المستشفيات على حافة الخطر: صرخة إنذار قبل فوات الأوان

المستشفيات على حافة الخطر: صرخة إنذار قبل فوات الأوان -- Aug 25 , 2026 14

القطاع الاستشفائي في خطر، والسكوت لم يعد ممكنًا. تحذيرات تطلقها المستشفيات تذكّر بتحذيرات مشابهة كان يطلقها خبراء اقتصاديون قبل الانهيار المالي. فهل يكون القطاع الذي صمد في أحلك الظروف وأصعبها على حافة انهيار مشابه، أم ثمة آذان ستصغي إلى صرخات أكثر من 40000 عامل في هذا القطاع، من أطباء وممرضين وموظفين وعمال، وتبادر إلى جعله أولوية على طاولة مجلس الوزراء، فتنصفه وتدعمه وتعيد إليه مجده الذي كان عليه، وتثبّت موقعه كواحة حياة وثقة وأمان للمواطن اللبناني، وعمودًا من أعمدة اقتصاده؟

رغم كل ما يطاله من انتقادات من وقت إلى آخر، وأصوات نشاز تعلو من هنا وهناك ضد المستشفيات وما يتكبده المريض من كلفة للاستشفاء، يبقى القطاع الاستشفائي في لبنان واحدًا من بين الأفضل في العالم، سواء من حيث مستوى الخدمات الطبية التي يقدمها ونوعيتها، وخبرة أطبائه وجهوزيتهم في أي وقت، أو من حيث قدرته على الصمود في ظروف تتخطى الظروف الطبيعية بمراحل. هو جوهرة تستحق أن تُصان، كما يؤكد نقيب أصحاب المستشفيات الخاصة، البروفسور بيار يارد، الذي أطلق منذ أيام صرخة ليضع الجميع أمام مسؤولياتهم في صون هذا القطاع وحمايته، محذرًا من أن عددًا من المستشفيات الخاصة عمد إلى تقليص عدد أسرّته وتقديماته الطبية وعدد موظفيه.


مشاكل عظيمة تراكمت على كاهل القطاع الاستشفائي منذ عام 2019: الانهيار المالي، جائحة كوفيد، انفجار المرفأ، عملية "البيجرز"، حربان متتاليتان، وغلاء مستشرٍ محلي وعالمي، جعلته ينوء تحت أعباء مالية وتشغيلية كبرى. الحكومة غارقة في مشاكلها ومفاوضاتها ومحاولات لملمة بعض تبعات الحروب، ووزارة الصحة لم تدفع أيًّا من مستحقاتها للمستشفيات منذ مطلع عام 2026، بعد أن كان تسديد المستحقات أفضل في عامي 2024 و2025، والتعرفة التي تدفعها في العادة أقل من الواقع بأشواط، كما يقول النقيب د. يارد.

من جهتها، تتأخر شركات التأمين في دفع مستحقاتها حتى سنة أو سنة ونصف أحيانًا، كما تؤكد السيدة ريما بخعازي، مديرة مستشفى BMG، فيما تفرض العقود عليها الدفع خلال مدة لا تتخطى 60 يومًا، لكن معظمها لا يلتزم بالمدة، كما أن تعرفتها لا تزال أدنى مما كانت عليه قبل الأزمة، ولا تتخطى 70 إلى 80% من تعرفة 2019.

والضمان الاجتماعي يعاني ما يعانيه من ضعف قدرته المالية، لكنه يجاهد ليبقى صلة الوصل بين المواطن والمستشفى، ويدفع مستحقاته للمستشفيات، رغم كون تعرفته لم تعد إلى ما كانت عليه في عام 2019، ولا تزال تشكل نحو 40% من الكلفة الحقيقية للاستشفاء.


هذا من دون أن ننسى ما تكبدته مستشفيات بيروت من أضرار إثر انفجار المرفأ، فاضطرت إلى الترميم والتجديد ومعالجة الجرحى من دون نيل أي تعويضات من الدولة، وما تكبدته مستشفيات الجنوب من تدمير واعتداءات وتهجير، واضطرار بعضها إلى الإقفال.

