى معالجة جذرية للخسائر، وإعادة بناء الثقة، وإصلاح الدولة. لكن هذه الإصلاحات يجب أن تكون نتيجة قرار لبناني، يناقشه مجلس النواب ويتحمل النواب والحكومة مسؤولية تبعاته أمام اللبنانيين، لا نتيجة تعليمات تصل إلى النواب عبر تطبيقات المراسلة.
فإذا كانت الدولة اللبنانية قد خسرت كثيراً من أموالها، فإن أخطر ما يمكن أن تخسره الآن هو حقها في أن تقرّر بنفسها كيف تستعيدها. ولا تزال أمامها فرصة لتصحيح الخلل، عبر ما ستقترحه على المجلس النيابي في مشروع قانون الفجوة المالية، وهو الأهم والأخطر. فهل ستنجح الحكومة في تجاوز هيمنة الصندوق، وتقدّم اقتراحات مختلفة عن تلك الاقتراحات المتسرّعة التي قدمتها في النسخة الاولى من مشروع قانون اعادة الودائع؟
نداء الوطن