أعباء ثقيلة ثمن أزمات متراكمة

النقيب يارد يعترف أنه لولا مرضى التأمين، لما استطاعت المستشفيات الاستمرار، فتعرفة هذه الأخيرة أفضل من تعرفة وزارة الصحة وتسعى المستشفيات اليوم إلى التفاوض معها لزيادة التعرفة. لكن إذا كانت مستشفيات العاصمة تتكل على مرضى التأمين، فإن مستشفيات الأطراف تتكل على وزارة الصحة والجيش والقوى الأمنية، وأي تأخير في الدفع يجعلها عاجزة عن الاستمرار. سلسلة من الصعوبات يسردها النقيب إلى جانب التأخير في الدفع وأبرزها غلاء الأسعار والتضخم وارتفاع سعر الفيول والمستلزمات الطبية، بحيث صارت الكلفة التشغيلية أكبر من المردود. ويورد مثالًا على ذلك، أن مستشفى الجعيتاوي، الذي يتولى إدارته، يحتاج يوميًا إلى عشرة أطنان من المازوت، أي ما يعادل 12000 دولار يوميًا، في حين أن مركز الجامعة الأميركية الطبي يستهلك، مع محيطه، 50 طنًا يوميًا. ومع غلاء كلفة كيلوواط الكهرباء، الذي بات من الأغلى عالميًا وبلغ قرابة 35 سنتًا، يمكن تقدير ما تتكبده المستشفيات في مجال تأمين الطاقة وحدها. وهنا يذكر النقيب أن مستشفيات فرنسا، مثلًا، لم تشغّل أجهزة التكييف فيها في عزّ موجة الحر، فيما في لبنان تبقى المكيفات شغّالة بشكل شبه متواصل، ما يزيد الكلفة أضعافًا.

إلى ذلك، يضاف الوضع الأمني في الجنوب الذي أدى إلى تهجير أبناء المنطقة وتهجير المستشفيات وساهم في إيصال الناس إلى أوضاع اقتصادية مزرية باتوا فيها عاجزين عن الاستمرار ودفع تكاليف استشفائهم، لا سيما أن مستشفيات بيروت أعلى سعرًا من مستشفيات الجنوب. ويقول النقيب إن الضمان الاجتماعي يؤمن اليوم 40% من كلفة الاستشفاء ما يضطر المستشفيات إلى طلب الفروقات التي تبلغ نسبتها 60% من المريض. وحذّر الضمان بعض المستشفيات وألغى تعاقده معها كون الفروقات التي تطلبها من المرضى كبيرة جدًّا. "نحن مضطرون لطلب هذه الفروقات، يقول د. يارد لنتمكن من الاستمرار على أن تكون منطقية، والحل هو أن يرفع الضمان تعرفته ليصبح هامش الفروقات أضيق، علمًا أن المستشفيات لا تحمّل هذا الفروقات للجيش والقوى الأمنية. كذلك لا بد من الإشارة أنه مع أزمة المصارف لم تعد المستشفيات قادرة على الحصول على تسهيلات مالية منها لشراء المستلزمات والمعدات ما يفاقم من أزماتها وقدرتها على الاستمرار".


من جهتها، ترى السيدة بخعازي أن المشكلة متعددة الأطراف وقد بدأت في العام 2019 وأخذت أبعادها مع انفجار المرفأ، حيث لم تسدد وزارة الصحة أي مبالغ للمستشفيات عن جرحى الانفجار الذين تمت معالجتهم في المستشفيات. أما عن جرحى "البيجر"، فدفعت الدولة وفق الأسعار القديمة التي لا تواكب التضخم السائد حاليًا، وكأن المستشفيات الخاصة مضطرة أن تلعب دور المستشفيات الحكومية من دون أن تتلقى التعويض المناسب، في حين أنها ليست قادرة ماديًّا على لعب هذا الدور. لكن تبقى العثرة الأبرز برأي بخعازي في شركات التأمين التي تتأخر في دفع مستحقاتها للمستشفيات، علمًا أن مرضى التأمين يشكلون 60 إلى 70% من مجمل المرضى. وحين تبادر الشركات إلى دفع ما عليها، تكون قيمة الأموال قد انخفضت بسبب التضخم وغلاء الأسعار بحيث لا تعود المستشفيات قادرة على تأمين ما يعرف بكلفة الاستبدال، أي تجديد مخرونها من الأدوية والمستلزمات الطبية وتجديد معداتها.

بين الضمان المنهك وشركات التأمين المتحكمة بالسوق الاستشفائي تقف المستشفيات "حجرًا بين شاقوفين" فهي لا تتلقى التعرفة التي تمكنها من الاستمرار والتي لا تزال أقل بكثير من العام 2019، في حين أن الرواتب قد عادت إلى سابق عهدها بالنسبة للأطباء و الممرضين والموظفين، وارتفعت الكلفة التشغيلية للمستشفيات بشكل كبير لا سيما بالنسبة للطاقة.


و"في حين تتكتل شركات التأمين ولا تخضع لرقابة صارمة، يُمنع علينا نحن المستشفيات أن نتحاور ونتضامن وتُفرض علينا رقابة ونتلقى تنبيهات"، تقول بخعازي. إلى ذلك، تضاف فوضى المراكز الطبية والعيادات التي لا تخضع لرقابة فعلية صارمة كما المستشفيات وتعمل على منافستها بشكل كبير.

نقابة الأطباء، التي تُعتبر ordre، فرضت على شركات التأمين تعرفة ملائمة، واليوم ينال الطبيب بدلا يوازي 105% مما كان عليه قبل الأزمة، سواء من المريض أو من شركات التأمين، في حين أن المستشفيات الخاصة غير قادرة على فرض تعرفة مناسبة على شركات التأمين. الحل يبدأ بفرض رقابة أكثر صرامة على هذه الشركات وضبط أوضاعها لوضعها أمام مسؤولياتها، لا سيما أن النسبة الأكبر من المرضى هي من مرضى التأمين.

بين الكبيرة والصغيرة، من يدفع ثمنًا أكبر؟

تتوزع مستشفيات لبنان بين مستشفيات جامعية كبرى، ومستشفيات متوسطة، وأخرى صغيرة، ويبلغ العدد الإجمالي للمستشفيات الخاصة 130 مستشفى، إضافة إلى 40 مستشفى حكوميًا، بقدرة استيعابية عامة تصل إلى 10000 سرير. وفي حين تكون الكلفة التشغيلية للمستشفيات الصغيرة والمتوسطة أقل نسبيًا من تلك التي تتكبدها المستشفيات الكبرى، وقدرتها على إدارة مصاريفها والسيطرة على الكلفة أكبر، فإن المستشفيات الكبيرة، ورغم الكلفة التشغيلية الهائلة التي تتكبدها، قادرة على الصمود أكثر نظرًا إلى كونها تتلقى الدعم والمساعدات من جهات متعددة، كما يؤكد كل من النقيب يارد والسيدة بخعازي.

فالمنظمات العالمية والمتبرعون والبورد والجامعات التي تتبعها المستشفيات تعمل جميعها على مدّ هذه المستشفيات بالدعم المالي والهبات. فمركز الجامعة الأميركية الطبي، على سبيل المثال، تلقى 150 مليون دولار من البورد الأميركي، فيما تلقّت أوتيل ديو هبات من فرسان مالطا. وتجديد بعض المعدات أو استقدام أحدثها غالبًا ما يكون بهبات، كما حصل مع مستشفى الجعيتاوي الذي تلقى جهاز روبوت كهبة.


ولكن، سواء كانت كبيرة أو صغيرة، تحتاج المستشفيات اللبنانية إلى دعم من الحكومة، وإلى جعل القطاع الاستشفائي من الأولويات، كما حصل أثناء الأزمة المالية، حين جعل قائد الجيش حينها، جوزاف عون، طبابة العسكر وعائلاتهم أولوية وحافظ عليها، ليحافظ بذلك على تماسك الجيش، كما يقول يارد. المطلوب اليوم من كل الوزارات جعل الاستشفاء أولوية للنهوض بهذا القطاع الذي لا يتوقف دوره على الصحة، بل يشكّل رافعة اقتصادية بملايين الدولارات.

والمشكلة لا تكمن فقط في علاقة المستشفيات بوزارة الصحة أو الضمان الاجتماعي والجهات الضامنة أو شركات التأمين، بل بمجموعة من الوزارات، تدور كلها في حلقة واحدة، تكاد تكون مفرغة. فوزير الصحة مثلا يرسل الفواتير إلى وزارة المالية التي تتأخر في إقرارها نظرًا إلى عدم وجود الأموال اللازمة. وزارة العمل من جهتها هي الوصية على صندوق الضمان الاجتماعي ويمكن أن تفرض عليه زيادة التعرفة، لكن الصندوق لا يمكن أن يحسّن من تعرفته ما لم يحسّن الجباية. بدوره وزير الاقتصاد، مدعو للضغط على شركات التأمين ومراقبتها لحثها على الدفع في الوقت المحدد. وكذلك وزارة الطاقة مدعوة لتخفيف كلفة الطاقة عن المستشفيات. صحيح أن الدولة خفت مداخيلها وازدادت نفقاتها وساهمت الحروب المتكررة في انهيار قطاعات عدة، لكن الحلّ يبقى في يد الحكومة مجتمعة كما يقول النقيب ويقوم على جعل القطاع الاستشفائي أولوية أمامها.

"لقد استنزفنا وصرنا على حافة الهاوية وما صرختنا اليوم إلا للتحذير قبل أن تقع الفأس في الرأس".

زيزي إسطفان - نداء الوطن

أقرأ أيضاَ

كهرباء لبنان فَعَلَتها... من دَفَع ومن لم يَدفَع؟

أقرأ أيضاَ

السعودية فتحت الأبواب امام منتجات لبنان والمنافسة احتدمت مع المصريين والاتراك